تحاول أولبرايت في هذه الحلقة أن تفتح نافذة أمل أمام القادم الجديد إلى البيت الأبيض رغم كآبة الوضع في العراق، وثقل التركة التي سيرثها من سلفه بوش. وترى أن إخراج الولايات المتحدة من ورطتها في العراق لا يعتمد فقط على المواقف الأميركية في هذا الصدد، وإنما يعتمد أيضاً على مواقف دول الجوار التي لها مصالح في استقرار أوضاع العراق وعلى درجة تعاونها مع واشنطن من أجل تحقيق ذلك الهدف.
وتقدم وزيرة الخارجية السابقة نصيحة للرئيس المقبل تتمثل في العمل على تقسيم العراق من دون أن يبدو ذلك نتاج سياسة أميركية بل نتيجة جهد عراقي ذاتي.وتدعو إلى أن يكون التقسيم إلى ثلاثة كيانات فيدرالية تتقاسم السلطة والعوائد النفطية فيما بينها بشكل يرضي الجميع ويضمن وحدة وسلامة الأراضي العراقية. وتحذر الرئيس الأميركي المقبل من تكرار خطأ حرب العراق مع أي دولة أخرى، ولكنها لا تستبعد بالمطلق اللجوء للخيار العسكري بشرط أن يكون ذلك دفاعاً عن النفس ضد اعتداء ما. غير أنها ترى إن الأولوية يجب أن تعطى للخروج من المأزق العراقي.
هنيلبرايت 3 إذا كانت أولبرايت رسمت صورة بالغة الكآبة للوافد الجديد إلى البيت الأبيض بشأن طبيعة الأوضاع في العراق، ما يشير إلى ثقل حجم التركة التي سيرثها من سلفه بوش، فإنها تحاول أن تفتح نافذة أمل، من أجل إخراج الولايات المتحدة من ورطتها هناك، الأمر الذي يتطلب حسبها التخطيط الجيد. وفي ذلك تذكر أن مسائل الحظ على شاكلة مستقبل الأوضاع في العراق لن تحددها فقط المواقف الأميركية، مؤكدة على ذلك بأنه حتى عندما كان مستوى القوات الأميركية في القمة، فإنها لم تستطع السيطرة على الأوضاع هناك.
حيث عجزت هذه القوات عن توفير الأمن، ووصلت الأوضاع إلى حد تأثر مختلف قطاعات الحياة هناك، فانقطعت الكهرباء وتراجعت الأنشطة الاقتصادية. غير أن أولبرايت تلمح إلى أن هناك ميزة وحيدة في هذه الرؤية المظلمة تتمثل في أن الآخرين في المنطقة لديهم كوابيس مماثلة للكوابيس الأميركية ومن ذلك مثلا أنه لا توجد حكومة في المنطقة تفضل «القاعدة» أو ترغب في اندلاع حرب.
ومن هنا تدعو أولبرايت إلى العمل على تعظيم الاستفادة من مجمل هذه الظروف واعتبارها رصيدا إضافيا لجهة تحقيق الأهداف الأميركية في ضوء أنه لا يبدو أن هناك نهاية طبيعية للعنف.
وتتمثل وجهة نظرها في إمكانية تجيير مواقف دول المنطقة في سياق الرؤية الأميركية في ضوء أن دولا مثل إيران، سوريا، السعودية، الأردن، مصر، إلى جانب تركيا ستتدخل عندما ترى أن هناك ما قد يمسها جراء تطورات الوضع في العراق. وتعتقد أولبرايت ان مختلف حكومات المنطقة ينتابها القلق من أن تمتد الفوضى في العراق إلى أراضيها على خلفية إثارة مظالم ودعاوى طائفية وعرقية. وتؤكد أن ملمحا من هذا السيناريو ـ الفوضى ـ قد تحقق فعليا.
حيث قاد العنف الطائفي إلى رقم بالغ من القتلى المدنيين والى واحدة من أكبر عمليات الترحيل السكاني في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، فنحو مليوني عراقي هجروا منازلهم بحثا عن ملجأ آمن في مدن أخرى أو عبروا الحدود حيث اتجه بعضهم إلى سوريا وآخرون إلى الأردن والكثيرون إلى إيران، محذرة من السيناريو السيئ الذي يمكن أن ينجم عن هذا الوضع.
وهو حسبما ترى يتمثل في تحول أماكن تجمعات اللاجئين والنازحين إلى معسكرات مستقبلية لتدريب جيل جديد من المقاتلين الذين يسعون للانتقام وتحقيق انتصارات فيما فشل فيه آباؤهم. وتذكر أولبرايت أن عملية الترحيل الطوعي والقسري كلفت العراق المهرة من أبنائه، فيما هو في أمس الحاجة إلى خبراتهم ومهاراتهم.
وتدعو المؤلفة الرئيس المقبل من موقعه في البيت الأبيض إلى أن يخلص إلى ما خلص إليه الملك فيصل من قبله وهو انه لا منتصر في الحرب الأهلية.
