يبدو وضع رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون صعباً، وإن تحت السيطرة، منذ تبوئه رئاسة الوزراء قبل نحو سنة، ولكن درجة الخطر تضاعفت في ضوء انتخابات محلية وأخرى فرعية خلال مايو الماضي وسط تلميحات إلى تنحيه طوعاً أو قسراً.
لكن عضو مجلس العموم البريطاني جون كروغان قال لـ «البيان» في حوار مطول إن غياب البدائل الواضحة والدعم الذي قدمه له وزير الخارجية ديفيد ميليباند، الذي راجت شائعات عن احتمال إطاحته براون، يعطيان براون المزيد من الوقت لترتيب أوضاع الحزب حتى يونيو 2010 موعد الانتخابات العامة. وفي الحوار مع «البيان» تابع كروغان القول إن بداية عهد براون شهدت العديد من الأزمات البيئية والزراعية ما أثر على شعبيته رغم أنه تمكن من اجتيازها، فضلا عن استمرار الأداء الاقتصادي الجيد.
ورأى أن انتخابات 1 مايو كانت بمثابة بروفة لانتخابات 2010 النيابية لكنه بدا متفائلا في تحسن وضع الحزب حتى ذلك الحين.. ومع ذلك رأى «وارداً» أن يُدفع براون نحو ترك رئاسة حزب العمال، وأعطى ثلاثة أسماء لخلافته هم: ديفيد ميليباند، ووزير العدل وزير الخارجية السابق جاك سترو، ووزير الصحة آلن جونسون.
وعن غياب قيادة حزب العمال الحالية عن التدخل في حل مشكلة الشرق الأوسط، قال إن بريطانيا لا تزال تعمل على حل هذا الصراع رغم أن البعض يرى تراجعا في هذا الاهتمام بعد ترك توني بلير السلطة، لكنه رأى أن براون يعمل من وجهة نظر اقتصادية عبر التركيز على دعم الفلسطينيين واقتصادهم، وتوقع أن يحقق بلير نجاحات في مهمته مبعوثا للجنة الرباعية الدولية مع الإدارة الأميركية الجديدة.
في ما يلي نص الحوار:
كيف ترى وضع غوردون براون؟
إنه يناضل منذ تولي الحكم بعد توني بلير قبل تسعة شهور. كانت شعبيته قوية عندما آلت إليه السلطة، ولكنه، ونحن أيضا، واجهنا أزمات عدة منذ الصيف، بدأت بفيضانات ثم تلاها اعتداء إرهابي، ثم أزمة زراعية بعدما تعرضت الماشية البريطانية إلى الحمى القلاعية، ومع ذلك كان أداؤه جيدا وحافظ على شعبيته في استطلاعات الرأي.
ولكن في الخريف حدثت شائعات كثيرة من الفريق المحيط به عن نيته التوجه نحو انتخابات تشريعية مبكرة لأنه لا يستطيع الانتظار حتى العام 2010، غير انه تراجع في اللحظات الأخيرة.
ولكنه انتزع السلطة من بلير مدعوما بشعبية عارمة؟
بالفعل، كانت شعبيته وسمعته مبنيتان على أدائه الاقتصادي في حقيبة وزارة المالية حيث تمتع البريطانيون بعشر سنوات من النمو الاقتصادي. ولكن المشاكل الاقتصادية تدافعت بكثرة خلال الأشهر الماضية، ما جعله ضعيفا في الاستطلاعات، إذ هبطت شعبية حزب العمال من 45 في المئة إلى 25، في مقابل ارتفاع شعبية المحافظين إلى نحو 43 في المئة.
وأرى أن هذا التراجع عائد إلى كون قيادة حزب العمال كانت شراكة بين شخصين ذوي شعبية، وبشكل خاص بلير فهو زعيم ذو كاريزما ولكنهما كانا فريقا جيدا رغم التوتر الحاصل بينهما. ومع ذلك فبلير كان صاحب شخصية كاريزمية، فقبل أسابيع ذهب رئيس الوزراء إلى الولايات المتحدة وكان كثير من الأميركيين لا يعرفون من هو براون بينما لا تجد أميركيا لا يعرف بلير.
ولكن، لا يعني ذلك إن براون لم ينجز شيئا فهناك العديد من الإيجابيات، فالاقتصاد لا يزال ينمو وأرقام قطاع العمل مشجعة مقارنة بما يجري في الولايات المتحدة، فالبريطانيون لم يفقدوا منازلهم كما حدث مع كثير من الأميركيين. وإذا استمر الأداء الاقتصادي في الثبات ولم يتراجع فقد يساعد ذلك في دعم شعبية براون وحزب العمال.
صراع على الزعامة؟
في ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة.. هل نتوقع تغييرا في هيكل حزب العمال مثل تنحي براون؟
هذا الاحتمال وارد لكنه قد يكون بعيداً في الوقت الحاضر رغم الشائعات العديدة.
هل من أسماء مطروحة لخلافته؟
هناك وزير الخارجية ديفيد ميليباند، ووزير العدل جاك سترو، ووزير الصحة آلن جونسون الذي يتمتع بخبرة في اتحاد العمال ويرى كثير من البريطانيين أنه قادر على منافسة زعيم المحافظين ديفيد كاميرون الذي يقترب من القاعدة المركزية لجمهور حزب المحافظين وأرى أنه يستنسخ خطى بلير.
