رغم كون نصف البشرية يعيش في أرياف العالم ليعمل مجتمعاً على توفير الغذاء لنصف أهل المدن، إلا أن ما كشف عنه روبرت زوليك رئيس مجموعة البنك الدولي من شأنه أن ينبه لواقع مفزع، فوفق زوليك «من بين كل أربعة فقراء في البلدان النامية يعيش ثلاثة في مناطق ريفية.

ويعتمد معظمهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الزراعة لكسب عيشهم». ورغم هذا الضنك الذي عليه نصف البشرية فإنها لم تعد قادرة على توفير الكفاف لها وهو المأمول دوما من أنماط زراعية صغرى، ولا على ملء سلة المتمدنين بما يتيح لهم تصنيف أطباق طعام حتى الإشباع.

والقضية وفق البنك الدولي أعقد من مجرد تشخيصها على هذا النحو، فالنقص الغذائي الذي بات حقيقة لا تنكرها الحكومات هذه المرة ولا المؤسسات الدولية بات ينبئ بكارثة تتعدى المدى الإنساني كما كان دوما حينما كانت قوافل الإمدادات الإنسانية هي التي تتصدى في حملات متكررة لإطعام الجائعين حول العالم، فلا الغذاء اليوم كاف ولا الأفواه التي عرفت تقليديا الجوع تسلم من منافسة جائعين جدد بدأوا في قرع الأطباق الفارغة في شوارع العالم.

وإذا كانت صور الجياع الغاضبين التي تنقلها وسائل الإعلام بين الحين والآخر، ارتبطت نمطيا بدول فقيرة كثيرا ما اشتكت من ضيق الحال وقلة الغذاء، فإن تمدد ثورة الأطباق الفارغة لتشمل دولا عربية عدة، من شأنه أن يدفع بأصحاب القرار السياسي إلى إعادة صياغة مفهوم جديد للأمن الغذائي وفق الواقع الجديد الذي يشهده العالم، مع مراعاة تلازم الأمن الشامل بأمن البطون.

وما شهدته مدن مغاربية مؤخرا في الجزائر وفي المغرب وفي تونس من مواجهات بين محتجين غاضبين وقوات الأمن إضافة إلى حركة تململ واسعة في مدن أخرى واتساع رقعة الشكاوى لتطال أيضاً المزارعين والمنتجين للغذاء والموزعين له، اتسع الرقع في هذه القضية على كل راتق.

لكن دولا خليجية عدة تنبهت لهذا الأمر فمن الإمارات التي اتجه عدد من مستثمريها إلى دول عرفت تقليديا بانتاجاتها الزراعية لاستغلال مزارع هناك إلى البحرين التي اتجهت إلى الفلبين لإنتاج أرز لشعبها وليبيا التي اختارت الاتجاه إلى أوكرانيا لزراعة قمح يكفي أفواه الليبيين إلى السعودية التي سارعت نحو دول عربية وإفريقية كمصر وإثيوبيا والسودان لاستثمار موارد هذه الدول الطبيعية.

خطوة قد تكون متأخرة نسبيا لكنها ستعود حتما بمنافع متعددة على الطرفين إذا ما تم اعتماد التقنيات الحديثة في الزراعة، ولعل تجربة دول أوروبية في شمال إفريقيا من شأنها أن تكون نموذجا صالحا للاقتداء، فأوروبا التي لا ينقصها الغذاء تستثمر آلاف الهكتارات في تونس والمغرب لإنتاج مواد غذائية عالية الجودة تستثمر فيها مؤسسات أوروبية الملايين مستفيدة من اليد العاملة الرخيصة ومن الأرض الخصبة والموارد المائية.

فيما ينقل الإنتاج بكامله إلى الموائد الأوروبية، ودول الخليج إذا ما تنبهت لهذه الإمكانات الزراعية الهائلة في كل من تونس والجزائر والمغرب من شأنها أن تحقق مكاسب مزدوجة تتجاوز في أبعادها الأمن الغذائي الخليجي إلى الأمن الشامل لعدد من الأقطار المغاربية التي تحتاج اليوم إلى استثمارات ضخمة تسكت أفواه الغاضبين وتملأ أطباقهم بالكسب الحلال بدل قرعها في الشوارع أو الوقوف في طوابير المؤسسات الإنسانية.

محمد الهادي الحناشي