يشتمل الغرب على أفضل الدول نجاحا في العالم، والأكثر تطورا اقتصاديا، التي تحوز على المؤسسات الديمقراطية الأقوى. لكن المرء لا يمكنه أن يفترض بأن الحكومة التي تحكم بدرجة عالية من الكفاءة في الداخل، سوف تكون على الدرجة نفسها من الكفاءة عندما تواجه أية تحديات خارجية.

وفي الواقع، فإنه من المرجح أن يكون العكس صحيحا أيضا بشكل كبير. وعلى الرغم من أن العقلية الغربية مهووسة بالتهديد الإسلامي، فإن الغرب قد أساء التعامل مع التحديات العاجلة والملحة في كل من أفغانستان والعراق. كما أنه على الرغم من التهديد الخطير للإرهاب النووي، فإن الحماية الغربية لنظام عدم انتشار الأسلحة النووية قد أدت لإضعاف هذا النظام بشكل كبير.

فالتحدي الذي أطلقته إيران بمحاولتها تخصيب اليورانيوم قد تم تضخيمه بسبب عدم كفاءة كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وعلى الجانب الاقتصادي، ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، يبدو فشل إحدى جولات المفاوضات الكونية وشيك الحدوث، ونقصد بذلك جولة الدوحة. وأخيرا، يبدو سوء التعامل مع خطر الانبعاث الحراري الكوني واضحا أيضا.

ونادرا ما ينظر الغرب نحو ذاته لكي يفهم الأسباب العميقة الكامنة وراء سوء التعامل مع المشكلات الكونية. فهل توجد هناك أسباب بنيوية يمكن أن تشرح ذلك؟ وهل حُرمت الديمقراطيات الغربية، بواسطة التوجهات الشعبية المتنافسة، وفترات الرئاسة القصيرة بنيويا التي تمنعهم من تناول التحديات بعيدة المدى، من التصورات الكونية العريضة؟

ولحسن الحظ، فإن بعض الدول الآسيوية ربما تكون قادرة الآن على تحمل مسؤوليات أكبر، طالما أنها قد أصبحت أكثر قوة من خلال تطبيق المبادئ الغربية ذاتها. وفي سبتمبر 2005، دعا روبرت زوليك، الذي أصبح فيما بعد نائبا لوزير الخارجية الأميركي، الصين لأن تصبح «مشاركا مسؤولا» في النظام الدولي. ولقد استجابت الصين بشكل إيجابي، كما فعلت الدول الآسيوية الأخرى.

وفي العقود الأخيرة، فإن الآسيويين كانوا من بين أكثر المستفيدين بالنظام المتعدد والمفتوح، المقترح بواسطة الولايات المتحدة وغيرها من المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، والذي يحاول البعض تقويضه اليوم. إن أعداد الآسيويين الساعين للحصول على أسلوب حياة الطبقة الوسطى المريح لم يكن عاليا أبدا.

ولعدة قرون، فإن الصينيين والهنود يمكنهم أن يحلموا فقط بمثل هذا الإنجاز، أما الآن فإنه قد أصبح في متناول ما يقارب نصف مليار فرد في الصين والهند التطلع إلى تحقيق ما أنجزته الولايات المتحدة وأوروبا، كما يريدون أن يكرروا الغرب بدون أن يهيمنوا عليه. وبينما مثلت كونية الحلم الغربي لحظة انتصار بالنسبة للغرب، فإنه يجب أن يرحب أيضا بالحقيقة القائلة بأن الدول الآسيوية قد أصبحت قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية والكونية.

