في مثل هذا اليوم من العام 1945 وقف الرئيس الأميركي هاري ترومان، ليخطب في الوفود التي وقعت مسودة ميثاق الأمم المتحدة بأن «على الجميع المحافظة على العالم خالياً من خوف الحرب». ما حدث بعدها يشير إلى غير ما ذهبت إليه الغاية من تأسيس المنظمة الدولية: منظومة أوسع للأمن.

كان العالم حينها لم يخرج بعد من صدمة الحرب العالمية الثانية التي غيرت المشهد الجيوسياسي العالمي برمته، وتكلفت أكثر من 61 مليون قتيل في أوروبا وآسيا وشمال إفريقيا. وبدأت فكرة إقامة المنظمة الجديدة في خضم الحرب العالمية الثانية، حين التقى قادة الحلفاء على فكرة إنشاء المنظمة المختصة بحفظ السلام والأمن. وتمثلت البدايات في توقيع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل على ميثاق الأطلسي الداعي إلى «منظومة دائمة وأوسع للأمن العام». وكان الميثاق أول بيان صريح بأهداف فترة ما بعد الحرب. وقد ورد فيه أن تشرشل وروزفلت دعوا إلى «إنشاء منظومة أوسع وأدوم للأمن العام».واستخدم مصطلح «الأمم المتحدة» الذي ابتكره الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت لأول مرة 1 يناير 1942. وبعد أقل من شهر على الهجوم على «بيرل هاربر» الذي جعل الولايات المتحدة تدخل الحرب العالمية الثانية، وقعت الدول الست والعشرون المحاربة لألمانيا واليابان وإيطاليا «إعلان الأمم المتحدة» الذي توسع في مبادئ الأمن العام المقررة في ميثاق الأطلسي، وتعهدوا فيه بمواصلة القتال سويا ضد قوات المحور.

وفي العام 1944 انعقد مؤتمر «دومبارتون أوكس» الذي وضع قاعدة الأمم المتحدة المقبلة، حيث دعا الرئيس الأميركي روزفلت «الشرطيين الأربعة» ـ الاتحاد السوفييتي والصين والمملكة المتحدة والولايات المتحدة (وفيما بعد فرنسا) ـ إلى وضع أول مخطط حقيقي لأمم متحدة عاملة.

وتم التخطيط لإنشاء مجلس أمن من عشرة أعضاء متغيرين وخمسة دائمين معهم سلطة حق النقض «الفيتو»، يعهد إليه مسؤولية المهام الخاصة بحفظ السلام والسماح له باستخدام أي وسائل ضرورية لوقف أي اعتداء. وتم التوقيع على الميثاق في العام 1945 في مؤتمر سان فرانسيسكو، ورغم الاتفاق بشأن معظم القضايا الحاسمة في التمهيد لهذا المؤتمر، إلا أن الأمر استغرق شهرين لصياغة مسودة الميثاق.

ووقعت وفود 50 دولة على ميثاق الأمم المتحدة يوم 26 يونيو وخطب الرئيس الأميركي هاري ترومان في الوفود بأن عليهم المحافظة على العالم «خاليا من خوف الحرب». وأصبحت الأمم المتحدة رسمية يوم 24 أكتوبر عندما تم إقرار الميثاق بعد مصادقة الدول العظمى الخمس ـ الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي والمملكة المتحدة والصين وفرنسا ـ وأغلبية الحضور الآخرين في المؤتمر.

وكانت الولايات المتحدة أول دولة تصادق على الوثيقة يوم 8 أغسطس. وتم تسمية تريغيف لي النرويجي ليصبح أول أمين عام للأمم المتحدة التي تبنت أول قراراتها في 24 يناير ركزت فيه على الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية وإزالة الأسلحة الذرية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى.

تمثلت مهمة الأمم المتحدة الرئيسة في توفير سبل المساعدة على حل النزاعات الدولية وصياغة السياسات المتعلقة بالمسائل التي تمس الجميع، وتشكل مركزاً لحل المشاكل التي تواجه البشرية جمعاء. وتتكون الأمم المتحدة من ستة أجهزة رئيسية تقع مقار خمسة منها في المقر الرئيسي للأمم المتحدة بنيويورك، وهي الجمعية العامة ومجلس الأمن والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ومجلس الوصاية والأمانة العامة.

أما مقر الجهاز السادس وهو محكمة العدل الدولية، فيقع في لاهاي بهولندا. ومنذ تأسيسها واجهت الأمم المتحدة قضايا شائكة في السياسة العالمية كانت في مقدمتها القضية الفلسطينية التي كان شعبها يناضل للتخلص من الانتداب البريطاني ومواجهة تهويد أرضه، وأصدرت الأمم المتحدة في العام 1947 قرار تقسيم فلسطين الشهير 181 إلى دولة عربية مستقلة وأخرى يهودية وتعيين القدس مدينة دولية.

