الأوروبيون يختلفون ولا يختصمون. أما العرب فحين يختلفون، يختصمون ويتصارعون ويتقاتلون. من يتابع كل القمم الأوروبية، وآخرها قمة بروكسل الأخيرة، لن يجد زعيما قد تخلف عن حضورها رغم اختلاف وتباين المواقف والاتجاهات.
ومن يتابع القمم العربية، وآخرها قمة دمشق التي قاطعها المتخاصمون يدرك على الفور الفارق بيننا وبين الأوروبيين. لن نعيد ونزيد في أحوالنا وأوضاعنا، فنحن أمة على يقين بمثالبها وعللها، بل وتتلذذ بجلد ذاتها وكأن في هذه اللذة شفاء من الأوجاع والآلام وترويحا عن النفس والتخلص من ملل الوقت الذي نبدده بحكم أننا أمة لا تنتج ولا تبدع ولا تقرأ.
لا وجه للمقارنة بين تعاملات العرب فيما بينهم وتعاملات الأوروبيين. والحديث الذي نحن بصدده، يتعلق بما آلت إليه منظومة الاتحاد الأوروبي التي تبدو أمامنا الآن متعثرة. والعثرة لا تعني انفراط عقد المنظومة أو تجميد أوضاعها.
فواقع التعامل داخل الاتحاد الأوروبي منذ أن كان كيانا من ست دول في النصف الثاني من خمسينات القرن العشرين، وحتى يومنا (وقد صار 27 دولة)، يؤكد أن الاختلاف في الرأي بين الأوروبيين أو تضارب مصالحهم، لا يعني إهمال علاج العلة في الجسد الأوروبي حتى ولو كان العلاج يتطلب تنازل القادر للمحتاج ومد يد العون له لتجاوز الخلافات.
لقد أصيب الجسد الأوروبي بطلقة رصاص ايرلندية ولكنها لا يمكن أن تقضي عليه.الرصاصة هي ال«لا» التي قالها الشعب الايرلندي لمعاهدة لشبونة. وهي ليست أول رصاصة، فقد تعرض الكيان الأوروبي من قبل لأزمات ولكنه تغلب عليها. ولو كان الأوروبيون يتخاصمون لمجرد الاختلاف ما كان الاتحاد الأوروبي على قيد الحياة.
لو تعاملوا بنفس الطريقة العربية، ما كان الاتحاد الأوروبي أو السوق الأوروبية المشتركة التي تمثل الطابق الأول في الصرح الأوروبي حياً، تماما مثل السوق العربية المشتركة التي لم تر النور منذ أن صدر قرار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بإنشائها عام 1964. مع أن إضاءة شمعة في طريقها كفيلة بأن تنعشها من الظلام.
والشمعة هي إلغاء الحواجز التجارية، فنجاح السوق الأوروبية ـ كما قال أمين عام مجلس الوحدة الاقتصادية العربية دكتور أحمد الجويلي- يرجع لأنها بدأت بمنطقة تجارة حرة، وهو ما يمكن تطبيقه عربيا بعد النجاح في إقناع 17 دولة عربية بإلغاء الجمارك بينها في عام 2005.
معاهدة لشبونة.. لم تمت طبقا لتصريح وزير الخارجية الفنلندي الكسندر ستوب الذي قال إن الاتحاد الأوروبي في حالة إدارة أزمات مستمرة، فما إن يخرج من أزمة حتى يمر بأخرى وفي النهاية يجد حلا. سبق وأن واجه أزمات تمثلت في رفض معاهداته في استفتاءات عامة. وأشهرها استفتائي فرنسا وهولندا عام 2005 اللذين جاءا ب«لا» للدستور الأوروبي السابق الذي جاءت معاهدة لشبونة على أنقاضه.
معاهدات الاتحاد الأوروبي - حسب تعليق لوكالة الأنباء الألمانية- أشبه بقصة «الجمال النائم» الخيالية التي تدور حول أميرة تغط في نوم سحري إلى أن تصحو على قبلة البطل. بالتأكيد لن يطول نوم الأميرة الأوروبية فقبلات الحلول ستنهال عليها لتستيقظ من جديد. ولا عزاء للأميرة العربية التي تجد متعتها في النوم!
حسن صابر