الوضع الذي يعيشه رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون يشبه وضع طائر الغراب الذي حاول تقليد مشية البطة.. فهو كان وزير خزانة ناجحاً حقق لبريطانيا ولحزب العمال سمعة اقتصادية لا تجارى، ما عزز في مخيلته طموح الزعامة وحدا به إلى دفع توني بلير إلى التنحي.

حزب العمال حقق مع بلير العديد من الانتصارات التي أبقته في الحكم 11 سنة عبر الفوز في جولتين انتخابيتين وهي مدة قياسية للحزب.. لكن يبدو أن طريق براون للتحقيق الفوز الثالث غير معبد سوى بالأشواك والعثرات. بعد أيام يكمل براون عامه الأول في سدة الحكم وهو عام صعب بكل المقاييس، ويبدو أن لسان حاله يقول أين أنت يا توني؟.. توني الذي عمل على إطاحته من رئاسة الوزراء وهو في ذروة شعبيته.

تراكم الأزمات، وبعضها حزبي، وبعضها سياسي محلي، وكثير منها خارج عن السيطرة والحيلة، جعل أيام براون حالكة وعرقلة خطط الإصلاح التي كان يعد لتنفيذها عندما خاض المنافسة ضد صديق دربه توني بلير.

وبينما يؤخذ عليه تغييبه الدبلوماسية البريطانية عن المنطقة خلال العام المنصرم، إلا انه يسجل له نظرته الجديدة للوضع الفلسطيني بعيداً عن المبادرات السياسية التي تسقط دائماً ضحية الممانعة الأميركية والصلف الإسرائيلي.. فهو نحا نحو تعزيز الشق الاقتصادي، عبر دعم الفلسطينيين اقتصادياً.

وفي هذا الصدد نقل عنه القلق من تصاعد نسبة البطالة في الأراضي الفلسطينية لذا كان دعمه كبيراً لمؤتمر المانحين في وهو يقول في هذا الصدد إن «المنطقة بحاجة أن تشهد نمواً بنسبة 10 في المئة كل عام ولسنوات عدة مقبلة إذا أراد العالم أن يساعد الفلسطينيين على التغلب على مشكلتي البطالة والفقر».

وجهة نظر تستحق التقدير تستحق التقدير إذ تحمل نظرة براغماتية للواقع الفلسطيني الذي يئن حالياً من حصار خانق.. فضلاً عن معرفته بأن المشكلة في فلسطين، وإن كانت المملكة المتحدة السبب في خلقها، والحلول المفترضة لها تدور في فلك الولايات المتحدة، فبلير غاص حتى أذنيه خلال السنوات العشر من حكمه في ملف التسوية ولكن النتيجة كانت صفراً، فبعد أي تقدم بخطوة يكون التراجع خطوتين.. واحدة من أميركا والثانية من إسرائيل.

المهم أن براون، طوعاً أو قسراً، بفعل الضغوط الداخلية التي تدافعت في وجهه بات بعيداً عن دائرة القضايا الدولية الشائكة.. سعياً منه للتفرغ لاقتلاع الأشواك الداخلية التي تهدد تاريخه السياسي الممتد على مدى أربعة عقود وإنجازاته الاقتصادية التي تتعرض لطعنات متتابعة من الغلاء الذي قد يثير الناخبين البريطانيين ضده.

وهو ما ظهر جلياً في نتائج الانتخابات المالية وبعدها الانتخابات التكميلية في مقاطعة كرو والتي فرضت عليه أجندة تتطلب تحركاً فعالاً وبسرعة لملمة وضعه الحزبي حتى لا يدخل التاريخ هذه المرة من باب حمل لقب: رئيس الوزراء الذي خلع بعد عام على توليه السلطة.

nidal@albayan.ae

نضال حمدان