إلا أن القرار ذهب أدراج الرياح بعد إنهاء بريطانيا انتدابها على فلسطين في 14 مايو 1948 حيث قامت إسرائيل بطرد السكان الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، واحتلال الأراضي التي كانت مخصصة لهم ضمن قرار التقسيم لتبقي لهم الضفة الغربية وقطاع غزة. وبعد إقرار الهدنة بين العرب وإسرائيل قامت الأمم المتحدة بإنشاء هيئة مراقبة الهدنة، عام 1948 لمراقبة السلام في فلسطين.

وأصدرت القرار 194 الذي ينص على ضرورة تعويض وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الأراضي التي هجروا منها، إلا أن الهدنة بين كل من الأردن ولبنان ومصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، لم تؤد إلى اتفاقات سلام كما كانت تسعى الأمم المتحدة آنذاك.

ومنذ ذلك التاريخ ستتوالى الكثير من القرارات التي ستصدرها الأمم المتحدة ومجلس الأمن ضد إسرائيل دون أن تستطيع فرضها أو تحقيق أي منها لتبقى مجرد حبر على ورق، وربما كان أهمها القرارين 242 والقرار 338.

وشهد العام 1950 التدخل العسكري الأول للأمم المتحدة في النزاعات الدولية، إذ صوت مجلس الأمن الدولي بغياب الاتحاد السوفييتي، وبضغط أميركي على قيام الدول الأعضاء بالأمم المتحدة بالوقوف مع كوريا الجنوبية ضد كوريا الشمالية. وتم تعيين الجنرال دوغلاس مكارثر رئيسا لقيادة الأمم المتحدة للقوات الأميركية ومجموعات صغيرة من القوات البريطانية والكندية والأسترالية والتركية. وانتهت الحرب بعد ثلاثة أعوام بمقتل الملايين وتقسيم شبه الجزيرة الكورية.

وفي العام 1956 صوتت الجلسة الطارئة الأولى للأمم المتحدة التي عقدت لبحث أزمة السويس لصالح إنشاء أول قوة حفظ سلام تابعة للمنظمة الدولية، وبعد عشرة أيام تم إنزال ستة آلاف عسكري في مصر لمراقبة الحدود المصرية مع إسرائيل والإشراف على انسحاب القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية.

لكن دور الأمم المتحدة في ذلك الوقت ظل محل تجاذبات كبيرة بين معسكري الحرب الباردة، وربما كانت أكثر اللحظات تعبيراً عن الصراع الذي شهدته أروقة المنظمة الدولية في ذلك التاريخ هو قيام الرئيس السوفييتي نيكيتا خورتشوف في العام 1960 بالضرب بحذائه بقوة على طاولته في مقر الأمم المتحدة مهددا المندوب الأميركي «سندفنكم».

وكان من المفارقات في ذلك التاريخ أن الجمعية العامة للأمم المتحدة لم تكن اعترفت بعد بالنظام الشيوعي لجمهورية الصين الشعبية. إذ تدبرت الولايات المتحدة أمر إبقاء الصين الشيوعية خارج مظلة الأمم المتحدة لمدة 22 عاما باعترافها بحكومة تشيانغ كاي شيك المنفية في تايوان.

عام 1974 خطت المنظمة خطوة كبيرة لصالح القضية الفلسطينية إذ اعترفت الجمعية العامة بمنظمة التحرير الفلسطينية «الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني». وبعده بعام أقرت المنظمة قراراً يعلن أن «الصهيونية شكل من أشكال العنصرية».

وظلت تحالفات الحرب الباردة تلقي بظلالها على كافة مؤسسات الأمم المتحدة حتى انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، والذي تزامن مع احتلال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين للكويت، ما شكل فرصة للولايات المتحدة الأميركية لتترأس التحالف الدولي الذي فوضته الأمم المتحدة بإنهاء الغزو.

وأثبتت التجربة منذ ذاك الحين وحتى اليوم أنه بعكس ما كان متوقعاً من تحسن دور الأمم المتحدة بعد انتهاء التعددية القطبية في تسوية النزاعات العالمية والسعي باتجاه عالم أكثر تقدماً وحرية، وبرغم ما سمي ب«بيان الألفية» ومساعي إصلاح المؤسسة الدولية خلال عهد الأمين العام السابق كوفي عنان، فإن الزعامة الأميركية استمرت في فرض أجنداتها على المنظمة الدولية، ضاربة بعرض الحائط بكل قرارات الشرعية الدولية، وكان أكبر مثال على ذلك قرارها اجتياح العراق رغم معارضة المنظومة الدولية.

ولعل المأزق الأميركي في العراق وأفغانستان قد ساهم في إرجاع أركان البيت الأبيض إلى مقاعد الجمعية العامة ومجلس الأمن في الآونة الأخيرة، لكن تجربة الأمم المتحدة منذ توقيع ميثاقها قبل 63 عاماً تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن نجاحها في تحقيق أهدافها لا يمكن أن تتحقق بدون تعددية قطبية تمنع استئثار جهة بعينها في القرار العالمي، خصوصاً وأن تعدد الأزمات على اتساع الخارطة العالمية ينذر بانفجارات قد لا يعود في الإمكان لملمتها.

دبي ـ فراس كيلاني