مفعماً بحيوية الأرض ومشبعاً بعبقها، جاء النائب محمد بركة رئيس كتلة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة في الكنيست الإسرائيلي إلى الإمارات مدعوا للمشاركة في الندوة التي أقامها مؤخرا، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية في أبوظبي حول القضية الفلسطينية في الذكرى الستين للنكبة، بغية طرح الرواية الفلسطينية لهذا الحدث التاريخي الكوني بأبعاده الإنسانية والسياسية والعلمية انطلاقاً من منظور تعبوي سياسي هادف، على حد تعبير هذا السياسي الفلسطيني البارز، الذي خص جريدة «البيان» بحوار شامل ثمن فيه موقف دولة الإمارات العربية المتحدة الثابت والراسخ حيال الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، وفيما يلي نص الحوار:
ما هو مصير وحدة الشعب الفلسطيني في ظل استمرار حالة الانقسام المفروضة عليه وفي ظل تواصل العدوان الإسرائيلي؟ الفلسطيني الذي يعيش في المنفى، دوره غير دور الفلسطيني الذي يعيش على أرض محتلة عام 1967، وغير دور الفلسطيني الذي في الداخل، ونحن نحاول في ظل خصوصية موقعنا أن نؤدي دورنا في إنجاز المشروع الوطني للشعب الفلسطيني القائم على إقامة دولته المستقلة وحق العودة. لكن هذا الأمر مرتبط طبعا بالأدوات المتاحة لنا وهذه الأدوات هي أدوات شعبية في المقام الأول، بمعنى أن بقاءنا في وطننا يعتبر مأثرة بكل المفاهيم، لأنها جاءت مخالفة بالكامل للمشروع الصهيوني، نحن نحاول القيام بدورنا، وعلى الرغم من أن هذا الدور له خصوصية كبيرة، إلا أنه يندرج في إطار الرؤية نفسها، على أن يقوم كل بالدور المنوط به، فالفلسطيني الذي يعيش في دولة الإمارات العربية المتحدة له دور في دعم شعبنا من خلال خصوصية موقعه أيضا، وكذلك الفلسطيني الموجود في الأردن.
لذلك، أرى أن هذا الموضوع يندرج في إطار وحدة الشعب الفلسطيني مع التلونات النابعة من مواقع وجوده والتي تصب في هذا التحليل، لكن إذا كنا قد شردنا قهرا وليس بمحض إرادتنا تحت وطأة ممارسات الحركة الصهيونية، إلا أن قلبنا يقطر دما من حقيقة التشرذم الحاصل بسببنا نحن وداخلنا نحن. الأمور وصلت إلى حد مقلق جدا إثر الحسم العسكري في غزة. وأنا سعيد جدا الآن بعدما سمعنا عن محاولة استعادة الحوار بين الأطراف الفلسطينية.هل تعتقد أن مسألة وحدة الشعب الفلسطيني قادرة على البقاء دون هيئات تحميها؟ لا طبعا، فالأطروحات والطوباوية لم يعد لها مكان بيننا، وهذا كلام غير صالح هذه الأيام، الأمر الذي يستدعي التأسيس لهذه المسألة الحيوية على أسس علمية منظمة، على أسس برنامج ومشروع سياسي واضح المعالم، على أسس هيكلية تنظيمية تستمد آلياتها ومرجعياتها من المشروع الوطني.
ولذلك تجدنا نتحدث عن أمور أعمق، فهناك قضايا معروفة ومرجعيات مقبولة لدى كافة الأطراف على الساحة الفلسطينية، مثل وثيقة اتفاق القاهرة، وثيقة الأسرى، اتفاق مكة، فهذه مرجعيات يجب العودة إليها وإذا لم يتفق الفرقاء على إحدى هذه المرجعيات، فهناك مرجعية أهم وهي مرجعية الشعب الفلسطيني نفسه، من الممكن العودة دائما إلى الشعب الفلسطيني والقول له تعال إلى الانتخابات وقرر ماذا تريد.
لننتقل إلى موضوع شائك آخر مطروح بقوة في مشهد الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وهو قضية القدس ومحاولات التهويد المتصاعدة لهذه المدينة التاريخية؟
أسمح لنفسي بأن أتوجه بنداء عبر صفحات «البيان» إلى كل إنسان عربي شريف في نفسه ذرة من الكرامة أن يعطي من وقته ومن جهده شيئا للقدس. فقد قمت بزيارة إلى البلدة القديمة من القدس منذ أسبوع ودخلت إلى الأزقة والزواريب الخلفية وإلى السوق القديمة ووجدت أن المؤامرة التي تتعرض لها القدس هي مؤامرة رهيبة. هنالك استباحة للأماكن المقدسة، لما هو تحت الأرض بحفر الأنفاق حتى تتصدع البيوت المحيطة جراء عمليات الحفر، هنالك محاولة لاغتيال المواطن الفلسطيني.