فوضى الشرق الأوسط

أصبحت السياسات الغربية أكثر ضرراً في الشرق الأوسط، كما أن الشرق الأوسط يعتبر من أكثر الأقاليم خطورة في العالم. لقد انطوى غزو العراق واحتلاله، على سبيل المثال، على أخطاء عديدة. فالقانون الدولي يجيز نظريا وعمليا استخدام القوة فقط في حال الدفاع عن النفس أو في حال التفويض من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وقيادة الولايات المتحدة لغزو العراق لا يمكن تبريرها في ضوء أي من هاتين الحالتين السابقتين. فلقد سعت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للحصول على تفويض من مجلس الأمن يبيح لهما غزو العراق، لكن المجلس رفض منحهما هذا التفويض. لذلك فقد كان من الواضح بالنسبة للمجتمع الدولي عدم شرعية الحرب على العراق، وانتهاكها الهائل للقانون الدولي.

كما أن الولايات المتحدة الأميركية جعلت الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الآن معقدا، وحتى أكثر من توصيفه بالفوضى. فالعديد من المتطرفين في تل أبيب وواشنطن يؤمنون بأن الزمن سوف يكون دائما في صالح إسرائيل.

فوجود اللوبي القابض على زمام الأمور في الكونجرس الأميركي والمؤيد لإسرائيل، والجبن السياسي من جانب السياسيين الأميركيين حينما يتعلق الأمر بإنشاء دولة فلسطينية، وسجل المساعدات الأميركية المتواصل من جانب أميركا لإسرائيل، كلها جوانب تؤكد هذه الرؤية.

لكن لا توجد قوة عظمى تضحي بمصالحها القومية الكبرى إلى الأبد لمصلحة دولة صغيرة. وإذا ما فشلت إسرائيل في قبول تفاهمات طابا فإنها لا محالة سوف تندم، وإذا ما قامت بذلك فإن عدم كفاءة الغرب سوف تبدو هي السبب الرئيس وراء ذلك.

ويعتبر مجال الحد من انتشار الأسلحة النووية مجالا آخر من المجالات التي لعب فيها الغرب، وبشكل خاص الولايات المتحدة، دورا كبيرا في تدهورها. فالغرب مهووس منذ مدة كبيرة بمخاطر انتشار أسلحة الدمار الشامل، وبشكل خاص الأسلحة النووية. كما أنه يضغط بنجاح من أجل التوقيع العالمي في أقرب وقت على معاهدة الأسلحة البيولوجية والسامة، ومعاهدة الأسلحة الكيماوية، ومعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.

لكن الغرب أضاع الكثير من هذه المكاسب، فمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية موجودة اليوم على المستوى القانوني لكنها خامدة على المستوى الأخلاقي. لقد انطوت معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية على إشكاليات جوهرية منذ أن قسمت العالم إلى مجموعة دول تمتلك الأسلحة النووية، وهى الدول التي أجرت تجارب نووية منذ عام 1967، ودول أخرى لا تمتلك أية أسلحة نووية.

لكن، ولمدة عقدين من الزمان، فقد كانت تلك المعاهدة مؤثرة بشكل معقول في منع الانتشار الرأسي (أي منع انتشار الأسلحة النووية لدول أخرى). كما أنه، ولسوء الحظ، فإن معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية لم تقم بفعل أي شيء في منع الانتشار الأفقي، أي زيادة أعداد وتأثير الأسلحة النووية بين الدول التي تحوز على سلاح نووي.

ففي أثناء الحرب الباردة، وافقت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على العمل معا لتحجيم انتشار الأسلحة النووية. لذلك لم تنتج الحكومات التي يمكنها تطوير أسلحة نووية، مثل الأرجنتين والبرازيل وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، أية أسلحة نووية بسبب إيمانها بأن معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية تعكس صفقة عادلة بين الصين، فرنسا، الاتحاد السوفييتي، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والتي تمتلك أسلحة نووية)، وبين بقية العالم.

لقد وافق كلا الطرفين على أن العالم سوف يكون أكثر أمانا إذا ما قامت الدول النووية الخمس بتخفيض ترسانتها النووية والعمل من أجل هدف نهائي يرتبط بتفكيك هذه الترسانة، من هنا فإن الدول الأخرى أحجمت عن المطالبة بامتلاك أسلحة نووية. لماذا اتجهت الأمور إذا نحو الأسوأ؟ المشكلة الأولى تكمن في الانحراف الرئيس عن مبادئ معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.

