الاتحاد الأوروبي «المحصن» بإمكانياته الاقتصادية الهائلة.. بات في مأزق. والسبب استفتاء فردي صوت من خلاله الايرلنديون بكلمة «لا» لمعاهدة لشبونة، فكانت الكلمة بمثابة رصاصة في بنيان هذا الصرح الذي خاض مسيرة تكامل وتكافل اقتصادي تمتد لأكثر من نصف قرن.

هذا الكيان الأوروبي من المفترض أن أساساته تكتمل بمعاهدة لشبونة. تلك المعاهدة التي توصل اليها أعضاء الاتحاد بعد مفاوضات شاقة العام الماضي والتي تعد بمثابة دستور «مخفف» من القيود والالتزامات التي وردت في الدستور السابق الذي نسفه الفرنسيون والهولنديون من خلال استفتاءين شعبيين عام 2005. لقد بات الاتحاد مهددا في اكمال مسيرته طبقا لما جاءت به تلك المعاهدة. فطالما أنه يجب أن يتم تصديق «كل» الدول الاعضاء بالاتحاد الاوروبي على المعاهدة قبل بدء تفعيلها، فإن الرفض الايرلندي، يعرقل المسيرة رغم أنه موقف فردي عبر عنه الشعب الايرلندي.

ومن جانبها، اقرت الدول الأوروبية بانها غير واثقة من امكانية انقاذ معاهدة لشبونة التي يفترض ان تعزز فاعلية عمل الاتحاد الاوروبي. وأعلن الرئيس التشيكي فاكلاف كلاوس أن معاهدة لشبونة «ماتت» بعد الاستفتاء الايرلندي. وقال وزير الخارجية السلوفيني ديمتري روبل الذي تترأس بلاده الاتحاد الاوروبي حتى الاول من يوليو المقبل، «من المجازفة القول باننا سنحيي المعاهدة في حين اننا امام وضع متعثر».

هذا التشاؤم مرجعه أن معاهدة لشبونة من المفترض أن تدخل حيز التطبيق الفعلي في أول يناير من العام المقبل.الامر الذي لا يترك لايرلندا - كما يقول المراقبون - المزيد من الوقت للحصول على تنازلات وتنظيم استفتاء جديد حتى إذا قررت الحكومة ذلك. كما أنه من المقرر أن تتولى جمهورية التشيك الرئاسة الدورية للاتحاد اعتبارا من أول يناير المقبل.

والمعاهدة مثار جدل شديد هناك الامر الذي يلقي بظلال من الشك حول ما إذا كانت الرئاسة التشيكية ستحصل على التأييد السياسي في الداخل المطلوب لاحياء المعاهدة. يضاف إلى ذلك، تعقد الوضع في بريطانيا بعد قرار المحكمة العليا البريطانية تأخير التصديق على المعاهدة لحين اصدار قرارها الخاص بالطعن المقدم من مواطن بريطاني يطالب باجراء استفتاء شعبي عليها! ولكن هل يعني هذا أن رصاصة أيرلندا المصوبة إلى كيان الاتحاد قاتلة خاصة في ظل غموض الموقف التشيكي والبريطاني؟

بالتأكيد لا.

فقد سبق للاتحاد الاوروبي أن واجه عقبات وعثرات على مدى نصف قرن، كفيلة بنسف وجوده، ومع ذلك تجاوزها بحلول وأفكار جديدة حفاظا على هذا المشروع الأوروبي الكبير الذي انطلق في بادئ الأمر تحت مسمى «السوق الاوروبية المشتركة» حتى وصل إلى مرحلة «ذوبان» الحدود والعملة النقدية بين العديد من أعضائه.

ولعل أصدق تعبير عن الواقع الأوروبي، هو ماقاله وزير الخارجية الفنلندي الكسندر ستوب خلال اجتماع مع نظرائه في الاتحاد الاوروبي في لوكسمبورج، اذ أكد أن المعاهدة لم تمت، وأن الاتحاد الاوروبي في حالة إدارة ازمات مستمرة، فما أن يخرج من أزمة حتى يمر بأخرى وفي النهاية يجد حلا.

لقد مر الاتحاد بالفعل بسلسلة طويلة من الأزمات منذ أن بدأ الاوروبيون يفكرون في صياغة تكامل أوروبي يستهدف سلام واستقرار ورخاء غرب أوروبا. ولذلك فرصاصة ايرلندا ليست أولى الطلقات التي صوبت ضد مشروع الاتحاد، ولن تكون الرصاصة الاخيرة:

- ففي مايو 2005، رفض الشعب الفرنسي مسودة الدستور الاوروبي في استفتاء بعد مصادقة تسع دول عليها.

- وفي الاول من يونيو من العام نفسه رفضها الهولنديون. وسقط بعدها الدستور الأوروبي صريعا. لتأتي بدلا منه معاهدة لشبونة التي باتت هي الاخرى مهددة بفعل الايرلنديين.