أنا كنائب عمالي لا أستسلم بسهولة، ولكن الحزب أيام بلير كان يحظى بشعبية 50 إلى 55 في المئة أما الآن فنحن خلف حزب العمال وبفارق كبير وأرى من الصعب أن نزيل هذه الفجوة بسرعة.
ما المطلوب عمله؟
رئيس الوزراء له الحق في البقاء في المنصب حتى العام 2010. ومع غياب البدائل الواضحة يبدو أنه باق حتى موعد الانتخابات العامة. وحتى ذلك الحين أتوقع أن يعمل على تحقيق بعض التحسن في الأداء الحكومي، مثل العمل على تغيير وزاري يجلب من خلالها عدداً من الوزراء الشباب، ربما من فريق توني بلير، واقتناص أي خطأ قد يقع فيه المحافظون.
والمهم في الوقت الراهن هو تحقيق تحسن في الوضع الاقتصادي مع الغلاء الذي يعاني منه البريطانيون في أسعار المواد الغذائية وفي أسعار الوقود. ويبدو أن هاجس المنافسة على زعامة الحزب تراجع بعدما أعلن ديفيد ميليباند قبل أيام دعمه الكامل لبراون قاطعاً الطريق على شائعات كثيرة في هذا الشأن.
ماذا عن انتخابات 2010.. هل ستعيد المحافظين إلى الحكم؟
أعتقد أنه حتى ذلك الوقت سيكون حزبنا تعافى قليلا وسنحقق نتائج جيدة، ولكن أعتقد أن لا العمال ولا المحافظين سيحرز الأغلبية المطلوبة لتولي الحكم منفردا، وأتوقع حكومة ائتلافية بيننا وبين الحزب الليبرالي الديمقراطي.
اهتمام سياسي
ماذا عن الشأن السياسي العالمي، والصراع العربي الإسرائيلي على سبيل المثال، أرى أن بلير أكثر انغماسا في المسألة من براون؟
بسبب هذه المشاكل في الوطن، يتراءى للعالم أن بريطانيا لا تلعب دورا في مسألة الشرق الوسط، أو أن غوردون براون بعيد عن المسألة وليس مثل توني بلير. ولكن هذا الأمر ليس دقيقا.. فبراون بخلفيته الاقتصادية يعمل على دعم عملية السلام بطريقة جديدة.. ففي الصيف الماضي كان هناك مؤتمر للمانحين برعاية بريطانية، وهناك دعم اقتصادي ومالي مستمر للسلطة الفلسطينية، ولكنه في الشأن السياسي يبدو حذراً وليس منغمساً.
هل تتوقع أن ينجح بلير في مهمته مبعوثا للجنة الرباعية الدولية؟ فبعد 10 شهور من عمله نرى النتائج متواضعة؟
بلير نجم سياسي وله سجل ممتاز في إحراز السلام في إيرلندا الشمالية، وهو يدرك جيدا طبيعة هذا الملف وميزان القوى فيه، ولكن الأمر ليس منوطا به بل بالظروف، وأعتقد أنه إذا كانت الظروف مواتية وجيدة يمكن أن يقوم بدور جيد إذا كانت الإدارة الأميركية جادة في إحراز سلام. أعتقد أن هذا الأمر ممكن تحقيقه مع الإدارة الأميركية المقبلة وبخاصة إذا كانت ديمقراطية.
كنت معه عندما قام بأول زيارة له إلى فلسطين وكنت أتخيل أن نجد رد فعل سلبيا أو عدائيا نحو السياسة البريطانية ولكنني صدمت لحجم التفاؤل الذي وجدته من قبل الفلسطينيين تجاه ما يمكن أن يقدمه بلير. ولكن ما لم يتغير الموقف الأميركي فإن ما يمكن أن يحققه يبقى ضئيلاً.
اهتمام باليورو
رأى جون كروغان أن بريطانيا ستنضم إلى العملة الأوروبية الموحدة «في يوم ما».وقال إنه «للمرة الأولى منذ انطلاق اليورو يبدو الذهن البريطاني مشغولا في الأمر، فاليورو قوي والإسترليني يتراجع. وعندما يسافر البريطانيون إلى الخارج سياحا يرون أن أداء عملتهم ليست كما يريدون».
ويضيف: «بحسب علمي كان بلير يدعم الانضمام إلى العملة الأوروبية، ولكن الرأي الشعبي حينها كان معارضا، فالناس كانت قلقة من خسارة رمز وطني هو الجنيه، ومن سيطرة أوروبية على الاقتصاد البريطاني».
وعلى العموم، العمال منقسمون حيال هذا الأمر بينما المحافظون يعارضون التخلي عن الجنيه.. ويقول كروغان إنه في ضوء هذا الوضع «لا يزال أمام البريطانيين الكثير من الوقت حتى الانضمام» إلى اليورو.
اولويات
سألت «البيان» النائب البريطاني عن أولويات البريطانيين، فقال إنهما أمران.الأول الاقتصاد فـ «هناك قلق من زيادة الصعوبات في الرهن والاقتراض». والثاني هو الهجرة.لكن كروغان نفى أن يكون هذا الموقف نابعاً من عنصرية.
لكنه يقول إن هناك الكثير من المهاجرين من بلدان أوروبا الشرقية دخلوا في سوق العمل البريطاني، وهو ما يرى فيه وجهان: اقتصاد لندن سينهار بدون الأيدي العاملة المهاجرة، وآلاف الأيدي العاملة البريطانية الضعيفة المهددة بالبطالة.
دبي ـ نضال حمدان

