لن يخيفني الحديث إليك من بعيد أيها الشاب الوسيم الذي هو أنت، برغم عشرات السنين التي تفصل بيننا، وتوحي إليك، أو تكاد، بأنَّ الشباب الذي كُنته في عمرك قد ذهب كله مني. صدِّق، أو لا تصدِّق! فهذا الشاب ابن الثامنة والسبعين ونيف لا يزال يعيش في مشاعر وفي أحلام طفولتك وشبابك كاملين غير منقوصين، حتى بالتفاصيل. هل يزعجك ذلك؟ معاذ الله. بل إني لأزعم أنه يفرحك ويثلج صدرك.

هل تذكر كيف بدأت، وأنت في الخامسة عشرة من عمرك، ثورتك على الطقوس التي كادت تقفل الباب أمام طموحك الجامح نحو الحرية؟ وهي ثورة جاءتك تدريجياً، بالقراءة التي كنت فيها نهماً، وبالمعاشرة التي عرَّفتك إلى أصدقاء من أساتذتك كانوا قد تقدَّموا عليك في العمر، وسبقوك في اختيار طريقهم إلى الثورة. لكنك كنت، وأنت في ثورتك وفي تمردك، اللذين رفضت بهما كل ما كنت تراه ناشزاً ومعيقاً لأحلامك، تقف عند سؤال لم تستطع أن تمتلك الجواب عنه إلاَّ في فترة لاحقة.

وهو سؤال يتعلق في كيف تحقق ثورتك، وفي أي اتجاه، وبأية وسائل، وبأية قوى، ومع مَن مِن أبناء شعبك، ومع مَن مِن أبناء جيلك، على وجه الخصوص. وكان عمرك لا يسمح لك بأن تجد الجواب عن ذلك السؤال الحقيقي. غير أنك، إلى جانب ذلك، أبقيت، بحسٍّ فطري عندك لا صلة له بعلم التاريخ وبقوانين تطور حركته، صلة الوصل مع القديم المتمثل بالشيخ الجليل والدك، وبالحاجَّة الوديعة والدتك.

وكان حبك لهذين الأبوين الرائعين يترافق عندك بإحساس عفوي إزاءهما، يتراوح بين حبك العظيم لهما، وخوفك العظيم على مشاعرهما من تحولاتك. وكانا، كلاهما، في مثل ما كنت أنت فيه، من دون أن تدري، أسيري الحالتين ذاتيهما، حبهما العظيم لك، وخوفهما العظيم عليك.

أعترف لك يا صديقي بأن حنيني إليك، وإلى زمانك، وإلى عمرك، وإلى مشاعرك وأحلامك، هو حنين عظيم. وكثيراً ما أعود إلى ألبوم الصور القديم لكي أخفف من لوعة ذلك الحنين. فأفرح حين أرى فيك ذلك الشاب الوسيم العامر بالحياة، وأبتعد لفترة من الوقت عن مواجهة ذاتي في المرآة.

لكن ما كان يدهشني، وأنا أقلِّب صورك، هو الشبه الكبير بين إبني الحبيب غسان وبينك. فكنت أشعر للحظات أنكما متحدان، برغم المسافات، وأنني متحد فيكما بالمشاعر، وبأمور أخرى لا تحصى عدداً ونوعاً. فأذرف دمعة حب وفرح.

لعن الله ما أنا فيه من هموم، في هذه اللحظات الزمنية التي أقترب فيها من قمة العمر. إنها هموم هذا الزمن الموحش الذي ثرت أنت عليه، وتمردت، وعجزت، بكل ما ارتبط بوعيك المبكر، مع جيلك وأجيال أخرى، عن تحرير وطنك الصغير الجميل لبنان، وتحرير وطنك الكبير، الوطن العربي، منه.

همومي هذه تلح عليَّ بأن أذكِّرك كيف كنت تمزج، في عمرك المبكر ذاك، بين مشاعر المراهق وأمزجته وهوسه وحيرته، وبين المشاعر التي هي عادة ملك المتقدمين عليك في العمر، لا سيما ما يتصل من تلك القضايا الكبرى، بوطنك لبنان، وبالعالم العربي، وما يتصل منها بحاضر العالم وبمستقبله.