- واذا عدنا إلى بدايات المشروع الأوروبي، نجد أنه في اغسطس 1954 فشل مشروع قيام مجموعة الدفاع الاوروبية، اذ لم توقع فرنسا المعاهدة الخاصة بهذا المشروع، وكانت هذه اول ازمة اوروبية. ولم تسجل بوادر سياسة خارجية في مجال الامن والدفاع الا في التسعينات.

- وفي يناير 1963، مارس الرئيس الفرنسي شارل ديغول حق النقض (الفيتو) ضد انضمام بريطانيا، ثم استخدم الفيتو مجددا في نوفمبر 1967. وتأخر انضمام بريطانيا حتى 1973.

- وفي يوليو 1965، اثارت فرنسا ماسميت ازمة «الكرسي الشاغر» برفضها المثول في الهيئات الاوروبية على مدى سبعة اشهر، بعد مواجهة حول تمويل السياسة الزراعية المشتركة.

- وفي نوفمبر 1979، اصرت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر على تخفيض مساهمة بلادها في الميزانية الاوروبية. وبعد ازمة استمرت خمس سنوات، حققت انتصارا كاملا بهذا الصدد في يونيو 1984 في فرنسا.

- ثم حملت التسعينات العديد من الازمات الاخرى. فالدنماركيون رفضوا معاهدة ماستريخت في استفتاء يونيو 1992، وبعد الحصول على امتيازات على صعيد اليورو والدفاع الاوروبي والقضاء والشؤون الداخلية والمواطنية الاوروبية، عادوا وصادقوا عليها بنسبة 8,56% في استفتاء جديد في مايو 1993.

- كما أن بريطانيا وايطاليا علقتا في سبتمبر 1992، مشاركتهما في النظام النقدي الأوروبي. وفي مارس 1999 قدمت المفوضية الأوروبية برئاسة جاك سانتير استقالة جماعية اثر تقرير ندد بمسؤوليتها الكبرى في قضايا فساد.

- وفي ديسمبر 2000، اجتمعت دول الاتحاد ال15 في نيس لتحديد كيفية عمل المؤسسات الأوروبية بعد توسيع الاتحاد إلى 25 في الاول من مايو 2004. والاجتماع لم يسفر سوى اتفاق الحد الادنى.

- وفي يونيو 2001، رفض الايرلنديون معاهدة نيس بنسبة 54%، قبل ان يقروها في اكتوبر 2002 في استفتاء ثان بعد الحصول على ضمانة صريحة بشأن الحفاظ على حياد ايرلندا العسكري.

- وفي مطلع 2003، شهدت اوروبا انقسامات بشأن الازمة العراقية. وفيما عارضت فرنسا وألمانيا عملية عسكرية أميركية في العراق، يوقع قادة ثماني دول هي بريطانيا واسبانيا وايطاليا والبرتغال والدنمارك وبولندا وتشيكيا والمجر رسالة دعم للولايات المتحدة، قبل ان تنضم اليهم فيما بعد دول اخرى من اوروبا الشرقية.

أمر طبيعي أن يكون هناك تباين شعبي ورسمي في المواقف الأوروبية، وإلا ماكان بالامكان أن يتوسع التكتل الاوروبي على مدى خمسة عقود، ليتجاوز أكثر التوقعات جموحا. اذ ضم الآن 27 دولة في عضويته يبلغ تعداد سكانها قرابة500 مليون نسمة بعد أن بدأت العضوية في التكتل بست دول فقط.

الاتحاد الأوروبي بأعضائه الرئيسيين - خاصة ألمانيا وفرنسا التي ستتولى رئاسته بعد يومين- قادر على تجاوز أزماته بحلول ومواقف ومقترحات واتفاقات جديدة معدلة تتلاءم مع كل الأعضاء. خاصة وأنه في ظل الأزمة الحالية، بدا قادة الاتحاد خلال قمتهم متماسكين ومصممين على الوصول إلى أرضية جديدة مشتركة. وهذا ما كشف عنه الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي الذي قال خلال قمة بروكسل، «بعد الرفض الايرلندي لمعاهدة لشبونة، كان من الاهمية بمكان ان نظهر الوحدة والتصميم خلال القمة، وقد حصل ذلك فعلا».

صحيح أن رئاسة فرنسا المقبلة للاتحاد الاوروبي لن تكون سهلة بسبب الازمة حول اقرار معاهدة لشبونة وبسبب التوتر القائم بين باريس والمفوضية، حيث تبادل الطرفان مسؤولية المساهمة في الوصول إلى الرفض الايرلندي، الا أن ساركوزي مصمم على استخدام كل الوسائل الممكنة للخروج من الازمة الحالية خلال فترة الرئاسة الفرنسية الدورية للاتحاد.

معاهدة لشبونة.. بديل الدستور الأوروبي «الصريع»

معاهدة لشبونة.. هي البديل لمسودة الدستور الأوروبي الذي تم التخلي عنه إثر رفضه في استفتائين شعبيين في فرنسا وهولندا عام 2005. وفى مراسم التوقيع عليها في لشبونة في 13 ديسمبر 2007، قال جوزيه سوكراتيس رئيس وزراء البرتغال الذي كانت بلاده تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي «أنها معاهدة للمستقبل، ستجعل أوروبا أكثر حداثة وأكثر كفاءة وأكثر ديمقراطية».