غير أن النتيجة التي تخلص إليها تتمثل في النصيحة التي تمثل خلاصة رؤيتها بشأن هذه القضية وهى التقسيم. ووفق رؤية أولبرايت فإنه إذا لم يدرك العراقيون قيمة بناء أمة واحدة، فإن هذا الوضع سيحد من قدرات الحكومة المركزية الواهية بالفعل. وبمرورالوقت، سنجد الأكراد الذين حظروا العمل بالعلم العراقي يبرمون اتفاقيات نفطية خاصة بهم، ما قد يعزز سيرهم على الطريق الخاص بالانفصال.
فيما أن السنة ما زالوا يرون انهم حكام العراق الحقيقيون، ما يرجح خوضهم قتالا من أجل استعادة سيطرتهم الأولى. أما الشيعة الذين يشكلون الأغلبية، حسبما تذكر، ويعملون على تعزيز مكاسبهم، فسيحاولون اقتطاع أكبر جزء من الدولة يمكن لهم اقتطاعه حتى فيما هم يتشاجرون فيما بينهم بشأن من يتولى المسؤولية.
هنا تصل أولبرايت إلى نصيحتها الغالية والتي حاولت التمهيد لها على نحو كبير داعية الرئيس المقبل إلى تقسيم العراق، قائلة إنه ربما يكون الطريق الوحيد أمامه من أجل الحفاظ على العراق هو تقسيمه. ولكنها تطرح سيناريو مغايرا إلى حد ما عما طرح من قبل، وهو ما يمكن اعتباره سيناريو خادعا حيث تطلب من الرئيس المقبل ألا يكون التقسيم رسميا أو بشكل كامل، ويبدو أنها من سياق تناولها تريده تقسيما فعليا.
حيث تقول يكفي أن نقيم كيانا للشيعة في الجنوب، والأكراد في الشمال، والسنة فيما بين الاثنين، معتبرة أن هذا الأمر لا يجب أن يكون نتيجة سياسة معلنة، وأنه بالنسبة للعراقيين فربما يكون من الأفضل أن يقوموا بتقسيم أنفسهم بأنفسهم، وهو ما يكشف عن البرجماتية البالغة التي تتصف بها أولبرايت على النحو الذي يجعل البعض يدرجها ضمن من يتم توصيفه بالمدرسة الواقعية في السياسة الأميركية.
وموجهة حديثها إلى الرئيس المقبل تقول المؤلفة: إن هدفك من المشاركة - في تقرير مستقبل العراق ـ أيا كانت رغبات قادته ـ يجب أن تكون استقرار هذه العملية على نحو يسمح بحدوثها سلميا وبدون التدمير الكلي لمفهوم العراق القومي. وأما بغداد فيجب أن تكون مكانا يجمع الكل من سنة وشيعة وآخرين. وهذا يعني، وفق رؤيتها، أن حملات التطهير العرقي التي تقوم بها الميليشيات المختلفة في البلاد يجب أن تتوقف.
غير أنها وفي محاولة تمرير تصورها على نحو يبدو مقبولا للعراقيين تدعو الرئيس المقبل إلى إقامة علاقة شراكة بين هذه المناطق الفيدرالية لضمان تمرير هذه الصيغة بطريقة سلمية لا تحطم مفهوم بقاء العراق كبلد موحد، مع ضمان في الوقت ذاته قبول الحكومة العراقية سواء الحالية أو غيرها ترتيبات تتعلق بتقاسم السلطة والعوائد النفطية على نحو يحظى على الأقل بقبول كل الفرقاء السياسيين. في حين تنصح الأكراد بالإبقاء على حكمهم الذاتي ضمن الأراضي العراقية، والتخلي عن أحلامهم الانفصالية التي لن يجدوا العدد الكافي من الأصدقاء الذين يساعدونهم على تنفيذها.
وتنتهي إلى التأكيد على حقيقة أن تحقيق حل سياسي أو عسكري يعتبر فوق طاقة وقدرة الولايات المتحدة ولكن بمساعدة نشطة من جيران العراق، فإنه يبقى من الممكن تصور إمكانية تحقيق ما يمكن اعتباره توازنا هشا للأوضاع هناك. والنتيجة النهائية ستكون حسب أولبرايت عراقا أقرب إلى دولة طبيعية تضم ثلاث فيدراليات تتمتع كل واحدة منها بميليشيتها مع احترام كل طرف لحرمة الآخرين.
وتحاول أن تؤسس لهذه النصيحة من خلال استعراض خبراتها خلال عملها وزيرة للخارجية ضمن إدارة كلينتون فتشير إلى أنها في تلك الفترة وعندما بدأت حدة النزاعات العرقية تزداد في البلقان، كان الاتجاه إلى حلها من خلال قراءة سليمة للواقع. وحسبها فإن كل فصيل طرف في هذه النزاعات كان له حليف آخر خارجي يتلقى منه سواء الدعم العسكري أم السياسي،.
