قرر حزبا «كديما» و«العمل» باتفاق اللحظة الأخيرة بينهما والذي حال دون التصويت على حل الكنيست في الأسبوع الفائت أن لا ينتحرا.
ورغم مسارعة كل من المقربين لإيهود أولمرت وإيهود باراك لادعاء أن كلا من زعيميهما حقق أغراضه، إلا أن الصورة ليست تماما على هذا النحو بل هي أشد تعقيدا. ففي النهاية يريد الحزبان وزعيماهما البقاء في الحلبة السياسية وعدم ترك الفرصة لخصمهما المشترك، الليكود وزعيمه بنيامين نتنياهو، الجلوس في ديوان رئاسة الحكومة.ومن شبه المؤكد أن أخلاقيات الحلبة السياسية الإسرائيلية لا تعارض الصفقة الليلية بين أولمرت وباراك رغم أن الكثيرين اعتبروها صفقة مهينة. وبلغ الحد بمعلقين سياسيين لاعتبارها «صفقة العار» بين قادة «جبناء». ولكن البديهي أن السياسة في إسرائيل تؤكد الحقيقة الأبدية وهي أن غريزة البقاء لدى السياسيين أقوى من أي غريزة أخرى. ومع ذلك فإن صفقة أولمرت ـ باراك اعتبرت في نظر الكثيرين سقوطا أخلاقيا جديدا لأنها تجاوزت المعايير الضميرية والقيمية.
ودفع ذلك المفكر الإسرائيلي زئيف شترنهل للإشارة في «هآرتس» إلى ارتباط سلوك السياسيين هذا بسلوك الجمهور الذي اعتاد «المهادنة» في شأن الضمير وطهارة القيم. وهذا ما يعتقده كما يبدو أكثر الساسة».
وأشار شترنهل إلى احتمال أن ينتخب حزب «كديما» شاؤول موفاز، «شخص خطر في الشؤون الوجودية وسياسي بلا ضوابط في الشؤون الداخلية»، زعيما له. ولكنه لاحظ أن الخطر الحقيقي يكمن في أن حكومة «كديما-العمل» التي أخفقت تقريبا في كل شيء من الحرب إلى السلام تجعل الجمهور الإسرائيلي يعتقد أن اليمين هو الحل.
فاستطلاعات الرأي تمنح أغلبية للمعسكر اليميني في أي انتخابات مقبلة وتعطي الليكود وحده حوالي ربع مقاعد الكنيست. وثمة تقديرات تشير إلى أن اليمين وحده قد يغدو هذه المرة، ولأول مرة في تاريخ إسرائيل، قادرا على تشكيل حكومة من دون الائتلاف مع أحزاب وسط.
وفي كل الأحوال فإن حزب «العمل» الذي كان منقسما على نفسه، ولا يزال، يرى أنه ورغم كل ما فعل ويفعل عاجز عن التحليق لدى الجمهور الإسرائيلي، وحتى الآن لا تزيد المقاعد التي تمنحها له استطلاعات الرأي عن العشرين.
ومع ذلك هناك من لا يزال يعتقد أن الورقة الحاسمة لا تزال بأيدي حزب «كديما». ولهذا السبب تتوجه الأنظار نحو المتصارعين من أجل خلافة إيهود أولمرت.
وفي هذا السياق هناك من يعتقد أن تسيبي ليفني التي حاولت عرض نفسها كزعيمة أخلاقية لم تفلح في خلق قاعدة شعبية لها في «كديما»، توازي القاعدة التي بناها بشكل انتهازي خصمها الأول شاؤول موفاز، وهذا ما دفعها وفق بعض التقديرات إلى التحالف من جديد مع ثعلب السياسة في «كديما»، نائب رئيس الحكومة حاييم رامون.
لم ينشأ حب كبير هذا الأسبوع بين أولمرت وباراك، فما أن جف حبر التسوية التي منعت حل الكنيست حتى عادا للصراع من جديد. صحيح أن كليهما تراجع، تنازل، تخاذل، ولكن ما قيمة ذلك مقارنة بالضربة التي وجهاها لبنيامين نتانياهو. ونتانياهو من جانبه كان يكرر أمام أصدقائه طوال الوقت: «سوف ترون، باراك سوف يهرب في اللحظة الأخيرة».
وقد جلس الاثنان، «إيهود أ» و«إيهود ب» في غرفتيهما في الكنيست ظهر يوم الأربعاء. في الماضي أصدقاء، واليوم أعداء، فصل بينهما جداران، غرفة اجتماعات ونهر من كلام السوء. وفي الليلة السابقة أبرما صفقة إنقاذ حياتهما، وهي الصفقة التي ألغت تأييد حزب «العمل» لحل الكنيست مقابل إجراء انتخابات تمهيدية في «كديما»، مما منح الحكومة شهرين آخرين، إنها صفقة بسيطة وأساسية.