فالولايات المتحدة قررت التخلي عن النظام الذي صنعته، والذي أرسى قواعد حقبة ما بعد الحرب، وهو ما أدى إلى تآكل البنية التحتية التي يعتمد عليها تنفيذ معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. كما أنها رأت نظام ما بعد الحرب بوصفه مجموعة من القيود، وليس مجموعة من القواعد التي يجب أن يتبعها العالم، والتي يجب أن تساعد الولايات المتحدة في الحفاظ عليها.

وهذا ما أدى إلى تقويض معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، لأنه في ظل ضعف المنظمة الدولية، وفي ظل غياب آليات القوة أو فرض العقوبات، وفي ظل عدم وجود فقرات لا تسمح للموقعين على الاتفاقية بتجاهل الواجبات المفروضة على كاهلهم بذريعة «المصالح القومية العليا»، فإن مجلس الأمن لن يستطيع فرض المعاهدة.

وحالما بدأت الولايات المتحدة تقطيع أوصال النظام ككل، فإنها قد أوجدت مجالا لانتهاك معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية والخروج على مبادئها. وأخيرا، ومن خلال اللجوء للحرب مع العراق بدون تفويض الأمم المتحدة، فإن الولايات المتحدة قد فقدت سلطتها الأخلاقية لكي تطلب، على سبيل المثال، من إيران أن تتمسك بقرارات مجلس الأمن.

وتكمن المشكلة الأخرى في الانتهاكات المباشرة من جانب الولايات المتحدة والدول النووية الأخرى للمعاهدة. وفي الحقيقة، فإن الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة طورا مخزونهما النووي بدرجة كبيرة، بطريقة تجاوزت بشكل فعلي تحقيق أي أهداف عسكرية أو اقتصادية هامة. وعلى الرغم من تقلص المخزون النووي منذ ذلك الوقت، فإن المخزون الحالي من الأسلحة النووية لكل من الولايات المتحدة وروسيا، يمكن أن يحدث دمارا هائلا للحضارة الإنسانية. »فورين أفيرز»، عدد مايو/ يونيو 2008 - font color="#ca912e">Foreign Affairs, May/ Jun 2008

تبريرات

غزو العراق حسب الإدارة الأميركية

* عدم تطبيق الحكومة العراقية لقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالسماح للجان تفتيش الأسلحة بمزاولة أعمالها.

* استمرار العراق في تصنيع وامتلاك «أسلحة دمار شامل» وعدم تعاون القيادة العراقية لتطبيق 19 قرارا للأمم المتحدة بشأن إعطاء بيانات كاملة عن ترسانتها من «أسلحة الدمار الشامل».

* وجود علاقات بين الحكومة العراقية وتنظيم القاعدة ومنظمات «إرهابية» أخرى تشكل خطرا على امن واستقرار العالم.

* نشر الأفكار الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط.

.. وحسب المناهضين للحرب

* الهيمنة على سوق النفط العالمية ودعم الدولار الأميركي، حيث اتخذ العراق قرارا عام 2000 باستعمال اليورو كعملة وحيدة لشراء النفط العراقي.

* ضمان عدم حصول أزمة وقود في الولايات المتحدة بسيطرتها على ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم، المصالح الخاصة لبعض الشركات الكبرى وأصحاب الأعمال في الولايات المتحدة، دعم الشعبية التي حظي بها الحزب الجمهوري إبان أحداث سبتمبر 2001 بغية استمرار هيمنة الحزب على صنع القرار السياسي الأميركي، تطبيق مذكرة تشيني ـ رامسفيلد ـ وولفوتز التي كتبت عام 2000 وتمهد لدور استراتيجي أكثر فاعلية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ترجمة (بتصرف): د. صالح سليمان عبدالعظيم