بعد أن تصل إلى الإشارة إلى نهاية حرب صيف 2006 تحاول مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة في كتابها «مذكرة إلى الرئيس المنتخب» استشراف مستقبل الأوضاع هناك فتشير إلى أنه في ظل وجود قوات الأمم المتحدة على الحدود بين لبنان وإسرائيل فإن هذه الحدود ستظل هادئة لبعض الوقت، وربما لسنوات ولكن في غياب التغيير السياسي، فإن احتمالات المستقبل القريب وربما البعيد تدور حول القتال. وكما هو الوضع دائماً في الشرق الأوسط فإن السلام يبدو وكأنه فترة هدوء فقط ما بين الحروب.

ثم تناقش أسس قيام إسرائيل وموقف العرب منها فتذكر أنها تقوم على ثلاثة أسس أولها ديني وهو الوعد الإلهي، والثاني أخلاقي يتعلق بما حدث لهم من مذابح - الهولوكوست - في أوروبا، والثالث هو الاعتراف بها من قبل الأمم المتحدة. وتشير إلى رؤية العرب بأن الوعد الإلهي ليس مبررا لاقتلاع أراضيهم، كما أن «الهولوكوست» تم على يد الأوروبيين وليس العرب وبالتالي فإن تعويضهم يجب أن يتم من قبل أوروبا، مؤكدة أن ذلك الوضع يمثل في النهاية خطرا على إسرائيل رغم اعتراف دول عربية ومنظمة التحرير الفلسطينية بحق إسرائيل في الوجود. هنا تعرض أولبرايت سيناريو يبدو منحازا لإسرائيل فتذكر أنه رغم ما تتمتع به تل أبيب من قوة مقارنة بجيرانها، فإن الخبرة تحذر من أن هذا الأمر قد يتغير. ومن بين الاحتمالات المثيرة للقلق حسبها أن تستخدم الدول العربية الحديث عن خطر القوة الإيرانية من أجل تبرير حصولها على المزيد من الأسلحة المتقدمة.

وتمضي في غيها فيما لا يقتصر على بلدها قائلة انه حتى إذا كانت الولايات المتحدة حذرة بشأن ما تبيعه من أسلحة، فإن الآخرين بما فيهم روسيا والصين وفرنسا ربما يكونون أقل تمييزا في هذا المجال. وهو ما يدعونا إلى التساؤل حول مغزى حديث أولبرايت فهل تدعو إلى فرض حظر سلاح للدول العربية وتدفق المزيد منه إلى إسرائيل، أم ماذا؟ ومن الذي يتحدث عن خطر إيراني سوى واشنطن نفسها فيما تحاول الدول العربية العمل على تجاوز تصاعد خلافات هذا الملف.

ولا تكتفي أولبرايت بهذه النبرة التي تتسم بالعدائية المفرطة تجاه العرب فتحسدهم على تزايدهم السكاني، فتشير إلى أن الأكثر خطورة من ذلك أن الفلسطينيين فيما بين نهر الأردن والبحر المتوسط يتزايدون بشكل هائل يفوق زيادة اليهود، وإذا لم يتم تحديد حدود دائمة، فإن إسرائيل ربما تجد نفسها مغرقة من السكان الفلسطينيين.

هنا تتساءل أولبرايت هل يمكن أن يتخلص الإسرائيليون من الماضي المخيب للآمال بأن حلم السلام مات بحق؟ وتوحي صياغة أولبرايت بأن العرب هم الذين وأدوا هذا الحلم، وهنا يلاحظ في سياق هذا التناول الانحياز شبه الكامل لأولبرايت إلى جانب إسرائيل. المهم تقول انهم - الإسرائيليون - ربما يجب عليهم محاولة بذل المزيد من الجهد من أجل فرض رؤيتهم وشروطهم من أجل التعايش.

وتعرض هنا لجانب من لقاء جمعها مع بنيامين نتانياهو خلال وجوده في السلطة تكشف من خلاله عن جانب من التفكير الإسرائيلي حيث تذكر نقلا عن نتانياهو قوله: «الإسرائيليون يعرفون أنه بدون السلام سيجدون أنفسهم يقاتلون على أي حال، وهم يفضلون قتال سلطة فلسطينية ضعيفة عن قتال دولة فلسطينية معترف بها دوليا».

تطرف نتانياهو

ورغم تطرف هذه النظرة إلا أن أولبرايت تشير إلى أن مواقف نتانياهو ربما تكون اتجهت إلى الاعتدال بمرور الوقت دون أن تذكر لنا ما يعزز رأيها، وإن كانت تعترف بتطرف رؤاه، مشيرة إلى أنها وصلت إلى مدى كان ينظر معه إلى عملية السلام على أنها مصيدة بسبب ما ستنتهي إليه من التنازل عن أراض.

