يبزغ اليوم فجر جديد على الأسرى اللبنانيين في سجون الإحتلال الإسرائيلي مع تبلور آخر صفقة تبادل للأسرى بين حزب الله وإسرائيل بعد خمس عمليات تبادل سابقة عبر الوسيط الألماني.

وينتظر أن تصادق الحكومة الإسرائيلية اليوم الأحد على الصفقة التي يفترض أن تدخل الحيز الإجرائي بعد انتهاء عملية التفاوض، على أن تشمل تحرير ستة أسرى لبنانيين على رأسهم عميد الأسرى سمير القنطار إلى جانب أشلاء شهداء ومقاومين مقابل تحرير الجنديين الإسرائيليين اللذين اعتقلهما حزب الله قبل عامين وأشلاء جنود إسرائيليين آخرين سقطوا على أرض الجنوب اللبناني.وفيما لا تزال بنود الصفقة وآليات تنفيذها غير واضحة، كشف مصدر مسؤول في حزب الله ل«البيان» إتفاق طرفي التفاوض على إنجاز عملية التبادل قبل 12 يوليو تاريخ أسر الجنديين الإسرائيليين الذي فجر الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان.

وأكد تمسك الحزب خلال كل مراحل التفاوض بسلسلة مطالب في مقدمها تحرير كل اللبنانيين من سمير القنطار إلى كل من أوقف جنائيا إضافة إلى رفاة جميع المقاومين وكشف مصير الأسير يحيى سكاف الذي تنفي إسرائيل وجوده لديها وتعتبره من المفقودين وكشف مصير الدبلوماسيين الإيرانيين الأربعة.«البيان» رصدت تفاصيل هذه الصفقة منذ بداياتها وزارت عشية التوقيع على عملية التبادل عائلة رائد الحركة العربية الأسيرة،سمير القنطار، الذي أمضى ثلاثين عاما في سجون الإحتلال، والتقت في قريته عبيه والدة الأسير وشقيقه بسام ودار حوار واسع حول تاريخ العملية البطولية وظروفها وسنوات الإعتقال واستعداد العائلة للقاء إبنها البطل بعد أيام معدودة.

تحكي والدة الأسير وهي تذرف دموعا غزيرة أثناء استعادة شريط الذكريات التي أمضتها العائلة في عقود الغياب الطويلة وتقول: «خاض سمير أشرس المعارك وهو لا يزال فتى صغيرا لم يتجاوز عمره ستة عشر عاما..

كان متحمسا للدفاع عن قضية فلسطين وكل الأمة.. نفذ عمليته البطولية عام 1979 تحت عنوان عملية القائد جمال عبد الناصر مع ثلاثة من رفاقه.. كان هو قائد العملية برتبة ملازم في جبهة التحرير الفلسطينية.. إخترقت مجموعته رادارات العدو وترسانة أسلحته منطلقة من شاطئ مدينة صور بزورق مطاطي صغير من نوع زودياك.

وهدف من خلال هذه العملية للوصول إلى مستوطنة نهاريا واختطاف جنود إسرائيليين ومبادلتهم بمعتقلين في السجون الإسرائيلية..استطاع اختراق حواجز الأسطول الإسرائيلي وكل إجراءاته من حرس شواطئ وغيره ووصل إلى شواطئ نهاريا فجرا .

حيث أكبر وأهم المقرات العسكرية الإسرائيلية، إنقسمت مجموعته إلى اثنتين واقتحمت إحدى الأبنية العالية واستطاعت قتل رقيب في الجيش وخطف عالم الذرة الإسرائيلي داني هاران مع إبنته واقتادتهما إلى الشاطئ، وقعت معركة حقيقية مع الجنود الإسرائيليين إستمرت خمس ساعات أصيب خلالها أحد أفراد مجموعة المقاومة واستشهد اثنان..

كما أصيب سمير بخمس رصاصات في أنحاء مختلفة من جسده بعد أن تمكن من إصابة جنرال إسرائيلي بجروح بليغة وكانت نتيجة العملية وقوع ستة قتلى إسرائيليين بينهم عالم الذرة وإبنته وإثنا عشر جريحا إسرائيليا، وقد حكمت على أثرها المحكمة الإسرائيلية المركزية في تل أبيب بخمس مؤبدات و47 عاما إضافيا على سمير القنطار في حين تم الإفراج عن صديقه السوري الجنسية عام 1985.

تقول أم سمير: «لم نعرف أنه أصيب خلال العملية إلا بعد تسعة أشهر وفي أول رسالة بعثها إلينا عبر الصليب الأحمر بعد شهرين من اعتقاله طمأننا فيها عن صحته وطلب منا أن لا نحزن وكتب قائلا: أنا اخترت طريقي بنفسي وليس على أحد منكم أن يتحمل عبء ما اخترت.

وعلمنا لاحقا أنهم مارسوا بحقه تعذيبا لا يتخيله عقل إنسان، حيث حقنوه بعد أسره مباشرة بالدم وأعادوه إلى مكان وقوع العملية ليمثلها والرصاصات لا تزال في جسده، ثم قاموا بنزعها دون أن يحقنوه بأي مادة مخدرة، وعندما كان يصرخ كانوا يضعون وسادة على فمه، وأثناء معاينة الطبيب له كان يتعمد وضع إصبعه داخل جروحه ليؤلمه قدر الإمكان، وخلال التحقيق أطفأوا السجائر في يديه ووضعوا صافرات في رأسه وعزلوه أشهرا طويلة».

وتفاخر أم سمير بإرادة إبنها العظيمة وإيمانه العميق بالقضية التي ناضل من أجلها، «ورغم استحالة تحريره من السجن وخروج كل المعتقلين قبله على دفعات وخواء المعتقلات من حوله مرات عديدة إلا أنه بقي متمسكا بالأمل وكان يذيل رسائله التي يبعثها إلينينا عبر الصليب الأحمر الدولي كل عدة أشهر بعبارة نلتقي قريبا، وأثناء عملية التبادل الأخيرة عام 2004 ودع رفاقه بحرارة قائلا لهم «مبروك عليكم الحرية نلتقي قريبا على أرض الوطن».

لم يقرع سمير باب منزله الجبلي الذي ولد ونشأ فيه منذ ثلاثين عاما، غاب كثيرا لكنه حرص على معرفة أدق التفاصيل في حياة عائلته كما تقول والدته، كان يطلب منا إرسال صور لكل فرد منا وأخرى للمنازل الجديدة التي أنشأناها ولبيت العائلة في قريتنا عبيه، كان يصر على ضرورة إتمام تعليم إخوته ويتابع نشرات الأخبار على صوت الشعب التي كانت تبث صوت شقيقته الإعلامية لميس.

وهو طلب منها إرسال مشروع تخرجها إلى المعتقل حيث قرأه ووضع ملاحظاته عليه لتقدمه لاحقا، صحيح أنه واكب كل ذلك لكنه دون شك سيفاجأ بأمور كثيرة تبدلت، وأكثر ما سيؤلمه هو رحيل والده وشقيقته سناء إبنة الواحد وعشرين ربيعا بسكتة دماغية أثناء وجوده في المعتقل، لكننا سنبذل جهدنا لمواساته ولقائه لقاء الأبطال الذين رفعوا رأس الوطن.

لميس وعبد الله ورائدة وحنان أشقاء سمير ينتظرونه بلهفة وأهالي قريته عبيه أيضا ولبنان بأسره ينتظر اكتمال النصر بتحرير سمير ورفاقه، لكن من هو أكثر شوقا لملاقاة سمير هو شقيقه بسام الذي حمل قضيته على منابر العالم وتابع ملف اعتقاله في دوائر القرار ومع محامين في لبنان والعالم.

وهو يعتبر أن يوم إطلاق سراح سمير «سيكون عرسا للوطن كله ويوما لا يستطيع خلاله أي من هو في موقع مختلف عن المقاومة إلا التعاطف مع سمير في هذه اللحظة الإنسانية.

ويؤكد أن أحدا منا لا يتوقع فشل الصفقة لكننا ومن تجاربنا السابقة مع العدو تعلمنا كيف نسيطر على أحلامنا دون أن نقع في الصدمة كل مرة، وسمير نفسه مرّن نفسه على هذا الأمر وما أبلغنا به محاميه الذي زاره في المعتقل قبل ثلاثة أيام أنه متفائل جدا لكن سمير لا يعمل على معادلة الإنتظار، وهو قال لنا حرفيا أنا أتصرف في المعتقل وكأني باق للأبد لكني لم أفقد الأمل لحظة واحدة بالخروج من هنا».

لقد تمرس سمير بحسب ما يقول بسام على عدم الإنكسار وهو ينظر إلى المعتقل على أنه حيز حياتي وليس إقصائي، إنه مثقف وقيادي ونقابي من الطراز الأول يحمل مطالب السجناء اليومية ويقود تحركاتهم وهو رفض التقدم مرارا برسائل استرحام للعدو معتبرا أنه قام بواجبه الوطني، وهو يقدر أعلى تقدير موقف أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله وتمسكه بالثوابت الوطنية، ونحن بدورنا نعتبر أن جهد المقاومة لإطلاق سمير ورفاقه يؤسس لفكرة جديدة على المستوى العربي مفادها أن الإنسان العربي ذات قيمة وأن أشلاء الشهداء ذات قيمة أيضا وأنه لا يمكن المسامحة مع هكذا عدو وما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة».

رفاق الكفاح

عاصر القنطار أربعة أجيال من ألوف المقاومين اللبنانيين والفلسطينيين كان آخرهم القياديين الفلسطينيين أحمد السعدات امين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ونائبه عبد الرحيم الملوح ومروان البرغوثي امين سر حركة فتح بالضفة الغربية الذين لا يزالون يمكثون في السجن نفسه إلى جانب سمير وهم لا يزالون يقودون معا من داخل السجن كل تحركات الأسرى المطلبية.

وتنقل القنطار بين كل سجون الرعب الإسرائيلية وصولا إلى سجن هيداريم حيث ذاق شتى صنوف التعذيب وكاد الموت يكون أقل قسوة أحيانا.ورغم ألوان العنف والإذلال الوحشية التي خبرها على أيدي السجانين يتمسك سمير بخط وروح المقاومة حتى اليوم ووجه رسالة إلى أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في آخر مقابلة صحافية له قبل شهرين لصحيفة «يديعوت أحرونوت» قال فيها «عهدي وقسمي بأن مكاني الوحيد هو جبهة القتال خدمة لدماء الشهداء ولشعبنا الكريم، سأواصل نضالي مجددا الولاء لك سيدي ولأمتي».

صلابة الإرادة

رغم كل محاولات إلغاء إنسانيته وتهشيم إيمانه بقضيته الحيوية ظل القنطار يجهد ليهزم الموت والانكسار فقرر بعد سنوات من الاعتقال متابعة دراسته بعد أن تعمق في اللغتين العبرية والإنجليزية .

وعندما رفضت إدارة السجون طلبه مارس إضرابا عن الطعام استمر لأيام حتى وافقوا له على طلبه مشترطين عليه إجادة اللغة العبرية، فتسجل في جامعة تل أبيب المفتوحة وتخصص بدراسة العلوم الاجتماعية بعد أن رفضوا تخصصه في العلوم السياسية وتابع دروسه من داخل المعتقل .

واستمر عدة سنوات كانت خلالها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تساعده ماديا على تسديد نفقات تعلمه في الجامعة وشراء الكتب حتى نال الشهادة العليا وحصل على تنويه رئيس جامعة تل أبيب شخصيا إلا أنهم منعوه من متابعة دراسة الدكتوراه، وكل من عرف سمير يقول انه قارئ نهم ولديه كتب ومراجع تحتاج إلى شاحنة لحملها من داخل المعتقل قرأها كلها.

بيروت ـ ثناء عطوي