فقد كنت، بأحلامك في زمانك، شديد الشبه بي في أحلامي المؤجلة، تتجاوز حدود وطنك لبنان، وحدود عالمك العربي، إلى شعاب الأرض كلها. كما كنت تتجاوز حدود المسافات الزمنية باتجاه الآتي البعيد من الأزمنة. وكثيراً ما كانت تتغلب في مشاعرك الوطنية، اللبنانية الأصل والفصل، على مشاعر المراهق فيك، إلى الحد الذي اكتشفت فيه أنك معني بفلسطين مثلما أنت معني بلبنان.

وفلسطين كانت رفيقة لك منذ الولادة في بلدتنا الجميلة حاريص، التي تقع على مسافة قصيرة من الحدود الشمالية لهذا الوطن المعذَّب المستباح، فلسطين المقطعة الأوصال، بالاغتصاب الإسرائيلي، وبالمغامرة التي اختارها بعض أبنائها طريقاً لهم لتحريرها من الغاصبين.

أتذكر يا صديقي أنك كنت تحب الشعر، وتستمتع بقراءة النماذج الجميلة فيه من كل العصور، وأنه كان لك من بين كبار الشعراء أصدقاء حميمون. لكنك حين أردت أن تقرض الشعر استعصى عليك الأمر. حاولت كثيراً، وعانيت الكثير في محاولاتك.

كنت تذهب إلى شاطئ مدينة صور الرملي النادر المثال، المقيم سعيداً منذ أقدم العصور على الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط.

وكنت تختار لتأملاتك الشعرية ساعتين، ساعة بزوغ الخيوط الأولى للشمس القادمة من الشرق، قبل أن تملأ نهارات أيامنا بوهجها، وساعة مغادرة الشمس لتلك النهارات، مخلفة وراءها خيوطاً حمراء مشعة، معلنة ذهابها في الأفق البعيد، في صورة لؤلؤة سرعان ما كانت تبتلعها مياه بحرنا العظيم، بحر الحضارات الكبرى في التاريخ. وكنت تختار زمنين لتلك التأملات.

الزمن الذي يكون فيه ربيع بلادنا قد بدأ يودع آخر أيامه، والزمن الذي يكون الخريف فيه قد بدأ يعلن قدومه. كنت تسير على رمال ذلك الشاطئ، مبعثر الشعر بيدك، حين لا يسعفك النسيم العليل في بعثرته، لكي تبدو عليك صورة الشاعر المجنون، القادم حديثاً من وادي عبقر.

وكنت في تلك اللحظات تعلن، من دون أن تفصح، استمتاعك الجميل برذاذ مطر كان ينعش الروح، من دون أن يبلل الجسد، وما فوق الجسد من غطاء. كنت تغرق في فيض تأملاتك. لكنك لم تتمكن، برغم تلك التأملات، من دخول عالم عبقر.

ولم تستطع أن تجد الجواب الذي يريحك في تفسير تلك الظاهرة. ولم يستطع فيض الأفكار والصور والمشاعر أن يتحول عندك، برغم كل جهودك، إلى لغة شعرية.

وهكذا حرمت يا للخسارة - من إتقان لغة الشعراء. وسدّت أمامك الطريق إلى الدخول في عالمهم. وأكاد أشعر - بيني وبينك - أن فشلك في كتابة الشعر ربما كان لمصلحة الشعر، ولمصلحتك أنت بالذات، ولمصلحتي!

إلا أنك، بسبب عنادك، تحولت إلى الكتابة المسرحية، بعد فشلك في كتابة الشعر. فقرأت الكثير من المسرحيات. وكتبت نصاً صغيراً هو حوارية ذهنية نشرتها لك إحدى الصحف العراقية. واكتفيت بأن رسمت بالقلم صوراً لشخصيات مسرحية، من دون أن تتمكن من تحويل هذه الصور إلى نصوص مسرحية.

وفشلت للمرة الثانية فيما كنت تسعى إليه، لاقتناعك بأنك لست مؤهلاً له. ثم قرأت القصص والروايات. وكتبت قصة قصيرة لم تنشرها.