وقال أحد المراقبين على وزن «سلام الشجعان» وهو التعبير المحبب لياسر عرفات ان هذا «سلام الجبناء». وبنظرة للوراء فإن هذا هو المطلوب. وكان كافيا للأمر زيارة واحدة من تساحي هنغبي لصالون بيت باراك من أجل توفير منفذ نجاة له ولرئيس الحكومة، إيهود أولمرت، من الورطة مفرطة الذاتية التي هددت بإسقاطهما سويا إلى الحضيض.
ويوم أمس الأول جلس الرجلان الأشد انشغالا في الدولة، رئيس الحكومة ووزير الدفاع، ليكرسا كل جهدهما من أجل الإقناع ب«أنا انتصرت!»، «لا، أنا الذي انتصر!».
ويمكن الغوص حتى الخاصرة في تحليل من فاز ومن خسر ومن منهما خرج رجلا. والسؤال هو هل هذا هو المهم حقا حينما يتشاجر راكبان في سفينة تايتنك على أيهما الأهم. وما الذي قاله وزير المالية روني بار أون؟ في أي أزمة سياسية ثمة منفذان للحل: المال والذاتية. وأنا منعت استخدام المال. لم يكن أمامهما خيار واضطرا للتنازل عن الذاتية».
وسأل أحدهم أولمرت عما إذا كانت علاقات العمل والثقة بينه وبين وزير الدفاع قابلة للإصلاح. وهل هما مؤهلان للعمل سويا.
رد أولمرت: أنا لا أنظر إلى الوراء، فقط إلى الأمام. ومع ذلك فإنني لن أنسى أنه وقتما جلست إلى الرئيس المصري حسني مبارك، ومع ساركوزي، وتحدثت إليهما عن القضايا الأشد أهمية لدولة إسرائيل، قام عدد من خصومي بنسج المؤامرات ضدي.
أما باراك فبدا فعلا وحقا كمن يتعذر. وبالطريقة التي يحلل فيها الوضع، فإن الخاسر الأساس من الاتفاق هو الليكود، الذي أمل أن يقفز باراك برأسه إلى بركة فارغة من الماء.
وهو يفهم أن الاتفاق غير كامل وأن فيه الكثير من الثقوب، مثل أن أولمرت لم يتعهد بعدم المشاركة في التنافس في الانتخابات التمهيدية كما لم يتعهد بالانسحاب من الحكم فور انتخاب زعيم جديد لكديما.
ويقول باراك رغم ذلك فأنا لست إلها، وفي واقع سياسي مركب لا يتحقق إلا الممكن.
وإذا لم يذهب أولمرت، فإن هذه هي مشكلة «كديما». سوف يضطرون لإيجاد حل. أما أنا فقد قمت بما وعدت به بعد شهادة تالينسكي: لقد أجبرت «كديما» على العمل.
وليس صدفة أنهم بدأوا في التراكض بعد ساعات من قرار حزب «العمل» ظهر يوم الاثنين التصويت إلى جانب حل الكنيست. حينها بدأ الوسطاء من كديما بالوصول لي.
ومن الجائز أن يتساءل المرء: هل أن دور باراك، كزعيم لحزب العمل، هو الاهتمام بإجراءات سليمة في كديما؟ من المفترض أن يحارب باراك «كديما» من أجل أن يكسب ناخبيها. ولكن بحسب مقربيه فإنه يرى الأمور بشكل مغاير: فالعدو الأساسي له ليس أولمرت، وإنما زعيم الليكود، بنيامين نتانياهو.
فماذا حقق باراك؟ لقد فرض على أولمرت تحديد موعد علني للانتخابات التمهيدية. فقد عبث علنا ومن دون خجل في شؤون «كديما» الداخلية، وهو امتياز كان محفوظا حتى الآن فقط لأولمرت، الذي استخدم في حزب «العمل» يولي تامير عمير بيرتس ويورام مرتسيانو كما لو أنهما أتباعه. كما أن باراك أفرغ الهواء، للمرة الألف، من بالون نتانياهو الذي أمل أن يعمل باراك في خدمته.
ويعترفون في محيط باراك بأن الأمر يبدو بائسا. فقد سبق لباراك أن أعلن قبل حوالي شهر أن على أولمرت أن يبعد نفسه بأسرع وقت ممكن عن إدارة الدولة.