وإثقال كاهله بالضرائب وبالتضييق على عيشه من أجل أن يرحل، هنالك موضوع الجدار الذي يقطع القدس أشلاء وأشلاء، هنالك الهوية التي تسحب من مواطني القدس، ومهمة التصدي لهذه الكارثة ليست مهمة الفلسطينيين في الداخل فقط وليست مهمة الشعب الفلسطيني وحده، بل إنها مهمة كل إنسان عربي مسلم في أي مكان في العالم غيور على قضية السلام العادل وعلى حقوق الشعب الفلسطيني، لذلك هنالك حاجة لإقامة مشروع وطني اقليمي لإنقاذ القدس.
فعمليات الاستيطان التي تنفذها إسرائيل في القدس اليوم جعلت عدد المستوطنين يساوي عدد الفلسطينيين في القدس الشرقية، حيث يعيش 220 ألف عربي فلسطيني وحوالي 200 ألف مستوطن. وهذا الوضع يخلق بالضرورة مصاعب جمة أمام عملية التسوية لننتقل إلى قضية المفكر والمناضل الفلسطيني عزمي بشارة، ما هي أصداء القرار الذي اتخذه بالبقاء خارج الوطن؟
يواجه مجتمعنا الفلسطيني داخل إسرائيل تحديات كبرى، ويواجه حملات تحريض عنصرية قوامها المحاكم والملاحقات القضائية والسياسية لأفراد ولقيادات، وهناك من اعتقل وهناك من تم التحقيق معه أو قدمت ضده لوائح اتهام، لكننا نفهم أن معركتنا الأساسية في مواجهة الأيديولوجية الصهيونية هي البقاء في الوطن وأعتقد أن هذه هي القيمة الأولى لنضالنا داخل إسرائيل.
المجتمع الفلسطيني في إسرائيل
يؤكد محمد بركة أن المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر هو مجتمع طبيعي بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، ويقول في هذا الإطار: هناك تمايزات وأيديولوجيات وأفكار وطبقات، وبالطبع هناك قضايا مشتركة، ونحن نعتز بأننا نمتلك إحدى الأدوات الكفاحية المهمة التي تسمى «لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب في إسرائيل»، التي تضم كافة الأحزاب السياسية، كافة رؤوس السلطات المحلية يجتمعون تحت سقف واحد لصياغة أفق الوجود والحياة والنضال لمجموع الفلسطينيين في إسرائيل، لكن لهذا السقف تلاوين مختلفة.
ونحن لسنا بصدد إلغاء توجهاتنا وأيديولوجيتنا ومن يريد فبوسعه أن ينطلق من وجهة نظر تقدمية، من يريد فبوسعه أن ينطلق من وجهة نظر قومية أو يمينية أو يسارية أو دينية أو علمانية.. لذلك نحن نمثل من هذا المنظور مجتمعا طبيعيا بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، لكن كثرة التلاوين لا تنسينا الموقف المشترك والعمل المشترك. هذا ما نحرص عليه. هناك حاجة ومكان للتنافس السياسي، ففي هذا المقام لا بأس من ذلك طالما أننا نخاطب شعبنا ونحاول كسب تأييده لهذه القضية أو تلك.
المشكلة لا تكمن فيما بيننا، وإنما بيننا وبين الأحزاب الصهيونية والسياسة الحاكمة في إسرائيل، لهذا فإن التوافقات الإسرائيلية والقوائم المشتركة مبنية على إمكانية وجود عناصر وقواسم سياسية مشتركة أيضا، ونحن نتعاون مع الآخرين في مختلف المجالات.
وأنا لا استطيع، على الرغم من أني أقف على رأس أكبر حزب سياسي في الأقلية الفلسطينية في إسرائيل، شطب حق الآخرين، فنحن لا نتدخل إلا في حال عرض أحد الأطراف أو أكثر أنفسهم للخطر، ولا نعترض إلا إذا كان هناك آخرون يقامرون بأصوات ويخوضون انتخابات لا أمل لهم فيها بالفوز. عندما يقومون بحرق أصواتهم وهذه تعد كارثة بحد ذاتها.