وتوقفت، بعد التجربة، عن ممارسة الكتابة في هذا الجنس الأدبي. وإذ أدركت، بعد كل التجارب، أنك محكوم بالفشل في محاولاتك للدخول في عالم الإبداع الأدبي، قررت الهروب في اتجاه آخر. فاخترت الموسيقى. هويت الموسيقى فيما يشبه العشق الروحي. لكنك قررت ألا تبذل أي جهد في تفسير عشقك للموسيقى، وفي تفسير ما تستمتع به من مقطوعات وسوناتات موسيقية ومن سمفونيات.

ولم يمض وقت قصير، بعد تلك المغامرات، حتى أخذتك السياسة إلى حيث أنا اليوم، من دون أن تفقدك السياسة، أو تفقدني، عشقنا للآداب وللفنون، ومن دون أن تجعلك أو تجعلني واحداً من المبدعين في أي من أجناسها. هكذا، يا صديقي، أورثتني «ورطة» الانغماس في السياسة حتى العظم. سامحك الله.

لكنها ورطة لا أندم عليها. إذ هي وضعتني في موقع حاولت فيه، وبالاستناد إلى أفكار عظيمة كنت أنت قد انتميت إليها، تحقيق أحلامك وأحلامي.

واعترف لك، ولجميع رفاقي وأصدقائي، أنني فشلت، وفشلنا فيما كنا منغمسين حتى العظم في النضال لتحقيقه من تلك الأحلام. وليس عيباً أن يفشل الإنسان في تحقيق أحلامه. لكن الخطأ الفادح أن يعلن المناضل من أجل قضية كبرى، اليأس، حين يفشل. وإذ أؤكد لك أنني، مثل جميع البشر، أشعر بمرارات الخيبة، فإنني أعلن لك بأنني عدو اليأس.

هل تتذكر الحب؟

هل تذكر يا صديقي كيف تعرفت إلى الحب؟ لقد أحببت جميع بنات جيران منازلنا في مدينة صور. وكانت ثقتك بوسامتك توحي إليك، وتوهمك، بأن أجملهن وقعن في حبك، من دون أن تجرؤ على الجهر بذلك. إذ كنت تخشى من الاصطدام بأوهامك وبتخيلاتك. وهكذا فقد كان الحب العذري رفيقك في ذلك العمر، غصباً عنك، وضد مشاعرك، وضد إرادتك.

لكنك سرعان ما عوضت ذلك الحرمان بفيض من علاقات الصداقة والعشق لجميلات كثيرات من نساء العالم، حين ذهبت، وأنت في مطالع العمر، إلى أوروبا.

وصرت مواطناً ممتازاً لمدينة بودابست ولمدينة فيينا ولمدينة براغ ولمدينة موسكو، ثم فيما بعد لمدينة باريس، أجمل مدن الدنيا، بعد بيروت، بالطبع، بيروتك وبيروتي، وبيروت الكثيرين من شتى بقاع الأرض، الذين ينافسون اللبنانيين في حب هذا البلد الجميل، الفائق الجمال.

كم أشعر بالشوق إليك يا صديقي، إليك في عمرك الجميل ذاك، إلى قلقك الرائع الممتزج بالأمل. أشتاق إلى ذلك الزمان زمانك، بكثير من الحنين. هل في ذلك ما يدعو إلى العجب؟ لكنني أدعوك، في هذه اللحظات التي أتوجه فيها إليك بهذا الحديث، أن تستمع إلى ما سأقوله لك بالانتباه والاهتمام اللذين كانا دائماً من سمات شخصيتك منذ عمرك المبكر.

إنني، إذ أخاطبك اليوم، فلأنني أحب أن أستعيد معك شبابي وشبابك. وحين أتأملك اليوم في ألبوم الصور، وفي الذكريات، فإنني أشعر، بكثير من الارتياح، بأنني عشت شبابي، كما يحب كل شاب أن يعيش.

عشت هذا الشباب بالفرح وبالمعاناة وبالأحلام كذلك، الأحلام التي كانت تزدهر أحياناً، وتذبل أحياناً، إلى أن تكسرت مع المطالع القادمة لنهاية العمر.

واعلم يا صديقي أنني، برغم مأساة أيامنا السابقة، والراهنة، والمحتمل استمرارها لبعض الوقت، لم أفقد الأمل بمستقبل جميل لبلادي وللعالم، العالم الذاهب سريعاً في اتجاه وحدته. لا تسألني عن وحدة العالم الآن. ولا تطلب مني تفسيراً للعولمة.

