حذّر متخصصون عراقيون من موجة جفاف جراء انخفاض مناسيب المياه القادمة إلى البلاد عبر نهري دجلة والفرات، مشيرين إلى تأثير الأمر سلبيا على المساحات الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء. وأكد هؤلاء أعلى سوء استخدام المياه في مختلف المجالات، بالرغم من ندرتها وشدة الحاجة إليها، مشيرين إلى أن هناك هدرا كبيرا فيها. ودعوا إلى إيقاف العمل بنظام الري السطحي للمزروعات، كون النتيجة ستؤدي إلى أرض غير صالحة للزراعة، بسبب تشبعها بالمياه والملوحة.

وقال الباحث الزراعي والأستاذ في كلية الزراعة قيس فاضل «لاشك أن الإدراك المبكر لأهمية المياه ومعرفة طبيعة الصراع المقبل حولها، سيؤثران على العراق،إذا ما أتقنّا الاستعداد بكثير من الجهد والتضحيات لتأمين مستقبل معقول.. ومن المهم هنا أن نقر حقيقة بديهية وهي أن هناك علاقة مباشرة بين الأمن الغذائي في العراق ومسألة تأمين مصادر المياه».

وأضاف «أن فهم الأمن على أنه موضوع الدفاع العسكري داخليا وخارجيا هو فهم سطحي، لأن الأمن العسكري هو وجه ضيق لمسألة الأمن الكبرى، ألا وهي الغذاء». وقال«لو أخذنا مسألة الأمن الغذائي كمحدد لفهم مستقبل العراق في ظل أزمة المياه لوجدنا أن الأمر مفزع، ذلك أن من يمتلك غذاءه يمتلك القرار».

وأوضح فاضل ان المسألة الغذائية تفجر بالضرورة مسألة الماء، لأنه العنصر الأساس للزراعة، القادرة بدورها على سد تلك الفجوة الغذائية، وبالطبع لا تقتصر أهميته على مسألة الزراعة، فهو ضروري للتصنيع، فضلا على أهميته لتلبية الاستهلاكات البشرية المباشرة من مياه شرب وغسل وغيرها.

وقال عضو معهد دراسات الاقتصاد إحدى منظمات المجتمع المدني فيصل الكناني «رغم أن المياه تغطي أكثر من ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، وان لدى العراق نهرين كبيرين، إلا أن الصالح من مياههما للاستخدام يبقى قليلاً مع تزايد الحاجة، وظهور أزمة الجفاف». وشدد على ضرورة أن يراعى التوجه نحو تشجيع الزراعات التي لا تستهلك كميات ضخمة من المياه، إذا ما علم أن المياه ستظل حكومية، ولا يمكن خصخصتها.

وأشار الكناني إلى هدر كبير في استهلاك مياه الشرب وقال «حسب ما تشير الإحصائيات فإن معدل استهلاك الفرد ارتفع إلى أكثر من 300 لتر في اليوم، في حين أن المعدلات العالمية 200 لتر في اليوم، ويرجع ذلك إلى عدم وجود ضوابط لعملية استهلاك المياه، حيث نرى غسل السيارات في الشوارع والساحات، إضافة إلى عطل معظم حنفيات المياه في البيوت وتسرب الماء الصافي بشكل مستمر، وهي ظواهر على الجهات المسؤولة ان تحد منها عبر سن قوانين وعقوبات ضد المبذرين لهذه الثروة».

أما المهندسة الزراعية كريمة محفوظ فقالت «لقد غدا موضوع المياه مرشحاً لإشعال الحروب في منطقة الشرق الأوسط وفقاً لتحليل دوائر سياسية عالمية، خاصة ان أغلب الأقطار العربية لا تملك السيطرة الكاملة على منابع مياهها، فتركيا تتحكم بحوالي 70 بالمئة من منابع الموارد المائية للعراق، ويدور الحديث الآن حول ارتباط السلام في الشرق الأوسط بالمياه».

وأشارت محفوظ إلى أن بعض الدول أخذت تتبنى اقتراحاً خطيراً للغاية يتمثل في محاولات إقناع المجتمع الدولي بتطبيق اقتراح تسعير المياه، وبالتالي بيع المياه الدولية. وحذرت من تبني بعض المنظمات الدولية «كالبنك الدولي ومنظمة ألفا» لتلك الاقتراحات «متناسين حقيقة الارتباط الوثيق بين الأمن المائي والأمن الغذائي».

وتابعت من «هنا تكمن أهمية مسالة ترشيد الاستهلاك، وضرورة سعي الحكومة العراقية إلى حملة وطنية كبرى لتوعية المزارع والمواطن وكل عراقي من اجل عدم تبذير المياه، والتأكيد على أن هذا الماء الواصل إلى البيت معقم غير ملوث، وهو نعمة عظيمة لا يمكن الحفاظ عليها إلا بالترشيد والتقنين المثالي.