تنتقل أولبرايت هنا من الحديث عن الحرب في العراق إلى الحديث عن ساحة أخرى ساخنة في المنطقة، وهي الصراع العربي ـ الإسرائيلي الذي فشلت الحكومات الأميركية المتعاقبة في إيجاد حل له في ضوء تحيزها الواضح لإسرائيل.
ونلاحظ أن وزيرة الخارجية الأميركية السابقة تطالب الرئيس الأميركي المقبل بالعمل على استعادة سمعة الولايات المتحدة كوسيط أمين في عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط وبأن يراعي الحساسية القائمة في العالم العربي تجاه التأييد الأميركي المطلق لإسرائيل. وتقول أولبرايت في كتابها إن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يفتقر إلى السحر السياسي الذي كان يتمتع به عرفات، وترى أن الإسرائيليين يريدون السلام ولكنهم فقدوا الشجاعة في تصور إمكانية تحقيقه، كما أن رئيسهم إيهود أولمرت يعاني من الضعف السياسي. وتتطرق أولبرايت إلى حرب لبنان التي وقعت في صيف 2006، حيث تقدم رؤية شاملة لتطور الأوضاع في لبنان خلال تلك الفترة وصراعه مع إسرائيل والدور السوري هناك. واللافت هنا هو اتهامها لسوريا باختطاف الإرادة اللبنانية وزرع أجهزة تنصت على المسؤولين السياسيين اللبنانيين ومن بينهم رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري. من العراق والورطة الأميركية هناك وسبل الخروج منها، تنتقل بنا مادلين أولبرايت إلى ساحة ساخنة أخرى مزمنة في المنطقة ممثلة في الصراع العربي الإسرائيلي الذي فشلت الحكومات الأميركية المتعاقبة في التوصل إلى حل له في ضوء الاتهامات الموجهة لواشنطن بشكل عام بالتحيز لصالح إسرائيل.
وفي إطار تناولها لهذه القضية تشير أولبرايت في مذكرتها إلى الرئيس المنتخب إلى أنه ولدى توليه مهام منصبه، فإن مهمة متابعة سلام الشرق الأوسط تبدو على حد وصفها «خيالية» تتطلب نوعاً من الأشخاص الحالمين. هنا وفي معرض تقييم موقف الإدارة الحالية تقول إنه من الصعب اتهام الرئيس بوش بغياب رؤية شاملة للشرق الأوسط. غير أنها توضح أن العيب كان في رؤيته التي اعتمدت على تحويل العراق ليصبح نموذجا للديمقراطية والاعتقاد ان هذا سيحرم الإرهابيين من الدعم ويعزز المعتدلين العرب. وفي إطار هذا السيناريو فإن الهدوء في القدس سوف يتبع بشكل طبيعي تحرير بغداد. بمعنى آخر فإن أولوية بوش لم تكن القضية الفلسطينية وإنما العراق على نحو ما شرحنا في الحلقة السابقة، إلى أن انتهى الأمر بهبوط الإدارة بما وصفته المؤلفة بباراشوت لحل الصراع.
لقد قرر بوش ألا يقع في نفس الأخطاء التي اتهم سلفه كلينتون بالوقوع فيها: التقدير المبالغ فيه لياسر عرفات، ودفع إسرائيل إلى اتخاذ مواقف تقوم على أساس صفقات يمكن أن يقبل بها الفلسطينيون، على نحو انتهى، وفق المنتقدين لاستراتيجية كلينتون، إلى الفشل الذريع، والذي بلغ ذروته ليس بالتوصل إلى السلام وإنما بإثارة المزيد من الغضب وخيبة الأمل. لقد كان عرفات يلعب بوضوح مباراة مزدوجة، فمن ناحية يلوح بأغصان الزيتون، وفي الوقت ذاته يقوم بكل ما هو ممكن لدعم نفوذه وتأثيره في الشارع.