فهذا شأن صعب. لكن همي الحقيقي هو أن أرى شعبي وشعوب العالم وقد تحررت من آفات العصر التي تدمر حياتنا: القهر الرأسمالي المتوحش، والاستبداد، والغطرسة، والهمجية التي تسيل بفعلها دماء الفقراء في شوارع بغداد خصوصاً، وفي شوارع مدن فلسطينية، وفي شوارع عربية وأوروبية وأميركية، من دون أن تستثني تلك الهمجية في طريقها رموزاً في الفكر وفي العقل وفي السياسة في بلدنا الجميل لبنان.

إنه لأمر مثير لأعمق مشاعر الحزن والقلق عندي أن أرى هذه الدماء تسيل بغزارة، في بلداننا وفي العديد من بلدان العالم. ألا ترى بعينك الثاقبة آثار هذا الحزن على وجهي، الوجه العتيق الذي لم تقو على تشويهه، حتى الآن، تجاعيد السنين؟

إنني أدعوك إلى أن تطمئن. فأحلامك الجميلة لا تزال تعيش فيَّ كما لو أنني مسمَّر في الزمان الذي كنت أنت فيه، إلى الحد الذي أشعر معه وكأنني نسيت أن أكبر وأن أتغير. أحلامي بمستقبل زاهر لوطني ولشعبي وللعالم هي التي تشكل سر استمراري في الحياة بهذا الأمل بالتغيير.

فنحن محكومون بالأمل. ولا خيار أمامنا سوى التمسك به، رغم كل الصعاب. وهذا ما يجعلني اليوم أغامر في البحث عن المستقبل، بوسائل تتغيَّر شروطها ولا يتغيَّر جوهر المبتغى من ذلك المستقبل.

رفاق وتاريخ

ألم تسمع بسعد الله ونوس، الذي كتب في تقديمه المجموعة الكاملة لأعماله المسرحية، قبيل رحيله، كتب إليَّ ما يشبه الوصية بأن أظل في الإتجاه ذاته الذي كنت أتحدث إليه عنه عندما كنا نلتقي عنده مع نفر من رموز ثقافتنا العربية؟

وبالطبع فأنت لم تعرف عبدالرحمن منيف. ولا سمعت بإدوار سعيد وبمهدي عامل وبسمير قصير. ولا عرفت جورج حاوي، الذي صار في مرحلة قريبة من عمرك رفيق عمري ودربي على امتداد ما يقرب من نصف قرن. أذكِّرك بهؤلاء لكي تعلم يا صديقي أن الحياة جميلة، وأنها، كما يقول ناظم حكمت، تستحق منا، برغم كل شيء، أن نعيشها بكل مشاعرنا وأفكارنا، وبكل أحلامنا الهادفة إلى جعلها دائماً أكثر جمالاً، وأقل قبحاً.

لم أذكِّرك بحسين مروة، معلمك ومعلمي، وبابنه رفيق عمرك وعمري، نزار. وهل أنت بحاجة لأن أذكِّرك بأن لأبي نزار دوراً مهماً في رعايتك عندما كنت في ضيافته في مدينتي الكاظمية وبغداد على مدى عامين. فرعاك، وأسهم في تعميق ما كنت قد ورثته من والديك الشيخين من قيم. وقدَّم لك، من موقعه العلمي الكبير، مفاتيح أساسية للبحث عن المعرفة وامتلاك ما بوسعك امتلاكه منها.

وهل تستطيع أن تنسى رفيق عمرك وعمري نزار، الذي علَّمك، رغم أنه كان يصغرك بعام واحد، حب الموسيقى، وفتح عينيك على أمور كثيرة لم تكن ثورتك المبكرة قد دلَّتك عليها. لكن ما لا تعرفه عن أبي نزار وعن نزار هو أنهما غادرا الحياة بالقسر. الأول بكاتم الصوت الذي انقضَّ على الأعوام الثمانين من عمره الحافل بالعطاء، وأنهاها في لحظة غاشمة. أما الثاني فبمرض خبيث جاءه على غير موعد وصرعه.