وعلى ذلك كان التفكير في أن الحل ربما يكون عبر جمع كل الدول التي لها مصالح في البلقان من أجل العمل سويا. وتذكر أنه على هذا الأساس تم إنشاء آلية دبلوماسية تم توصيفها بـ «مجموعة الاتصال» ضمت ممثلين من أكثر من 12 دولة وكان العمل على ضمان تنسيق سياسات هذه المجموعة بشأن الأوضاع في البلقان، مشيرة إلى نجاح هذا الأسلوب، الذي كان يمكن تطبيقه على الوضع في العراق.
إن أولبرايت تلقي بالمسؤولية في إشعال الوضع في العراق على الولايات المتحدة والتي بادرت، كما تقول، بالدفع لجهة النزاع، غير أن جيران العراق وكذلك حلفاء أميركا يرون صعوبة هائلة في محاولة إنهائه، وعلى ذلك ترى ان الإدارة يمكن أن تجذب أو تكسب المساعدة من خلال الاعتراف بأخطائها وعرض المشاركة في صنع القرار والمسؤولية هناك.
وإن كان الموقف، حسبما تشير، يسير الآن في ظل إدارة بوش على عكس ما تقترح، حيث إنه بدلا من تبني فكرة مشاركة الآخرين في إنهاء الأزمة العراقية، فإن المسؤولين الأميركيين يصرون على رفض كل ما يقدم في هذا الصدد.
وتذكر انه في مايو 2003 تم رفض اقتراح تقدمت به إيران بإجراء مفاوضات شاملة تقوم على أساس فكرة عراق ديمقراطي وغير ديني.
وإذا كانت هناك بدايات تحول حيث بدا هناك إقرار أميركي عام 2007 بقبول الدبلوماسية الإقليمية وإن كانت المشكلة أنه وإثر الوصول إلى هذه القناعة، فإن عملية تحرير العراقيين تحولت إلى حد كبير إلى استعباد لهم وليس تحريرهم. وفي عبارة واضحة تقرر أولبرايت أن فشل إدارة بوش في العراق كان متوقعا غير أنه لم يكن محتوما، ومهما كان ضعف أبعاد أو مقومات التدخل الأميركي فقد كان يمكن تحويله إلى نصف نجاح في ضوء إمكانية حصر المعارضة له في التمرد السني.
وفي تلخيص لرؤيتها لما يدور في العراق والورطة الأميركية هناك تستشهد بما ذهب إليه فيليب زيلكو المستشار السابق لوزيرة الخارجية الأميركية الحالية كوندوليزا رايس من أن العراق لا يعد مجرد حرب واحدة وإنما هو بحق خمس حروب أو ست حروب مختلفة في الدولة ذاتها. كل واحدة منها بآليات مختلفة ومقاتلين مختلفين. ومن هنا فإن عراق واحد يكفي وعلى الرئيس المقبل أن يتجنب تكرار التجربة بأي حال سواء من خلال التصعيد مع إيران على شاكلة ما جرى مع العراق، والأولوية يجب أن تكون للخروج من المأزق العراقي أولا.
وهنا تؤكد أنه على الرئيس المقبل تحاشي توجيه ضربة لإيران إلا إذا أتت دفاعا عن النفس وذلك لتفادي تقوية النظام الحالي وتجنب رد إيراني إرهابي أو تحرك الشيعة في العراق ضد القوات الأميركية.
وإن كانت المؤلفة في الوقت ذاته لا تحبذ التخلي عن الخيار العسكري وتشير إلى ضرورته في حال وقوع حادث في مياه الخليج ومع ازدياد قوة الحرس الثوري داخل إيران. مؤكدة معارضتها لإجراء حوار مباشر مع القيادة الإيرانية والرئيس أحمدي نجاد مستعيرة من الرئيس الأميركي الراحل فرانكلين روزفلت عبارته عن الزعيم النازي أدولف هتلر «لا يمكن ترويض النمر بمداعبته».
حقائق
ـ ولدت مؤلفة الكتاب باسم ماري جانا كوربلوفا في 15 مايو، 1937 في براغ بتشيكوسلوفاكيا
ـ تلقت تربية مسيحية كاثوليكية بعد ان تحول والدها من اليهودية خوفاً من الاضطهاد
ـ تولى والدها جوزيف كوربل تعليم الدراسات الدولية في جامعة دنفر
ـ كانت وزيرة الخارجية الأميركية الحالية كوندوليزا رايس الطالبة المفضلة لدى جوزيف كوربل
ـ حصلت على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية مع مرتبة الشرف من كلية ويلسلي
ـ نالت شهادتي الماجستير والدكتوراة من جامعة كولومبيا وشهادات الدكتوراة الفخرية من جامعات واشنطن وينبيغ ونورث كارولينا
ـ عملت باحثة في الشؤون السوفييتية وشؤون أوروبا الشرقية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
ـ تشغل حالياً العديد من المناصب الفخرية وتحاضر في جامعة جورج تاون
ـ ايدت ترشيح هيلاري كلينتون لخوض السباق الرئاسي عن الحزب الديمقراطي
ـ تتقن اللغات الإنجليزية والفرنسية والتشيكية والروسية والبولندية والصربية
الصفحات: 328 (متوسط)
الكتاب: مذكرة إلى الرئيس المنتخب
الناشر: هاربر كولينز، نيويورك، 2008


