«محمد الدّرة حي؟»، هكذا عنونت مجلة «فوكوس» الألمانية الأسبوعية، مقالها المنشور في عددها الصادر في 2 يونيو 2008.. بعد مرور ما يقارب الثماني سنوات على جريمة قتله في 30 سبتمبر 2000 في غزة. أربع صفحات كاملة ومصوّرة أفردتها «فوكوس» لموضوع محمد الدرة، مرفقة بخرائط هندسية لموقع الحادث، والطوابع البريدية التي حملت صورته.
بالإضافة إلى غير ذلك من ملصقات وحتى أفلام الكرتون والقصص الأدبية والأغاني التي جعلت من الشهيد محمد الدرة رمزاً لمعاناة الشعب الفلسطيني وصورة عن أسباب كفاحه.. وصولاً إلى بن لادن الذي لم يتأخر عن الإدلاء بصوته في هذا السياق قائلاً: «دمه لن يذهب هدراً». ترمي الصحيفة من وراء هذه المشاهد والدراسات الجنائية إلى القول بأن الصورة ملفقة، وقد تم استغلالها لتلطيخ سمعة إسرائيل والحط من صورة جيشها.
تستند «فوكوس» في مقالها بشكل أساسي على دراسة نفّذها خبير فيزيائي في علم الجنائيات ينطلق من فرضية رئيسية مفادها أنه لم يكن بإمكان الجنود الإسرائيليين من الموقع الذي كانوا متواجدين فيه أن يصيبوا محمد الدرة، وأن النيران كانت تُطلق أيضاً من مركز تابع للسلطة الفلسطينية في تلك النقطة.
سبع سنوات كاملة أمضاها ناعوم شاحاف في العمل على هذه الفرضية، وقد جمع خلال عمله هذا عشرات الأدلة والمعطيات التي خلص في نتيجتها إلى تأكيد نظريته. يُذكر أنه كان قد سبق لشاحاف أن شكك في شريط الفيديو الذي يصور اغتيال رابين.
كادت فرضية شاحاف عن قصة الدرة أن تخفت لولا أن مواقع إعلامية راحت تتبناها وتشير إليها، وخاصة بعدما بثت قناة ARD الألمانية في العام 2002 فيلماً وثائقياً لأستير شابيرا بعنوان «ثلاث طلقات وطفل ميت»، يتبنى فرضية شاحاف. في الواقع، هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها التطرق إلى موضوع محمد الدرة في الإعلام الألماني والغربي عموماً، إذ إن هذه القضية تتفاعل يومياً وحالياً.
وقد صدر العديد من الكتب والمقالات حولها، ولعل أكثرها إثارة لها، تجلت في رفع فيليب كارسنتي مدير شركة «ميديا رايتينغز» دعوى ضد قناة «فرانس 2» كونها القناة التي بثت الشريط المصور لمشهد إصابة الدرة ومقتله، للمرة الأولى، معتمدة على مصورها الفلسطيني طلال أبو رحمة وقد طالبتها المحكمة الفرنسية بعرض الشريط كاملاً ومدته 27 دقيقة.
وتبلغ مدة المقطع الذي بثته القناة وتناقلته وسائل إعلامية عالمية كثيرة حوالي الدقيقتين. في هذه الأثناء، كانت منظمات يهودية أميركية وأوروبية قد طالبت بأن تقوم المحطة الفرنسية بعرض 45 دقيقة من الفيلم الخام للحادث. لكن المحكمة لم تشاهد سوى 18 دقيقة من الشريط، إذ قال المعنيون في القناة إن الدقائق الأخرى أتلفت لأنها لم تكن تتعلق بمشهد مقتل الدرة.
وقد بيّن الشريط، بالإضافة إلى المشاهد التي عُرضت على الشاشات، مشهد رشق الحجارة وإطلاق الرصاص المطاطي ثم الحي، وينتهي الشريط بصورة الفتى جثة هامدة. لكن المشهد الأخير من الشريط يبين محمد الدرة رافعاً يده وينظر إلى الكاميرا، ما دفع بكارسنتي إلى القول بأن الشريط مفبرك.
ولم تنته فصول القضية عند هذا الحد، إذ ذهب باتريك ميزونوف محامي كارسانتي إلى القول إنه لا يوجد أي دليل على أن الطفل قد قُتل.. على الرغم من أن المشهد لا ينفي في الواقع أن الفتى توفي في تلك الأثناء. ولاحقاً، وجه مدير الإعلام في الحكومة الإسرائلية الاتهام مجدداً إلى «فرانس 2» بأنها قد فبركت المشاهد.
تصاعد الموقف المنزعج من هذه الصور مؤخراً (في مطلع شهر مايو الفائت) في إسرائيل، حيث عُرضت هذه القضية للمرة الأولى أمام محكمة إسرائيلية. وطالب مكتب المحاماة الإسرائيلي القومي المتطرف «شورات هادين» المحكمة العليا الإسرائيلية بسحب بطاقات اعتماد مراسلي القناة الفرنسية.
عشرات بل مئات المحمد الدرة والأصغر منه سناً قتلوا في الساحة الفلسطينية، وليست قصة هذا الفتى الشهيد وحيدة أو استثنائية إلا بكونها صورة «لايف»، أي وثيقة. ثم إن هذه المشاهد بُثت من قبل تلفزيون أوروبي (حكومي)، وتناقلتها وسائل إعلامية أخرى عبر العالم، أي أنها نجحت في اختراق الساحة الإعلامية الغربية.
ولا يجد المرء تفسيراَ أبلغ لهذا الاهتمام المتزايد والمحموم من قول بعض نشطاء إسرائيل أنفسهم في الغرب إن فيلم مقتل الدرة يُعدُّ واحداً من أكبر الضربات الإعلامية التي تلقتها الدولة العبرية على الإطلاق في تاريخ احتلالها الأراضي العربية. ويسعى هؤلاء بكل جهد وحماس إلى تغيير هذا الواقع ورفع هذا الفيلم من السجلات التاريخية الدولية.
برلين ـ ناجي طاهر
