من «السوق» الى «اليورو..» عبارة تلخص مشوارا أوروبيا طويلا وشاقا بدأت أولى خطاه قبل نصف قرن تحت مسمى «السوق الأوروبية المشتركة». وكانت ثمرة المشوار في بداية الألفية الثالثة .. هي مولد «اليورو» .. العملة التي ترمز الى صلابة الاتحاد الأوروبي. ولعل ارتفاع قيمتها خير دليل على تلك الصلابة.

يكفي القول ان يوم مولد اليورو كانت قيمة العملة الأوروبية تعادل قيمة الدولار تقريبا. والآن استطاع اليورو أن يفترس الدولار وصارت قيمته تعادل أكثر من مرة ونصف من قيمة العملة الاميركية. بدأ المشوار الأوروبي من العاصمة الايطالية في 25 مارس 1957 . وهو تاريخ التوقيع على معاهدة روما التي ضمت بلجيكا وفرنسا وإيطاليا ولوكسمبورج وهولندا وألمانيا الغربية الاتحاد وحملت تلك الدول اسم «المجموعة الاقتصادية الأوروبية». وتأسست في ذلك التاريخ أيضا منظمة الطاقة النووية الأوروبية.

كان الهدف الاساسي من تأسيس هذه المجموعة توثيق التعاون الأوروبي والتخلص من آثار الحرب العالمية الثانية. وتعلق المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل على فكرة الوحدة الأوروبية بالقول، انها نبعت من إدراك أن الدول الأوروبية- إذا تركت بمفردها- لن تخرج من الدائرة الشريرة للحرب والدمار. وسبق معاهدة روما ، اتفاقات اقتصادية أوروبية، المجموعة الأوروبية للفحم والصلب التي تأسست عام 1951. بدأ سريان معاهدة روما في عام 1958. وفي عام 1962 تبنى أعضاء المجموعة الأوروبية سياسة زراعية مشتركة.

وبعد خمس سنوات من ذلك التاريخ، تم اندماج المجموعة الأوروبية ومنظمة الطاقة النووية الأوروبية والاتحاد الأوروبي للفحم والصلب وإقامة مجلس ومفوضية بدلا منها. وفي عام 1972، تبنت المجموعة ما سمي بنظام «الثعبان النقدي» الذي يحد من معدلات تغيير العملة بين عملات الدول الاعضاء في المجموعة الاقتصادية في خطوة أولى نحو العملة الموحدة. وفي العام التالي انضمت الدنمارك وأيرلندا وبريطانيا إلى للمجموعة الأوروبية.

5- 12 - 1978 الموافقة على النظام النقدي الأوروبي. ولأول مرة في يونيو 1979، يتم انتخاب اول برلمان أوروبي مباشرة. وفي الثمانينات انضمت الى المجموعة ثلاث دول هي اليونان وأسبانيا والبرتغال. وبعد توحيد ألمانيا، تم تشكيل الاتحاد الاقتصادي والنقدي وأيضا الاتفاق على تشكيل اتحاد سياسي. وفي عام 1992، وقعت معاهدة تأسيس الاتحاد الاقتصادي والنقدي في ماستريخت.

وبعد انضمام فنلندا والنمسا والسويد إلى الاتحاد الأوروبي عام 1995 ، وقعت معاهدة شينجن التي تزيل القيود الحدودية في البداية بين بلجيكا وألمانيا وفرنسا ولكسمبورج وهولندا والبرتغال وأسبانيا. وجاء ت بداية عام 2002 بأهم حدث اقتصادي عالمي وهو إدخال عملات وأوراق اليورو في 13 دولة عضو. بعدها زحف الاتحاد الأوروبي شرقا لتنضم اليه دول من أوروبا الشرقية التي كانت في زمن الحرب الباردة كتلة شرقية مناهضة للفكر الاقتصادي الغربي.

كان التوسع الاكبر في الاتحاد الأوروبي في مايو عام2004 ليشمل ثماني دول شيوعية سابقة فضلا عن مالطة وقبرص. واستمرارا للعملية انضمت بلغاريا ورومانيا لعضوية الاتحاد في الاول من يناير عام 2007 . وكان ذلك الحدث كما قال جوزيه مانويل باروسو رئيس المفوضية الأوروبية المتحمس أن هذا الدخول يمثل خطوة أخرى نحو عادة توحيد أسرتنا الأوروبية.

ولا يزال مفوض شئون التوسيع بالاتحاد الأوروبي اولي رين يصر على أن الكتلة لم تغلق أبوابها بعد في وجه دول البلقان الغربية التي لها توجهات أوروبية واضحة على حد قوله. على أي الأحول، يتمتع الاتحاد الأوروبي بصلاحيات واسعة في بعض المجالات مثل تنظيم المنافسة الاقتصادية وتحديد معدلات الفائدة وتوزيع حصص صيد السمك، في حين تبقى صلاحياته محدودة في ما يتعلق بالسياسة الاقتصادية والتربية والسياسة الخارجية.

