شهدت مدن مغاربية في الأسابيع الأخيرة وفي تطورات متزامنة سلسلة من الاحتجاجات خرجت فيها جموع غاضبة غالبيتها من الشباب لتصب جام غضبها على السياسات الحكومية التي تتهمها بتهميشهم.

المشهد نفسه تكرر في كل من سيدي إفني المغربية والرديف التونسية ووهران الجزائرية، الصدامات مع السلطات الأمنية أسفرت في المدن الثلاث عن عدد من الضحايا بين قتلى وجرحى، حاولت وسائل الإعلام المحلية التقليل من شأنها، فيما أجمعت البيانات الحكومية في العواصم الثلاث على عزلة هذه الحالات وعدم بلوغها مرحلة الظاهرة ولتعيد العواصم التأكيد على عودة الهدوء إلى نفوس الغاضبين بسبب وعود بحل مشكلاتهم. هذه الحالة المغاربية لا يمكن عزلها عما يشهده العالم اليوم من أزمة في الغذاء وأزمات اقتصادية متلاحقة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة.

إلا أنها في المغرب العربي تتخذ بعدا تصعيديا خطيرا، فهذه الشعوب لم يعرف عنها خروجها لمواجهة السلطات إلا نادرا وفي أحلك مراحلها التاريخية رغم شراستها في مواجهة المستعمر الفرنسي. والسلطات في المغرب العربي كثيرا ما تسارع وعلى طريقة رجال الإطفاء المهرة في تطويق النيران قبل انتشارها وخروجها عن نطاق السيطرة وهذا ما حصل فعلا في هذه الاحتجاجات وإن بثمن بلغ الدم في الرديف ووهران وسيدي إفني، لكن الضغط العالي الذي تقع تحته حكومات المنطقة والمرتبط بواقعها الاقتصادي والاجتماعي كفيل بقرع أجراس الإنذار لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في المرحلة المقبلة.

ففي المغرب تحولت الاحتجاجات الشعبية إلى أنشطة منتظمة يختلف إيقاعها بين مدينة وأخرى فيما تتوحد عناوين مطالبها وهي توفير فرص العمل والتنمية العادلة لمختلف المناطق، ففي المغرب لم تتمكن الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد المغربي من القضاء على البطالة أو على الأقل حصرها في أضيق نطاق.

فالإحصائيات تشير إلى وقوع نحو سدس السكان تحت خط الفقر وهو ما يعادل نحو خمسة ملايين مغربي وبرغم ما يوصف في المغرب بالنمو الاقتصادي التصاعدي إلا أن الحكومة لم تتمكن سوى من توفير نحو مليون ومئتي ألف فرصة عمل على مدى السنوات الخمس الأخيرة من مجموع سكان يتجاوز الثلاثين مليون نسمة.

وهو ما جعل معدل البطالة الرسمي يبلغ مستوى 6. 9%، ليجد الآلاف من الشباب المغربي وغالبيتهم من المناطق الريفية أنفسهم عاطلين عن العمل ورصيدا وافرا للجماعات المتشددة ولعصابات الهجرة السرية كما يشمل عدد العاطلين عشرات الآلاف من خريجي الجامعات الذين خرجوا إلى الشوارع في التظاهرات الأخيرة مطالبين بتحسين الأوضاع المعيشية.

وعلى اثر الأحداث التي شهدتها سيدي إفني قررت السلطات المغربية على اثرها تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في هذه المحافظة الجنوبية للمغرب، والتي انطلقت شرارتها بداية الشهر الحالي لتتحول وفي نسق متسارع إلى عاصفة من الاحتجاجات الصاخبة التي واجهتها قوات الأمن بالقوة مما أثار حفيظة المدافعين عن حقوق الإنسان وجعل من من سيدي إفني موضوعا إعلاميا.

وقد بلغت الأحداث ذروتها بتجمع المحتجين من الشباب في ميناء المحافظة الذي يكاد يكون مصدر الدخل الوحيد للمئات من سكانها لتدفع السلطات المغربية بنحو 4000 من قوات الأمن لتفريق المعتصمين بالميناء وهو الأمر الذي نتج عنه وقوع إصابات بالغة في صفوف المحتجين المطالبين بتوفير فرص عمل.