وعلى هذا كان جوهر خطة بوش أنه اذا كان كلينتون تدخل وبذل قصارى جهده، دون أن يحقق الكثير، فإن خطته - الرئيس الحالي ـ كانت تقوم على العودة إلى الخلف، بمعنى ترك الساحة خالية، وترك إسرائيل تفعل ما تراه واجبا عليها من أجل حماية نفسها.
النقطة الأساسية هنا، حسبما تذهب أولبرايت، هي أن ذلك الاتجاه الذي يبدو معاكسا لذلك الذي سلكه كلينتون ربما يكون اقترابا غير وظيفي انتهى إلى كونه إطارا لا يعمل على الإطلاق. فمن ناحية تم تفسير انعزالية بوش من قبل العرب بأنها نوع من اللامبالاة وعدم الاكتراث بقضيتهم. كما أن مساندته غير المشروطة لاسرائيل شارون تم تفسيرها على أنها نوع من العدائية تجاههم.
وبدلا من أن يجدوا أنفسهم مجبرين على سلوك نهج الاعتدال فإن الفلسطينيين اتجهوا بشكل أكبر إلى التشدد، مع تراجع النفوذ الأميركي. وعلى ذلك فإنه من الصعب، وفق المؤلفة، رؤية المصلحة أو الفائدة من ذلك سواء بالنسبة لأميركا أو بالنسبة لإسرائيل.
وبناء على ذلك، فإنه وإزاء إدراك إدارة بوش الطريق المسدود الذي سلكته، فإنها في منتصف الطريق وخلال فترتها الثانية، غيرت من اتجاهها محاولة التراجع عن الخسارة الناجمة عن ذلك النهج. وقد قضت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس الكثير من الوقت على نحو مرهق في الشرق الأوسط محاولة ضبط إيقاع الأحداث هناك. غير أن المشكلة، وفق المؤلفة، تتمثل في أنه في كل مرة تتراجع فيها عملية السلام، يكون من الصعب إعادتها من مواتها مرة أخرى.
وضمن عباراتها البلاغية في ثنايا الكتاب تقول أولبرايت إن الدبلوماسية ليست مفتاح إضاءة يمكن تشغيله وتوقيفه في أي وقت، وإنما تتطلب جهداً متواصلاً من الاتصالات والمناقشات والجولات المكوكية والاختبارات، وإذا ما تم قطعها، فإن حدثا دراميا يكون مطلوبا من أجل إعادة تدشين لحظة الانطلاق تجاه السلام، وإلا فإن كل طرف سوف يعد للمستقبل بدون السلام.
وبالنسبة للإسرائيليين، فإن ذلك يعني استخدام قوتهم من أجل منع وردع وعقاب من يشنون الهجمات عليها. أما بالنسبة للفلسطينيين فإن ذلك يعني قتال كل منهما الآخر بشأن من يحق له خوض غمار السلام وتوجيه السلاح نحو إسرائيل. وأما بالنسبة للزعماء العرب فإن ذلك يعني تغذية المشاعر المعادية للولايات المتحدة وإسرائيل في أوساط شعوبهم. وأما على صعيد الآمال فيما يتعلق بالاستقرار الإقليمي، فإن ذلك يعني نسيانه.
ومن التمهيد الذي يأخذ سمة التنظير تنتقل أولبرايت إلى صيغة الحديث المباشر قائلة للرئيس المقبل: أنت، بالطبع ليس لديك السلطة لاتخاذ القرارات بالنيابة عن الزعماء العرب والإسرائيليين، ولكنك لديك الفرصة لاستعادة سمعة الولايات المتحدة باعتبارها وسيطاً أميناً ودولة تهتم بحياة الأفراد في المنطقة، وسيكون ذلك موقفاً أفضل من الموقف الذي نتخذه الآن.
وفيما يفسر جانبا من المعزوفة الانتخابية التي تجري فصولها في الولايات المتحدة في الفترة الحالية على خلفية الانتخابات التمهيدية للرئاسة وأن الواقع شيء والانتخابات شيء آخر، تذكر أولبرايت في مذكرتها للرئيس المقبل: خلال حملتك الانتخابية أوضحت التزامك بحق إسرائيل في الوجود في إطار حدود آمنة وحقها في الدفاع عن نفسها ضد أي تهديد، وقد امتدحت إسرائيل باعتبارها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط،. وأشرت إليها باعتبارها حليفاً استراتيجياً في الحرب على الإرهاب.
وقد قلت إن إسرائيل وأميركا تتشاركان في نفس القيم وقد وعدت بوقوف الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل طالما تشرق الشمس. كل ذلك جيد ولكن عليك فيما بعد أن تحاذر تلك اللغة في ضوء حساسية العالم العربي من اللوبي الصهيوني وتأثيره على السياسات الأميركية وسوف تخضع للمتابعة الدقيقة عربيا من أجل رؤية مدى الاختلاف بين فعلك كرئيس وبين حديثك كمرشح للرئاسة.
ثم تشير المؤلفة إلى أن متابعة السلام تتطلب شيئين: شريكا وخطة، والعنصر الأول هو المهم في ضوء حقيقة أنه بدون شريك فإن الخطة لا تعدو أن تكون قصاصة من الورق. لقد كان عرفات بالكاد شريكاً مثالياً، ولكن كان بمقدوره على الأقل تمثيل المواقف الفلسطينية. وقد نجح في الدفع بقضيته لتحظى بمكانة مركزية على الأجندة العربية، بدون اللجوء إلى إثارة الحماس لها من منطلق ديني. أما اليوم فإنه ليس هناك رمز يوازيه يمكن التفاوض معه.
إن الرئيس الفلسطيني محمود عباس مؤيد شجاع للمصالحة غير أنه ينقصه سحر عرفات السياسي. فمن أجل التفاوض بالنيابة عن شعب يجب أن تكون لدى القائد الشرعية والقدرة على تنفيذ التزاماته. وعلى الرغم من أن عباس انتخب على نحو ديمقراطي، إلا أنه لا يستطيع التحدث باسم حماس، كما أنه لم يستطع السيطرة على الفصائل المتشددة في إطار جماعته (حركة فتح).
هنا تشبه أولبرايت الوضع الفلسطيني بالنظام الشمسي الذي فقد نجمه، فلا يوجد جاذبية وإنما فقط تصادم بين عناصر النظام.. حماس الدينية اصطدمت مع فتح العلمانية، بينما لدى الفلسطينيين في المنفى أجندة مختلفة عن أولئك الذين يعيشون في إطار السلطة الفلسطينية، فغزة والضفة الغربية تشبهان قطرين صغيرين منفصلين.
أما على الجانب الإسرائيلي، فإن الإسرائيليين لديهم كل شيء ولكنهم تخلوا عن المفاوضات الجادة بسبب عدم إيمانهم بأن الفلسطينيين الذين يريدون السلام بحق يستطيعون إقصاء أولئك الذين يرفضون تماما التوصل إلى حل وسط. وتحت حكم شارون لجأت إسرائيل إلى سياسات أحادية الجانب بالانسحاب من غزة وبناء ما وصفته بالحائط العازل أو الجدار الأمني، واستهداف أولئك الذين تتهمهم بالمسؤولية عن شن هجمات عليها. أما خليفة شارون، إيهود أولمرت، فيتسم أداؤه بالضعف السياسي.
تقول أولبرايت إن معظم الإسرائيليين ما زالوا يرغبون في السلام ولا يرون خيارا متاحا آخر وسوف يساندون كل الإجراءات من اجل تشجيعه، ولكنهم فقدوا شجاعة تصور إمكانية تحقيقه، مشبهة إياهم بأنهم مثل مسافرين وصلوا في طريقهم إلى نهر لا يستطيعون الالتفاف من حوله كما لا يستطيعون عبوره، وهم يريدون شخصا ما لكي يصل إليهم في الوسط ويشاركهم في الماء ولكنه لا يوجد حتى اللحظة مثل هذا الشخص المنتظر في الأفق.
ومرة أخرى فإن أولبرايت في ذلك تنظر إلى الأمر بمنظور أميركي يتسم بقدر من الانحياز للرؤية الإسرائيلية حيث لا ترى أن الأمر إنما يتمثل في النهاية في حقوق ضائعة على الفلسطينيين. ومن هذا الجانب تعرج أولبرايت على حرب الصيف قبل الماضي بين إسرائيل ولبنان مشيرة إلى أن هذه الحرب أتت على أرواح أكثر من 1200 شخص متسببة في خسائر تقدر بمليارات الدولارات، وعمقت على نحو كبير من الغضب العربي تجاه إسرائيل وأعادت إلى الأذهان الغزو المبكر الذي جرى في أوائل الثمانينات.
وتقدم في هذا الصدد رؤية شاملة لتطور الأوضاع في لبنان خلال تلك الفترة وصراعه مع إسرائيل والدور السوري هناك. ومن النقاط الجديرة بالإشارة إليها في هذا التناول محاولة أولبرايت التأكيد على اختطاف سوريا للإرادة اللبنانية على نحو يبدو، وفق روايتها مثيرا للدهشة.
وفي هذا تذكر أنها عندما زارت بيروت وكان من بين جدول أعمالها عقد لقاء مع الحريري، بدا الأمر لها وكأنها تتواعد مع صديق لها يرفضه أهلها، حيث التقته وسط أجواء بالغة الحذر، وتذكر أنها والحريري كانا حذرين من وجود أجهزة تنصت سورية حتى أنهما خلال المراحل المهمة من الحديث كانا يخرجان إلى الشرفة لقول ما يريدان خارج نطاق ما يعتقدان انه أجهزة تنصت السورية.
وبعد استعراض مطول يهمنا هنا الإشارة إلى توصيفها ورؤيتها للأوضاع في لبنان اليوم، حيث تقول إن لبنان يواجه اليوم انقساما بالغ الخطورة، ما بين حزب الله وحلفائه من ناحية والتحالف الذي يضم السنة والدروز ومعظم المسيحيين من ناحية أخرى.
بناء على تلك الرؤية توجه حديثها إلى الرئيس المقبل مؤكدة على صعوبة المهمة المقبل عليها بشأن نهج السياسة الأميركية في لبنان، حيث تقول: مما قد ييسر الأمور بالنسبة لك، على سبيل المثال، أن يمتلك أحد الطرفين كل الفضائل، غير أنه في الحقيقة فإن الكثيرين ممن نشاركهم اعتدالهم السياسي يلحق الفساد بسمعة البعض منهم. بينما حزب الله الذي نصفه عن حق - حسب نص أولبرايت - بالإرهاب، فإن المعروف عنه أنه يتسم بالأمانة. وهذا الانقسام ذاته يوجد بين الفلسطينيين أيضاً.
الكاتب في سطور
شغلت مادلين أولبرايت منصب وزيرة خارجية الولايات المتحدة خلال الفترة من 1997إلى 2001، وكانت أول امرأة تتولى هذا المنصب.
ـ تتضمن سيرتها المهنية المميزة في الحكومة شغل عدة مناصب في مجلس الأمن القومي، الكونغرس، والعمل سفيرة لبلادها لدى الأمم المتحدة.
ـ هي لاجئة من تشيكوسلوفاكيا هربت أسرتها من هتلر أولا ثم من الشيوعيين فوصلت إلى الولايات المتحدة وهى في الحادية عشرة من عمرها.
ـ أصدرت كتابين من قبل أحدهما حول سيرتها الذاتية والثاني بعنوان «الجبروت والجبار» ويتناول الدور الذي يلعبه الدين والأخلاق في صياغة السياسة الخارجية الأميركية، والعلاقات المضطربة بين المجتمعات الإسلامية والغرب.
الصفحات: 328 (متوسط)
الكتاب: مذكرة إلى الرئيس المنتخب
الناشر: هاربر كولينز، نيويورك، 2008
عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق


