تقدم أولبرايت هنا عرضاً للجهود التي بذلتها إدارة كلينتون من أجل تقريب وجهات النظر بين أطراف الصراع في الشرق الأوسط بهدف التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الحروب والتوتر ويفضي للاستقرار والازدهار الاقتصادي في المنطقة.
وهي لا تغفل في خضم عرضها لتلك الجهود أن تذكر القارئ بالتزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل وتعزيز قدرتها على الردع مع تشجيع قادتها على التفاوض انطلاقاً من مبدأ الأرض مقابل السلام الذي أرساه قرار الأمم المتحدة 242 والذي كان أساس مؤتمر مدريد في 1991. وتصب المؤلفة جام غضبها على إدارة بوش وسياساتها الخارجية التي أدت إلى كوارث في مناطق مختلفة من العالم أبرزها العراق، حيث فشل بوش في جلب الديمقراطية لمنطقة الشرق الأوسط وفي إرساء الاستقرار والأمن.
بل إن ما حصل هو العكس تماماً، حيث أدت الحروب الدائرة في أفغانستان والعراق إلى تنامي الشعور بالعداء لأميركا على مستوى العالم. ولم تنجح إدارة بوش في تغيير الصورة التي انطبعت في أذهان الكثيرين عن أميركا وترى أولبرايت أن الحل يكمن في العمل مع الحلفاء من أجل استعادة الثقة المفقودة.
بعد التقديم الذي عرضت لنا من خلاله أولبرايت فلسفتها في تأليف الكتاب ورؤيتها التي تقوم على محاولة تحسين سمعة بلادها إزاء الضرر الذي لحق بها من السياسات الأميركية الحالية، تذكر أولبرايت أنها لن تضع وصفة تجعل الأمور تبدو أفضل حالا، إلا أنها تؤكد على أنه يجب الأخذ في الاعتبار المهمة بالغة الجسامة للرئيس، وفي ذات الوقت أن نتذكر ما ننساه في أغلب الأحيان من أن الرئيس ليس إنسانا يتمتع بصفات خارقة، أو بمعنى أصح ليس«سوبرمان».
في معرض تناولها لقضايا المنطقة والسياسات الأميركية تجاه الشرق الأوسط، تقدم لنا أولبرايت ما يمكن اعتباره رؤية بانورامية على مدى العقود الأربعة الأخيرة فتذكر أنه منذ إطلاق هنري كيسنجر دبلوماسيته المكوكية في أوائل السبعينات لعبت أميركا دورا متواصلا مع أطراف الصراع لتحقيق السلام العربي الإسرائيلي وهو ما انتهى إلى تحقيق الصلح بين مصر والأردن من جهة وإسرائيل من جهة ثانية.
كما تم تحقيق هدف إجراء حوار فيما بين إسرائيل والفلسطينيين بشأن احتياجات كل طرف تجاه الآخر. وقد ساعدنا إسرائيل لكي تصبح قوية على نحو يعزز قدرتها على الردع في الوقت ذاته الذي تم فيه حث قادتها على التفاوض انطلاقا من مبدأ الأرض مقابل السلام، في محاولة لتحقيق الطموحات المشروعة للفلسطينيين.
وقد أرهق بيل كلينتون نفسه وفريق العمل الذي معه ـ بمن فيهم المؤلفة بالطبع ـ في محاولة التوصل إلى صيغة بشأن الاستيطان، ولم ينجح، ولكن الأطراف أصبحت أقرب مما كانت عليه من قبل. والخلاصة، أنه وحتى نهاية فترة كلينتون، لا يمكن لأحد، حسب المؤلفة، اتهام أميركا بعدم الاهتمام بقضايا المنطقة بما يحقق مصالح طرفي النزاع.
وهى رؤية تتسم بعدم الإنصاف حيث اتخذت إدارة كلينتون العديد من المواقف المؤيدة للسياسات الإسرائيلية رغم محاولات إدعاء البعض أن مؤتمر كامب ديفيد الذي نظمته استهدف التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية.
من هذا الجانب تصل المؤلفة إلى فترة حكم بوش والتي تصب عليها جام غضبها، مشيرة إلى أنه وقد اعتقد أنه لديه نهج أفضل للتعامل مع قضايا المنطقة، وفي ذلك راح يبدي عدم تقديره للقادة الفلسطينيين، وفي الوقت ذاته يبدي عدم رضاه عن سياسة احتواء صدام حسين، وسط قناعة بأن القوة الأميركية يمكنها إنشاء ديمقراطية سريعة، وعلى هذا الأساس انطلق في خطة أحادية من اجل إحداث تغيير شامل في الشرق الأوسط على نحو كلي، الأمر الذي انتهى إلى التراجع بمستوى الأمن المتدني إلى مرحلة الدمار.
وتشير أولبرايت إلى تشابك الأزمات والتهديدات التي تعترض المنطقة والتي تراها أشبه بطاولة لعبة البلياردو حيث دحرجة أي كرة عليها تؤثر في موقع كل كراتها. وتذكر في هذا الإطار أن غزو العراق انتهى إلى حرب أهلية متعددة الأطراف، مما أدى إلى زيادة التوتر بين السنة والشيعة المسلمين، وزيادة نفوذ إيران واستقدام تركيا إلى النزاع مع أكراد العراق، ووفر ظروفا أخرى عززت من وجود القاعدة.
على هذه الخلفية تشير المؤلفة إلى تحول الرأي العام في أجزاء كثيرة من العالم إلى معاداة الولايات المتحدة، في الوقت ذاته الذي تزداد فيه شعبية القادة الأكثر تحديا للولايات المتحدة وإسرائيل فيما بين المسلمين، على نحو لم تجد فيه إدارة بوش أمامها من سبيل للتراجع عن هذه الخسارة سوى ما تصفه بالهبوط بباراشوت على النزاع العربي الإسرائيلي لتوفير إطار يدعم إحياء عملية السلام من رقادها.
هنا وفي انتقاد لنهج إدارة بوش والذي ترى أنه افتقد أسس محورية في السياسات الأميركية تقرر أولبرايت أن الشجاعة الأميركية في التعامل مع أخطار القرن العشرين قامت على أساس دعامتين: القيادة الأميركية والمشاركة الكاملة من قبل الحلفاء.
وعلى ذلك تشير إلى أن الولايات المتحدة سوف تستعيد وضعها في الشرق الأوسط فقط إذا ما أصبحت قادرة فقط على إعداد أجندة مدعومة من قبل حلفائها ويمكنها تلبية احتياجات الدول الأساسية.
وتقول إنه «حتى في هذه الحالة سنكون في نقطة البداية على النحو الذي يتطلب ثقة أولئك في المنطقة، ومن أجل تحقيق ذلك يجب القيام بعملنا على نحو أفضل فيما يمثل تلبية لما يريده الناس في الشرق الأوسط». وتضيف: «لا يمكن لنا إقناع أي شخص بمواقفنا اذا فشلنا في تفهم رؤاهم بشأن أنفسهم وبشأننا».
تنتقل أولبرايت بعد هذا المدخل العام لتناول ملف الشرق الأوسط الذي يعد أكثر الملفات سخونة أمام أي رئيس أميركي إلى أكثر مشاكله تأثيرا على الوضع في الداخل الأميركي ممثلا في الأزمة العراقية.
والفكرة التي تحاول أولبرايت هنا «دسها» للرئيس المقبل هي تقسيم العراق على نحو خفي، وهو ما قد ينتهي إلى وضع أكثر كارثية مما هو عليه الوضع الآن، ما يدعونا إلى الأمل ألا يأخذ الرئيس المقبل بنصائحها التي قد تكون مسممة.
تحاول أولبرايت التأكيد على فكرتها بتقديم إطار تمهيدي من وحي التجربة التاريخية في العراق، وبعد الغوص بعيدا في أعماق تطورات أوائل القرن العشرين تذكر أن البريطانيين اعتمدوا على فيصل الذي تم تعيينه ملكا على البلاد لتحقيق الوحدة الوطنية في العراق.
وتشير إلى أنه بعد 14 شهراً من تكليفه بالمهمة فإن ونستون تشرشل المسؤول البريطاني عن العراق بعث برسالة إلى رئيس الوزراء لويد جورج تفيد أن المهمة التي كلفه بها مستحيلة، وسط رفض البريطانيين هناك والإنفاق العالي الذي وصل إلى نحو 8 ملايين دولار سنويا من اجل البقاء على ما وصفه تشرشل بـ «البركان»، فيما الظروف لا تشير إلى إمكانية الخروج بشئ ذي قيمة من هناك.
وبعد نحو ثمانية عقود فإن أمورا كثيرة تغيرت فيما أن ما لم يتغير هو أن الغرب ما زال يريد أن يصدق أو يعتقد أنه يوجد ببساطة دولة اسمها العراق وكلها عراقيون، فيما أن كل فريق من هؤلاء له أجندته الخاصة، مضيفة في حديثها للرئيس المقبل: إن البركان غير السار الذي تخوف منه تشرشل هو الآن بركانك.
هنا تعيد أولبرايت التأكيد على ما قالته في كتابها السابق «الجبروت والجبار» من أن غزو العراق ربما يمكن تصنيفه على أنه أسوأ كوارث السياسة الخارجية الأميركية في التاريخ. وفي معرض التدليل على صحة هذه الرؤية بشكل غير مباشر تذكر أنها ما فتأت تردد هذه العبارة في المناسبات المختلفة التي تشهدها وما يذهلها هو التصفيق الكبير من قبل الجمهور.
تقول أولبرايت، ونورد هنا كلماتها لدلالاتها العميقة: في البداية لم أكن أفهم لماذا يصفقون؟ مضيفة أن ذلك ربما يكون لأنها لامست وترا حساسا لديهم يتمثل في النتيجة التي توصلوا إليها مبكرا وهى أن: الحرب كانت خطأ كبيرا، وأننا يجب أن نبحث عن الطريق الأفضل للخروج.
على ذلك الأساس تحاول المؤلفة تقديم خبراتها ورؤاها للرئيس المقبل قائلة: إنني لم أكن من بين أولئك الذين طرحوا أو أيدوا الانسحاب الأميركي المبكر من هناك، معربة عن اتفاقها مع رؤية بوش بأن مثل هذه الخطوة يمكن أن تكون رسالة خاطئة تؤدي إلى كارثة، غير أنها تتوقف لتشير إلى أنه من الخطأ الزعم بأن تواجد القوات الأميركية هناك سوف يمنع تلك الكارثة.
وتقرر أنه اذا كان على الولايات المتحدة التزام أخلاقي تجاه شعوب المنطقة بالبقاء إلى حين استقرار الأوضاع في العراق، فإن هناك التزام أخلاقي آخر يتعلق بالقوات الأميركية هناك، مؤكدة أن المهمة العسكرية الأميركية هناك يجب أن تكون محدودة بمدى ما يمكن تحقيقه على أرض الواقع.
وتضيف: وكرئيس، فإنك ستجد أنه لا توجد خيارات جيدة في العراق، سواء غادرت قواتنا على الفور، أم ببطء أم لم تغادر على الإطلاق. إن سبب ذلك هو أننا لسنا الوحيدين الذين نملك النفوذ لتحديد تطور الأوضاع في العراق. لقد كان ذلك واضحا لسنوات، ومسؤوليتك هي الحد من الخسارة ما أمكن.
ثم تذكر في مذكرتها إلى الرئيس المقبل أن هناك ثلاثة كوابيس بشكل خاص، ستلازم رئاسته.. الأول هو قيام العرب السنة بالسيطرة على مناطق معينة تفتقر لمؤسسات حكومية ناجعة، مما سيحولها إلى ملاذ آمن للقاعدة.
فيما يتمثل الكابوس الثاني في أن الحكومات العراقية المستقبلية ربما تكون تابعة على نحو كبير للنفوذ الإيراني المتزايد، على نحو يجعلها تشاركها في الجوانب الإستخبارية والتعاون في المجالات العسكرية، وتهديد إسرائيل، وهنا نلحظ من طرف خفي ترويج أولبرايت لمقولات التهديد الإيراني لإسرائيل على نحو تبدو معه هذه الأخيرة وكأنها الضحية.
أما الكابوس الثالث فهو تشظي العراق بفعل استمرار الصراع الداخلي، مما سيؤدي إلى إلهاب المنطقة، وإشعال حرب على مستوى واسع. وتوجه أولبرايت حديثها للرئيس المقبل قائلة: وإذا كنت وفريقك محظوظين وأذكياء، فستتمكن من تجنب أحد هذه الكوابيس الثلاثة وإذا فشلت في ذلك فعليك مواجهتها في وقت واحد.
الكاتبة في سطور
ـ شغلت مادلين أولبرايت منصب وزيرة خارجية الولايات المتحدة خلال الفترة من 1997 إلى 2001، وكانت أول امرأة تتولى هذا المنصب.
ـ تتضمن سيرتها المهنية المميزة في الحكومة شغل عدة مناصب في مجلس الأمن القومي، الكونغرس، والعمل سفيرة لبلادها لدى الأمم المتحدة.
ـ هي لاجئة من تشيكوسلوفاكيا هربت أسرتها من هتلر أولا ثم من الشيوعيين فوصلت إلى الولايات المتحدة وهى في الحادية عشرة من عمرها.
ـ أصدرت كتابين من قبل أحدهما حول سيرتها الذاتية والثاني بعنوان «الجبروت والجبار» ويتناول الدور الذي يلعبه الدين والأخلاق في صياغة السياسة الخارجية الأميركية، والعلاقات المضطربة بين المجتمعات الإسلامية والغرب.
الصفحات: 328 (متوسط)
الكتاب: مذكرة إلى الرئيس المنتخب
عرض ومناقشة: مصطفى عبد الرازق
الناشر: هاربر كولينز، نيويورك