وخلافا لمسودة الدستور الأوروبي التي رسمت بشكل واضح الحدود بين صلاحيات الاتحاد وصلاحيات الدول الاعضاء، فان معاهدتي روما (1957) ونيس (2001) لا تحددان المجالات المنوطة بالاتحاد وتلك التي تبقى من اختصاص الدول الاعضاء. الا ان الاحكام الصادرة عن محكمة العدل الأوروبية اتاحت تدريجيا تمييز ثلاث فئات هي: الصلاحيات الحصرية للاتحاد الأوروبي والصلاحيات المشتركة والصلاحيات المساندة.

- بالنسبة للصلاحيات الحصرية، فتتضمن الاتحاد الجمركي ووضع قواعد المنافسة الضرورية لعمل السوق الداخلية والسياسة النقدية (للدول ال13 التي اعتمدت اليورو) والحفاظ على الثروات البحرية الاحيائية والسياسة التجارية المشتركة.

ولا يمكن للدول الاعضاء اتخاذ قرارات على المستوى الوطني في هذه المجالات، غير انها تشارك في عملية اتخاذ القرار على المستوى الأوروبي من خلال مشاركتها في المجالس الوزارية الأوروبية او مشاركة نوابها الأوروبيين في التصويت على القرارات المطروحة على البرلمان الأوروبي.

- أما الصلاحيات المشتركة، فتشمل السوق الداخلية والسياسة الاجتماعية والزراعة وصيد السمك والبيئة وحماية المستهلك والنقل والطاقة وجوازات السفر واللجوء والهجرة غير الشرعية والتعاون القضائي.

- وبالنسبة للصلاحيات المساندة، فتتضمن الصحة والصناعة والثقافة والتربية والاعداد المهني والبحث واللحمة الاقتصادية والاجتماعية.

وتحتل السياسة الخارجية موقعا على حدة في توزيع كل هذه الصلاحيات، ويعود للدول الاعضاء ان تقرر بالاجماع اعتماد مواقف واستراتيجيات مشتركة.

وفيما يتعلق بمجلس الاتحاد الأوروبي الذي كان يعرف سابقا باسم مجلس الوزراء، فهو مجلس لحكومات الاتحاد السبع والعشرين. ويجتمع المجلس في تسعة تشكيلات مختلفة، على سبيل المثال، مجلس وزراء الخارجية ومجلس وزراء المالية ومجلس وزراء الزراعة ومجلس وزراء العدل ويرأس الوزير المختص في الدولة التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي اجتماعات المجلس الذي يتبع اختصاصاته.

ولكل بلد عدد من الأصوات في المجلس الذي يجسد بشكل واسع حجم السكان. وتحتاج الكثير من القرارات المتعلقة بالسوق الداخلي بالإضافة إلى التجارة والاقتصاد قرار أغلبية مؤهلة لذلك حيث تقدر الاصوات طبقا لسكان الدول الاعضاء غير أن قرارات حول سياسة الخارجية والدفاع والضرائب والتعاون القانوني والتعاون الخاص بالشرطة تحتاج إلى إجماع.

وفي الكثير من الحالات يتخذ المجلس قرارات بشأن مقترحات المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي إما بعد جلسة استماع أو في إطار قرار مشترك على سبيل المثال في مجال السوق الداخلي. ويعد سفراء الاتحاد الأوروبي عمل المجلس. ويشكلون لجنة الممثلين الدائمين التي دائما ما تكون في حالة انعقاد ويمكن دعوتهم للانعقاد في أي وقت.

وعن مستقبل أوروبا بأكملها - شرقا وغربا- فقد قرر رؤساء الدول والحكومات في الاتحاد الأوروبي تعزيز علاقاتهم مع جيرانهم في الشرق وخصوصا اوكرانيا، وذلك بعدما وافقوا في مارس الماضي على اطلاق مشروع الاتحاد من اجل المتوسط.

وفي هذا السياق، كلفت الدول المفوضية الأوروبية ان ترفع اليها في ربيع 2009، اقتراحا يتصل بتفاصيل «الشراكة الشرقية». ولا يشير الاتحاد الأوروبي الى الدول المعنية بهذه الشراكة الجديدة، لكن هذه المبادرة تحيي اقتراحا تقدم به في مايو البولنديون والسويديون الذين سعوا الى تحقيق توازن مع المشروع الفرنسي حول الاتحاد من اجل المتوسط.

وقد اقترحت وارسو وستوكهولم تعزيز علاقات الاتحاد الأوروبي مع اوكرانيا ومولدافيا واذربيجان وارمينيا وجورجيا وربما بيلاروسيا، في مجالات مختلفة على غرار مراقبة الحدود او التجارة.