هنا تصف أولبرايت هذا النوع من التفكير بأنه خطر على إسرائيل بسبب أنه يؤدي إلى خلاصة مفادها أن الأمن يمكن أن يتحقق فقط من خلال الاستعراض المتكرر للقوة والغلظة الدبلوماسية. وتفسر هذه الرؤية بأن الأساس النظري الذي تقوم عليه هو أن الفلسطينيين يمكن لهم تحت التهديد التخلي عن أهدافهم السياسية، مضيفة: غير أن ذلك لن يحدث، إذا تخلى الإسرائيليون عن آمالهم في السلام، فإنهم سيجدون أنفسهم بمرور الوقت مع أصدقاء أقل وأعداء جددا وهذا ليس هو الطريق الذي يريدونه.

وهنا تحاول رغم تصورها بصعوبة الوصول إلى اتفاق عربي إسرائيلي تقديم رؤية تقوم على تضييقه فتقول : إن الاختلافات في المواقف فيما بين العرب وإسرائيل، ربما تثبت استحالة الوصول إلى حسمها، غير أنه يمكن رغم ذلك تضييقها، في ضوء حقيقة أنه لا يوجد الكثير مما يمكن خسارته في محاولة تحقيق ذلك. وتذهب إلى أن الأطروحة التي تقرر أن عملية السلام أضعفت إسرائيل محض هراء، فهل كان يمكن لإسرائيل أن تكون أكثر أمنا إذا ما واصلت احتلال سيناء أو تواصلت حالة الحرب مع الأردن؟ هل كان يمكن لها أن تكون أكثر أمنا إذا ما كانت قواتها ما زالت تقوم بدورياتها في رام الله، أو إذا لم يتم تقديم عرض سلمي إلى الفلسطينيين ينتهي إلى إقامة دولة؟

مخاوف متبادلة

وتحاول أن تضع الرئيس المقبل في صورة جوهر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فتذكر ان الإسرائيليين يخشون، حسب رؤيتها، أن يتنازلوا عن الأراضي مقابل السلام فلا يجدوه، فيما أن الفلسطينيين يرفضون التنازل عن أراض يعتبرونها ملكا لهم بما في ذلك العودة.

وفي إشارة إلى تمسك عرفات بذلك المبدأ من واقع المحادثات التي جرت في كامب ديفيد في الأيام الأخيرة لكلينتون تقول أولبرايت: انه حتى لو كان هناك احتمال بأن يكون هناك جورج واشنطن فلسطيني فإن لم يكن ليتمكن من إقناع عرفات باتخاذ خطوات على هذا الطريق، فقد كان يخشى من أن يتهم بالخيانة مثل يهوذا الأسخريوطي وأن يتم قتله في النهاية مثلما تم اغتيال أنور السادات.

ثم تعرض لبعض ملامح ما جرى خلال محادثات كامب ديفيد الثانية فتذكر أن الطرفين كانا قد وصلا على ما يبدو إلى اتفاق بشأن كل القضايا، بما في ذلك تقسيم القدس، وترتيبات الحدود، وإعادة تحديد حق العودة، غير أنها توضح أن الوصول إلى الاتفاق لا يعني أن النجاح تحقق وإنما يعني إمكانية تحققه.

وفي محاولة لرؤية القضية في صورتها الأشمل، من وجهة نظرها، تقول أولبرايت، إن تصور تحقق السلام دون الحاجة إلى التدخل من قبل الولايات المتحدة يماثل تماما تصور عودة عرفات إلى الأرض مثل هاري بوتر، وهو ما تفسره في ضوء الخبرة التي تقدمها تجارب المنطقة وتتمثل في أن الضعيف يكون خائفا من الحلول الوسط، ، فيما أن القوي يرى أنه لا حاجة به إلى مثل هذه الحلول. فضلا عن أنه على كل الجبهات يوجد رفض للتوصل إلى حل نهائي يسقط بعض الحقوق التاريخية.

وتضيف: إن عدم الاتفاق مهما كان مؤلما في الحاضر، ما زال يسمح لكل فريق بالحلم في مستقبل لصالحه. إن أي صيغة تسعى لإقامة حدود دائمة في الأراضي المقدسة أو سيادة دائمة على القدس لا يمكنها أن تساعد على تحقيق هذه الأحلام، بل ستقضي عليها، وهي أحلام مات الكثيرون من أجل تحقيقها.

القفز من العربة

وتصل المؤلفة من هذا السرد إلى النصيحة التي تود توجيهها إلى الرئيس المقبل قائلة : نصيحتي لك هي القفز من هذه اللعبة - تشبهها بعربة الحصان الدمية الدوار الذي يمتطيه الأطفال في الملاهي - منذ بداية عمل إدارتك. وربما تكون قادرا، وربما لا تكون، على تحويلها إلى عربة تتقدم إلى الأمام.