اعتراف

أعترف لك، في خضم هذا الحديث الممتع عن زمانك، وهذا الحديث المليء بالخيبة وبالأمل عن زماني، بأن جيلي، جيل الثورة والتمرد، جيل الأحلام الكبرى، لم يستطع أن يحقق للأجيال الجديدة ما كان يطمح بصدق وبمعاناة وبنضال تحقيقه لها. فقد وقعنا في أخطاء وخطايا. وسقطنا في امتحانات كبرى. لكن عذرنا أننا بذلنا جهوداً كبيرة في هذا الاتجاه الذي تصورناه صحيحاً.

ولم نكن في تصورنا، وفي أحلامنا، خاطئين. نجحنا في بعض ما كنا نبتغي فعله. ثم خسرنا ما كنا قد أنجزناه. وتركنا للأجيال الشابة تجاربنا الغنية، ومحاولاتنا الصادقة، ونقداً صارماً لأخطائنا.

وهذا زاد تستطيع هذه الأجيال أن تستفيد منه. وسوف نحاول، بما لدينا من بقايا شباب يتجدد برغم السنين، أن نظل إلى جانب الأجيال الجديدة، لكن بظل خفيف، خفيف جداً، تاركين هذه الأجيال، على قاعدة ما تقدم وما تأخر، ومن دون إبطاء، أن تمارس دورها في صنع مستقبلها ومستقبل بلدانها.

أما أنا يا صديقي العزيز فإنني باقٍ في الموقع الذي بدأته في عمرك، ومعه كل تجاربي. باقٍ بأحلامي وأملي، وبجهد فكري متواضع. ولن أتراجع، برغم كل ما أعيش فيه من حزن، وبرغم كل ما تنذر به من مخاطر على حياتنا آفات العصر المتمثلة بكل أنواع الهمجيات، سواء منها الآتي إلينا من قلب الحضارة المعاصرة، أم ذلك الآتي إلينا من كهوف التاريخ الموحشة.

وأجزم لك بأن أكثر ما يسعدني، ويشدني إلى الحياة والاستمرار فيها، عالمي الصغير الجميل الذي أعيش في وسطه، زوجتي الرائعة نجوى، وولدانا هانية وغسان، اللذان يمثلان، بالنسبة إلينا نجوى وأنا، أثمن ما في الوجود.

لقد حان وقت الذهاب إلى النوم. بلغت الساعة الحادية عشرة ليلاً. فتلك هي الساعة التي أخلد فيها إلى النوم. لن أقول لك إلى اللقاء. لكنني لن أقول لك وداعاً.

استرجاع ذكريات شاب متمرد ومتحمس

يسعى الكاتب كريم مروة في هذه الحلقة إلى إلقاء ضوء على مرحلة عمرية متخمة بالأحداث وبالأحلام الكبيرة.

وبعدما يعرض كريم مروة لبعض الأسماء التي مرت عليه ومر بها، بدءاً من والديه، يعترف بأن هذا الحديث الممتع عن زمانه يخفي في بواطنه حديثاً مليئاً بالخيبة، فجيله، جيل الثورة والتمرد، جيل الأحلام الكبرى، لم يستطع أن يحقق للأجيال الجديدة ما كان يطمح بصدق وبمعاناة وبنضال تحقيقه لها.

ويقول: «وقعنا في أخطاء وخطايا. وسقطنا في امتحانات كبرى. لكن عذرنا أننا بذلنا جهوداً كبيرة في هذا الاتجاه الذي تصورناه صحيحاً. ولم نكن في تصورنا، وفي أحلامنا، خاطئين. نجحنا في بعض ما كنا نبتغي فعله»

ويتابع مروة: «سوف نحاول، بما لدينا من بقايا شباب يتجدد برغم السنين، أن نظل إلى جانب الأجيال الجديدة، لكن بظل خفيف، خفيف جداً، تاركين هذه الأجيال، على قاعدة ما تقدم وما تأخر، ومن دون إبطاء، أن تمارس دورها في صنع مستقبلها ومستقبل بلدانها».

ويشدد على أنه «باقٍ في الموقع الذي بدأته، ومعه كل تجاربي. باقٍ بأحلامي وأملي، وبجهد فكري متواضع. ولن أتراجع، برغم كل ما أعيش فيه من حزن، وبرغم كل ما تنذر به من مخاطر على حياتنا آفات العصر المتمثلة بكل أنواع الهمجيات».

كريم مرورة