وقد تحولت المدينة بمختلف أحيائها إلى ما يشبه حالة الطوارئ بسبب كثافة الوجود الأمني ومطاردة المساهمين في هذه الاحتجاجات فيما تتحدث مصادر إعلامية مغربية عن لجوء ثمانين شخصا إلى الغابات والجبال المجاورة وتحدثت صحف مغربية عن وقوع ضحايا من الجانبين حيت سجلت إصابة قرابة 20 رجل أمن إصاباتهم خفيفة وقد نقلوا على إثرها إلى المستشفى المحلي لتلقي العلاج، واعتقال اكثر من 75 شخصا.

هذه الحصيلة المأسوية للأحداث في سيدي إفني كشفت الستار عن تململ في صفوف الشباب المغربي بسبب ما يعانيه من مشكلات يرى المتابعون للشأن المغربي ان الحكومات المتعاقبة لم تولها ما تستحق من عناية.

لم تنته المشكلة في المغرب عند سيدي إفني التي تحولت إلى رمز للاحتجاج لكون الغاضبين فيها قد عبروا عن واقع مغربي وخرجوا إلى الشوارع بالنيابة عن الآلاف من الشباب المحرومين الذين وضعهم الواقع لاجتماعي والاقتصادي مجبرين بين سندان الهجرة السرية إلى أوروبا في قوارب الموت، أو الوقوف في طوابير العاطلين الطويلة التي لم تعد الحكومة قادرة على إيقاف زيادتها.

والواقع أن سيدي إفني بأحداثها تؤشر وفق تعليقات الصحف المغربية عن صيف ساخن قد يشهد المزيد من الاحتجاجات إذا ما لم يتم تطويق الأزمات المتلاحقة بحلول تخفف من حدة احتقان الشبان الغاضبين.

تطلق عبارة الحوض المنجمي في تونس على عدد من المناطق تشمل مدنا وبلدات تقع في محافظة قفصة الجنوبية الغربية، وهي المناطق المعروفة بمناجم الفوسفات وبصناعة تحويله، وقد قامت مدن مثل أم العرائس والرديف والمظيلة والمتلوي منذ الاستقلال كامتداد للمصانع والشركات العاملة في تحويل الصناعات المنجمية.

لكن الزيادة السكانية في هذه المناطق وعدم وجود فرص جديدة أو مشاريع استثمارية لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الشباب العاطل عن العمل بما في ذلك أصحاب الشهادات الجامعية حرك جموع الغاضبين للخروج على السلطات المحلية مطالبين بتحسين أوضاعهم المعيشية وتوفير فرص العمل.

وعلى امتداد أربعة أشهر حاولت كل من السلطات والمتظاهرين انتهاج سياسة ضبط النفس حتى انفجار الأوضاع نتيجة لجوء بعض الغاضبين إلى العنف وفق صحف رسمية تونسية وهو ما أدى إلى سقوط عدد من الجرحى وقتيل واحد على الأقل.

ورغم التحرك الميداني السريع للسلطات التونسية لتطويق شرارة الحوض المنجمي وذلك بقرار الرئيس التونسي عزل عدد من المسؤولين المحليين المعنيين بملف التنمية في هذه المناطق فإن أحداث الرديف أو الحوض المنجمي.

قد تم استغلالها مثل أحداث سيدي إفني من قبل الأطراف السياسية الأخرى التي ترى فيها فشلا لسياسات الحكومية وهو ما تنفيه كل من الرباط وتونس التي سارعت أحزابها السياسية المعترف بها إلى التنديد بما شهده الحوض المنجمي من أحداث استخدم فيها العنف وهو ما يعد سابقة خطيرة في تونس.

وإذا كانت أحداث سيدي إفني في المغرب والحوض المنجمي في تونس قد سيطرت عليها السلطات التي أعادت الهدوء إلى هذه المناطق ببسط سلطة الدولة وهيبتها، فإن المعضلة الحقيقية تكمن في إسكات الغاضبين بتلبية بعض مطالبهم المشروعة التي تتركز أساسا حول توفير فرص العمل.