ويرى الخبراء الأوروبيون في المعاهدة.. انها نسخة مخففة من الدستور وبعنوان أكثر تواضعا، ودون أي إشارة إلى رموز الاتحاد الأوروبي كالعلم والنشيد. والهدف منها تفعيل عمل الاتحاد الأوروبي، وتسريع آلية اتخاذ القرار داخله، ومنحه دورا أكثر أهمية في العالم بعد توسعه ليضم 27 دولة كان آخرها رومانيا وبلغاريا عام 2007.

المعاهدة تتضمن تعديلات على مسودة الدستور الذي سقط قبل تنفيذ نصوصه. من هذه التعديلات: استحداث منصب رئيس للمجلس الأوروبي لسنتين ونصف السنة ليحل محل النظام الذي قام على الرئاسة الدورية إذ تتولى كل دولة عضو رئاسة الاتحاد لمدة ستة أشهر ثم تنتقل الرئاسة إلى الدولة التي تليها في الترتيب.

كما استحدث منصب الرئيس الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي، وهوخافير سولانا. وكذلك منصب مفوضة العلاقات الخارجية في الاتحاد، وهي بنيتا فيريرو-وولدنر. والقصد من ذلك دعم وتعزيزنفوذ وتأثير الاتحاد على الساحة الدولية.

كما استحدثت المعاهدة مفوضية أوروبية أصغر حجما تضم مفوضين أقل عددا مقارنة بعدد الدول الأعضاء وذلك بدءا من عام 2014. وتنص أيضا على إعادة توزيع وزن التصويت بين الدول الأعضاء ما بين 2014 و2017 أي اعتماد قاعدة التصويت بالأغلبية المؤهلة.

ولتحسين عملية صنع القرار، تم إدخال نظام الاغلبية المزدوجة في التصويت في مجلس الاتحاد الاوربى، جهاز صنع القرار المؤلف من وزراء الدول الاعضاء.

ويقضى هذا النظام بضرورة موافقة 55 في المئة من الدول الاعضاء يمثلون على الاقل 65 في المائة من سكان الاتحاد على القرارات. وباستثناء مجالات معينة ما زالت تتطلب الاجماع سوف تتقرر السياسات بالاغلبية من خلال نظام التصويت المزدوج، وخصوصا في الشؤون القضائية وشؤون الداخلية. وتلغى المعاهدة حق النقض (الفيتو) في نحو 50 مجالا من مجالات السياسات وتعيد توزيع أوزان التصويت بين الدول الاعضاء.

ولكي تدخل المعاهدة حيز التنفيذ، ينبغي ان تصادق الدول ال27 الاعضاء عليها. وتصبح بالتالي سارية المفعول فور المصادقة عليها رسميا في برلمانات الدول الأعضاء. وإذا وافقت الدول الـ 27 فسوف تحل محل دستور الاتحاد الاوربى الصريع الذى قضى عليه رفض الناخبين الفرنسيين والهولنديين. وكان يفترض أن يبدأ سريان المعاهدة في يناير 2009، ولكن رياح أيرلندا أتت بما لاتشتهي السفن الأوروبية التي تحاول أن تتماسك وتبلغ شاطيء الأمان.

شكوك

رخاء أوروبا تحت الاختبار

في ظل أحلام الأوروبيين من الذين خارج الاتحاد الأوروبي بالحصول على عضويته، يبدو الرخاء داخل هذا الاتحاد مشكوكا فيه بسبب الظروف الاقتصادية المستجدة في أعقاب ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة.

فهناك تباطؤ في الاقتصاد، مصحوب بارتفاع في معدلات التضخم. وهناك مخاوف في المجتمعات الأوروبية بشأن تزايد حالة الغموض الاقتصادي وارتفاع التضخم الذي قلص القدرة الشرائية. ومن المرجح أن يزيد معدل التضخم الألماني من فرص إقدام البنك المركزي الأوروبي على زيادة أسعار الفائدة. وقد يتسبب ذلك في ارتفاع متوسط أسعار المستهلكين في منطقة اليورو إلى حوالي ضعف الحد المستهدف.

على صعيد آخر، يدعو المجلس الأوروبي المفوضية الأوروبية لبحث جدوى الاجراءات الضريبية لتخفيف أثر الزيادات المفاجئة في أسعار النفط. وهناك اقتراحات لاتخاذ اجراءات لرفع المعاناة على القطاعات الاكثر فقرا من السكان بشرط ان تكون قصيرة الاجل وموجهة لقطاعات بعينها. والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من جانبه يقترح فرض حد اقصى على ضريبة المبيعات على البنزين واستخدام حصيلة الضرائب في مساعدة القطاعات الاكثر تضررا .