والآن صار واضحا أن أولمرت سيفتتح الدورة الشتوية للكنيست في نهاية أكتوبر المقبل. وهم يعترفون هناك بأنه صحيح أن باراك بدا وكأنه ذعر من تهديدات الإقالة، وصحيح أنه بدأ خطوة أخلاقية وخربها عندما حولها إلى ألعوبة سياسية، ولكنهم يقولون ان الناس في النهاية سوف يفهمون ويستوعبون.
من كل هذه القصة خرجت نتيجة واحدة: موعد لانتخابات الزعامة في«كديما» لن يتأخر عن الخامس والعشرين من سبتمبر. وهذا لا يقل إثارة. فلم يسبق أن تم انتخاب زعيم لحزب فيما يحتل زعيمه الراهن رئاسة الحكومة.
فما الذي سيحدث بعد ذلك؟ لا أحد يعرف. وفي هذه الأثناء فإن المتنافسين الأربعة يستعدون: ليفني، موفاز، مئير شطريت، آفي ديختر.
ويقول رجال أولمرت انه إذا تنافس في الانتخابات التمهيدية فسوف يفوز من دون مشاكل، فالنشطاء يحبونه، وعدا ذلك هناك عرف وهو عدم الإطاحة برئيس حكومة أثناء ولايته.
ويوم أمس الأول في الكنيست، أطلق أولمرت تصريحا يمكن أن يفهم منه أنه سوف يتنافس. لكن القرار في ذلك مؤجل حتى اللحظة الأخيرة في منتصف أغسطس وفقا لوضعه القانوني. وفي كل الأحوال فإن أولمرت يدرس حاليا اقتراح تغيير في النظام الداخلي ل«كديما»، بحيث يسهل عليه التنافس.
ويقضي بأن من ينال المكان الثاني يغدو قائما بأعمال الرئيس. وهكذا فإذا اضطر الرئيس المنتخب، أولمرت، للانسحاب بسبب مشاكله، فإن القائم بأعماله يأخذ الموقع ولا تضطر «كديما» لإجراء انتخابات تمهيدية جديدة. ويقول أولمرت للنشطاء: إذا قدمت ضدي لائحة اتهام، فإن «كديما» لن يمر بصدمة. ومن ناحية أولمرت، فإن الرغبة في البقاء في الحلبة السياسية وعدم التنحي جانبا في سبتمبر، يمس المنظومة القضائية التي يديرها.
ويؤمن المقربون منه أنه طالما بقي رئيسا للحكومة، فإن يد النيابة العامة لن تكون رخوة على الزناد في إعداد لائحة الاتهام. وبالتالي فإنه في سبتمبر، إذا لم يتنافس على الزعامة وتحول إلى بطة تحتضر، فإن النيابة العامة ستسارع إلى توثيق الحبل حول رقبته.
لقطات إسرائيلية
شليت
أظهر استطلاع إسرائيلي أن أغلبية كبيرة من الجمهور تعتقد أنه كان من الواجب طرح إطلاق سراح غلعاد شليت كشرط للتهدئة وأنه قد تم التفريط بالجندي الأسير.
أغلبية كبيرة تعتقد أن إطلاق سراح شليت يفوق بأهميته الهدوء الذي يحظى به سكان غزة الآن. «يديعوت 23-6»
فرنسا
صرفت المطاردة الانفعالية لفستان كارلا بروني الانتباه عن حقيقة درامية على الأقل مثل تضاريس جسم الضيفة الجميلة: وهي أن زوجها نيكولا ساركوزي عاشق لنا. من كان يصدق؟ فرنسا المعادية، وفرنسا المناصرة للعرب، وفرنسا شيراك وأسلافه المثيرة للغضب أصبحت فجأة مناصرة لإسرائيل، وقبل أسبوعين من يوم الباستيل توجد ثورة فرنسية حقيقية. «يديعوت 19-6»
باراك
إيهود باراك لم يهرب، وهو على ما يبدو نجح في تحريك عملية استبدال رئيس الوزراء من خلال ممارسة الضغوط لتحديد موعد متفق عليه لإجراء الانتخابات التمهيدية في «كديما». ليس من الممكن معرفة ما سيحدث بعد أولمرت، ولكن في النهاية نشأ اتفاق بين حزب العمل وكديما بأن يتم استبدال رئيس الوزراء المتهم بالفساد خلال ثلاثة اشهر. «هآرتس 26-6».
حلمي موسى - صفحة تنشر بترتيب خاص مع «السفير»
يوسي فيرتر (هآرتس 27-6-2008 )