وإذا كانت أحداث الحوض المنجمي في تونس أو سيدي إفني في المغرب حالات معزولة وفق الروايات الرسمية، فإن موريتانيا الجارة الجنوبية للمغرب وعضو الاتحاد المغاربي الذي يضم تونس والجزائر وليبيا أيضا شهدت الصيف الماضي سلسلة من الأحداث الدامية بسبب ارتفاع الأسعار أسفرت في جنوب شرق البلاد عن مقتل متظاهر وجرح عدد آخر من المتظاهرين في مواجهات مع قوات الأمن في كونكاسا (700 كلم جنوب شرق نواكشوط).

وهو ما يعني أن تشابها كبيرا في انتفاضة المدن الجنوبية بالمغرب العربي فجميع الحركات الاحتجاجية وقعت في مناطق جنوبية محرومة هي في الغالب تعاني التهميش منذ عقود وفي الحالات الثلاث سقوط قتلى وجرحى غالبيتهم من الشباب الغاضب والمتمرد على القوانين بسبب الأحوال المعيشية.

ليس الجنوب المغاربي هو من يعيش حالة الغضب فعديد العواصم والمدن الواقعة جغرافيا فيما يعرف بالجنوب كشفت حركات الاحتجاج فيها عن خلل في التنمية لطالما عانى منه الجنوب. الذي تحول مع نذر الجوع التي يحملها الواقع الاقتصادي الجديد إلى مارد بدا في التململ داخل قمقمه محذرا من مخاطر الخروج في ثورات لا تبقي ولا تذر.

أجواء حرية

اعتبر رئيس الوزراء المغربي عباس الفاسي، الاحتجاجات التي شهدها ميناء سيدي أفني الواقع في جنوب البلاد، مجرد مطالب تدل على أن المغرب يعيش أجواء الحرية. ووفقا لنائب محلي فإن الأحداث بدأت يوم 30 مايو، بعد إعلان نتيجة مسابقة لتوظيف ثلاثة أشخاص، وبعد إجراء عملية القرعة، توجه 120 شابا وحاصروا ميناء صيد السمك، معطلين العمل فيه، مما استدعى تدخل قوات الأمن.

وذكر شهود عيان وفق ما نقله موقع اذاعة هولندا العالمية على الانترنت فان حوالي 44 شخصا جرحوا من بينهم 27 شرطيا في تلك الاحداث، كما أوقفت السلطات حوالي 20 شابا عاطلا عن العمل كانوا يمنعون الشاحنات المعبأة بالسمك من مغادرة الميناء، بعد أسبوع من الحصار الذي فرضه المتظاهرون على الميناء. واشار الموقع إلى ان المتظاهرين اشتكوا من البطالة، ومن إهمال مناطقهم،، وخاصة أنهم كانوا يأملون أن تتحول أفني إلى محافظة وهو ما لم يحدث.

احتجاجات شعبية

تحولت أعمال الشغب التي تشهدها مدينة وهران الجزائرية على مدى ثلاثة أيام بسبب هبوط نادي مولودية وهران لكرة القدم لدوري الدرجة الثانية إلى احتجاجات شعبية بسبب ارتفاع الأسعار والبطالة، بحسب صحف جزائرية.

وأطلقت قوات الأمن الجزائرية الغاز المسيل للدموع على مثيري الشغب الذين رجموهم بالحجارة، فيما نهب عشرات الشبان المتاجر وأشعلوا النار في القمامة بالشوارع الرئيسية.واعتبر سكان أن هذه الأعمال هي أسوأ اضطرابات عامة منذ سنوات في المدينة الهادئة المطلة على البحر المتوسط، والتي يبلغ تعداد سكانها مليون نسمة.

وكان السبب الفوري للاحتجاجات هو الغضب الشعبي من هبوط فريق كرة القدم مولودية وهران إلى دوري الدرجة الثانية في الجزائر، لكن بعض معلقي الصحف قالوا إن السبب الحقيقي هو الاستياء المتزايد بشأن البطالة ونقص الإسكان وما يصفه بعض النقاد بأنه نخبة سياسية تفتقر للحساسية وفق موقع اسلام اون لاين.