واذا كان البعض يذهب إلى أن كلينتون ارتكب خطأ عندما ارتفع بتوقعات السلام في المنطقة، على نحو انتهى إلى لا شيء، فإن مهمتك هي الوصول بسكان المنطقة إلى الإيمان بإمكانيات السلام وأن ذلك قد يكون مفيدا لهم في ضوء الحقائق التي شهدوها على مدى السنوات الماضية.

وأما عن السيناريوهات المحتملة التي يمكن للرئيس المقبل الولوج منها إلى تدشين عملية السلام فتقول أولبرايت: ولكي تبدأ فإن هناك أكثر من خيار، هناك المبادرة العربية للسلام التي أعلنت من قبل السعودية 2002 وباركتها الجامعة العربية في 2007، وهي تبشر بمساندة عربية شاملة لسلام حقيقي وعلاقات طبيعية مع إسرائيل.

وفي المقابل، تعود إسرائيل إلى ما قبل حدود 67 وتحل مشكلة اللاجئين بطريقة أو بأخرى. وكمقترح، فإن الخطة، حسب المؤلفة، تعكس نقطة بداية عربية وتوفر فرصة لمناقشات عربية إسرائيلية وجها لوجه.

المفاوضات مع سوريا

أما البديل الممكن الثاني الذي تراه أولبرايت وترى أنه يمكن إدماجه مع الأول فهو إعادة بدء المفاوضات بين إسرائيل وسوريا. إن هذا يبدو، حسبها أمرا منطقيا في ضوء حقيقة أن سوريا على عكس الفلسطينيين لديها حكومة وطنية تقوم بمهامها يمكن لإسرائيل التفاوض معها. كما أن القضايا تعد أبسط حيث لا تشمل قضايا معقدة وحرجة مثل القدس وحق العودة.

كما أن المفاوضات السورية الإسرائيلية ستمثل تهميشا لإيران، وجذب دمشق لعلاقات أوثق مع رفيقاتها من العواصم العربية.

وهذا الوضع يمكن أن يكون له انعكاسات إيجابية على الأوضاع في لبنان، حيث سيفقد حزب الله أحد مبررات وجوده، اذا ما تحقق السلام مع إسرائيل. غير أن أولبرايت تشير إلى عقبتين أمام تحقق هذه الإستراتيجية تتعلقان بضرورة تبرئة دمشق من جريمة اغتيال الحريري.

فضلا عن صعوبة توقيع سوريا اتفاقا قبل التوصل إلى اتفاق بين الفلسطينيين وإسرائيل وهو ما يرجع، وفق ما تذهب اليه أولبرايت، ليس بسبب ان سوريا تهتم بشأن الفلسطينيين ولكن بسبب حرصها على صورتها أمام الرأي العام العربي.

وتضيف: ومهما كان أسلوب تعاملك مع الأمر، فإنك يجب أن تؤكد لغة السلام. إن العرب واليهود ليس لديهم خيار إلا أن يبقوا إلى جانب بعضهم. إن الخيار الذي أمامهم هو سواء أن يعيشوا في سلام نسبي أو في إرهاب دائم. وتختتم أولبرايت نصائحها للوافد الجديد إلى البيت الأبيض بقولها : لماذا لا تأخذ فرصة؟ لوضع كل شيء على مائدة البحث والنقاش، ثم تقول أخيرا: إن رسالة البيت الأبيض إنما تقوم على أساس: لا حل يمكن الوصول اليه في الشرق الأوسط بدون تعديل بعض الأحلام على الأقل.

إضاءة

عن السيناريوهات المحتملة التي يمكن للرئيس المقبل الولوج منها إلى تدشين عملية السلام فتقول أولبرايت ولكي تبدأ فإن هناك أكثر من خيار، هناك المبادرة العربية للسلام التي أعلنت من قبل السعودية 2002 وباركتها الجامعة العربية في 2007، وهي تبشر بمساندة عربية شاملة لسلام حقيقي وعلاقات طبيعية مع إسرائيل. وفي المقابل، تعود إسرائيل إلى ما قبل حدود 67 وتحل مشكلة اللاجئين بطريقة أو بأخرى.

وكمقترح، فإن الخطة، حسب المؤلفة، تعكس نقطة بداية عربية وتوفر فرصة لمناقشات عربية إسرائيلية وجهاً لوجه.

أما البديل الممكن الثاني الذي تراه أولبرايت وترى أنه يمكن إدماجه مع الأول فهو إعادة بدء المفاوضات بين إسرائيل وسوريا. إن هذا يبدو، حسبها أمراً منطقياً في ضوء حقيقة أن سوريا على عكس الفلسطينيين لديها حكومة وطنية تقوم بمهامها يمكن لإسرائيل التفاوض معها. كما أن القضايا تعد أبسط حيث لا تشمل قضايا معقدة وحرجة مثل القدس وحق العودة.

الصفحات: 328 (متوسط)

الكتاب: مذكرة إلى الرئيس المنتخب

الناشر: هاربر كولينز، نيويورك، 2008

عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق