انطلقت أولى قوافل المقيمين اللبنانيين في ألمانيا في مسيرها نحو الوطن الجميل، أو «قطعة السما» كما غنّى الوديع يوماً.. رحلة الأربعة آلاف ميل بدأت بسيارة تويوتا.

اجتمعوا كما لو كانوا مدعوين إلى مسيرة وطنية شاملة. ليست المرة الأولى التي يسافر فيها لبنانيون يقيمون في ألمانيا براً إلى بلدهم، لكن هذه المرة تبدو إنها تؤشر إلى ما يشبه الظاهرة الجديدة، تتجه ناحية الإستقرار والتحول إلى نوع من التقليد وربما الامتهان.. والتقنين.

أغلب المسافرين براً هم من العائلات التي تستخدم سياراتها الخاصة لهذا الغرض، ولكن في بعض الحالات بتنا نشهد اصطحاب مسافرين من خارج دائرة العائلة. وتتأرجح تعرفة النقل للراكب الفرد، بين 300 و500 يورو، وذلك قبل أن تستقر التسعيرة على حال شبه ثابتة ومتعارف عليها.

وقد لا يريد المرء أن ينساق وراء بعض التحليلات الإقتصادية السودواية التي ترى أن أمثال هذه الظواهر ليست سوى دليلاً على تراجع قدرات أبناء الجالية المالية، إسوة بركود الاقتصاد العالمي. حسابات التوفير في حالة السفر البري قد تصل إلى نصف ثمن تذكرة الطائرة.. مع فارق أنه سوف يتوجب على الركاب التقيد بالموعد الذي يحدده صاحب السيارة للعودة إلى ألمانيا، وليس بمواعيد شركات الطيران.

بالطبع، لا يمكن تفسير كل شيء برده إلى انعقاد اتفاق الدوحة العظيم والمفدّى، ولا إلى انعكاساته الإيجابية على اللبنانيين المقيمين هنا وهناك، على الرغم من أنهم باتوا يتابعون سير تطبيقاته الحرفية بنداً بنداً، خطوة خطوة، وبدا أنهم تأبطوا فرحاً بهذا الإنجاز الوطني الخالص الذي رعته إحدى أصغر دول المنطقة، ولسان حالهم المثل القائل: «يضع سره في أضعف خلقه». و«إن كان أول الغيث قطرة، فكيف إذا كانت قطر».

كما أن تأخر تشكيل حكومة الدوحة العتيدة، ورغم أثره السلبي على الغالبية هنا، لم يحط من عزيمتهم أو يثنيهم عما هم مزمعون عليه. «حُجزت الأماكن كلها على الطائرات في ليلة وضواحيها»، يقول أحدهم كأنه يبرّر نزلته البرية. فيرد زائر بري آخر: «التذكرة تجاوزت برميل النفط في ارتفاع سعرها المتصاعد». أمّا منير فلم تشكل بعض التأشيرات المطلوبة لبعض الدول التي سوف يمرون بها أية مشكلة كبيرة بالنسبة إليه، فهو قد تقدم بطلبات للحصول عليها وسوف تكون جاهزة قبل موعد الانطلاق.

يقول بعض المتمرسين في مجال الطريق البرية إلى لبنان، إنهم يقطعونها بأربعة أيام شبه متواصلة. أمّا أصحاب المشوار الواحد فيبدون تحفظاً حيال هذه الإدعاءات أو الأقاويل، ويقول أحدهم: هؤلاء مجانين، سوف يواجهون مشاكل جدية جراء الإرهاق والتعب والتركيز المستمر على إسفلت الطريق.

في الواقع، يبدو أن ثمة عوامل أخرى غير التذاكر التي انقطعت دفعة واحدة مع اتفاق الدوحة، وغير ارتفاع برميل النفط، وهو بأي حال ليس في صالح أصحاب نظرية البر. كذلك لا يبدو كافياً تبرير عماد، صاحب المرسيدس، خياره البري بأنه سيكسب سيارته هناك وسوف تغنيه عن التذلل لأصحاب تأجير السيارات والخضوع لاستغلالهم.

لكن بعض العاجزين على ما يبدو من النزول - براً وبحراً - يرون أن تكبّد هذه العائلات لمشقة السفر الطويل عبر الدول عائد بالدرجة الأولى لرغبتهم في «شوفة حالهم» أمام أقربائهم وأهل بلدهم هناك، وأن أغلب هؤلاء قد استدان ثمن هذه السيارات بما سيكلفه أكثر من رحلة عادية عبر الطائرة.

«استعراضات لبنانية خالصة»، يردف آخر بشيء من الامتعاض الواضح، كونه لم يرافقهم في رحلتهم على الأرجح. وفي التفاصيل، يقول بعض المنتقدين للنزول بالسيارات الأوروبية إلى لبنان: «السيارة ذات اللوحة الأجنبية، الأوروبية بشكل خاص، لا تكون بذات الرّنة أو ذات الوقع والنكهة بالمقارنة مع اللوحة الوطنية أو المحلية الصنع ذات الأرقام المتسلسلة بلا نهاية».

برلين ـ ناجي طاهر