ليست التهدئة مع إسرائيل في قطاع غزة قرارا سياسيا أو أمنيا بالمعنى الحرفي للكلمة لا في الجانب الفلسطيني ولا في الجانب الإسرائيلي. فقرار التهدئة جاء، وربما للمرة الأولى في تاريخ الصراع، في ظل انقسام حاد في صفوف صناع القرار في الجانبين.
وإذا كان الانقسام واضحا بين سلطة حماس في غزة وسلطة عباس في رام الله بل وبين «حماس» وباقي الفصائل في القطاع نفسه، فإن الانقسام الإسرائيلي ليس على هذه الدرجة من الوضوح رغم شدته. في تلك الأثناء أظهرت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية حقيقة مرعبة يعيشها المناخ الإسرائيلي من السلام خلصت إلى أن «الجهاد الفلسطيني» يؤتي ثماره، كما أن مستقبل إسرائيل سيكون مظلما إذا ما وجدت سوريا على حدودها في الجولان وبحيرة طبريا. وهناك انقسام بين المستويين السياسي والعسكري الإسرائيلي وداخل كل منهما بشأن التهدئة. والأمر لا يتعلق فقط بخلافات في الرؤية وإنما بمنطلقات مختلفة وأهداف مختلفة. فالجيش الذي لم يستنفد بعد استيعاب الدروس والعبر التي استخلصها من حرب لبنان الثانية يريد خطوات أشد حذرا في الميدان.
والأهم أنه يرى أن الصراع بوجهه العسكري مع الفلسطينيين بات يدور في حلقة مفرغة. بل ثمة في قيادة الجيش من يرون أن سياسة «كي الوعي الفلسطيني والعربي» التي أعلنها رئيس الأركان الأسبق موشيه يعلون أدت إلى نتائج عكسية وخلقت جيلا أشد تطرفا.
وعدا ذلك فإن الجيش لا يخفي حقيقة أنه لا يزال يعمل من أجل استرداد ثقته بنفسه في مواجهة محاربين يسعون إلى حتفهم بأقدامهم. ولا ريب أن هناك أيضا في صفوف قيادة الجيش من يرى أن كل فعل عنفي إسرائيلي في قطاع غزة صار يلامس جريمة الحرب في عالم أشد وعيا لذلك من أي وقت مضى.
وفي المستوى السياسي لم يكن هناك انقسام أشد وضوحا من ذاك الذي أشهره وزير الدفاع ايهود باراك بإعلانه أن اعتبارات انتخابية في قيادة حزب «كاديما» هي التي حالت في حينه دون إبرام التهدئة. ورأى آخرون أن مثل هذا الاتفاق مع «حماس» ينطوي على خيانة للفريق الفلسطيني المعتدل الذي يؤمن بالمفاوضات مع إسرائيل مما يطلق رسالة بأن إسرائيل لا تفهم سوى لغة القوة.
ومع ذلك كان جليا أن قسما من اليمين الإسرائيلي في «الليكود» واليمين المتطرف ناهض العملية العسكرية في غزة خشية أن تشكل خشبة خلاص لأولمرت وحكومته من الأزمة الحالية. بل ان البعض في الاتحاد القومي ذهب إلى حد اعتبار أن عملية عسكرية كبيرة في غزة هي لخدمة المصالح الأميركية وقوى الاعتدال العربية أكثر مما هي لخدمة إسرائيل ومصالحها.
وفي المستوى النظري اختلفت الآراء بين من يرون أن التهدئة قوضت مفاهيم قدرة الردع الإسرائيلية وبين من رأوا أنها حالت دون المزيد من هذا التقويض. ويرى الأولون أنه كان أحرى بالجيش الإسرائيلي استخدام قدراته للضغط العنيف على حركة حماس لدفعها لاستجداء التهدئة.
ويرى الآخرون أن التهدئة حالت دون انزلاق الجيش الإسرائيلي نحو اختبار قوة في غزة لن يخرج منه منتصرا في أي حال سواء سيطر على القطاع بأسره أو لم يسيطر. وهم يعتقدون أن مجرد العودة لاحتلال القطاع أو أجزاء كبيرة منه تعني العودة للسقوط في دائرة مجهولة العواقب.
وبين هؤلاء وأولئك هناك الجمهور الإسرائيلي الذي يبدي بشكل متزايد تخبطا بين التطرف والاعتدال. فهو من جهة يرحب بالحرب على غزة ويرى أن التهدئة هشة وأنها لن تدوم طويلا ولكنه بالمقابل لا يثق بالقيادة السياسية في أي قرار تتخذه بهذا الشأن ولم يعد مطلق الثقة بقدرات الجيش بعد حرب لبنان الثانية وبالتالي يتفهم التهدئة.
وفي خضم هذا التخبط تبرز حالة والد الجندي الأسير لدى حركة «حماس» غلعاد شليت الذي يريد التهدئة مع الفلسطينيين شرط أن تقود إلى الإفراج عن ابنه. وعندما لم يتحقق هذا الشرط رأى أنه تعرض لخديعة كبرى من جانب الحكومة وبالتالي سمح لنفسه بالادعاء على الدولة أمام المحكمة العليا ضد التهدئة أو ضد تخفيف الحصار وفتح المعابر تدريجيا.
وأمام هذا الانقسام ليس صدفة أن القرار الإسرائيلي بقبول التهدئة تضمن في الوقت نفسه قرارا بالاستعداد للحرب. وقد يرى البعض أن قرار الاستعداد للحرب هو مجرد تهدئة للمعارضين للاتفاق تشير إليهم بوجوب انتظار تطورات أو ظروف أخرى يمكن للعمل العسكري أن يخرج إلى حيز التنفيذ. بل إن الحجة الأساسية لإيهود باراك الذي قاد دعاة التهدئة هي توفير المشروعية الإقليمية والدولية للمعركة المقبلة ضد حماس في غزة.
ولا ريب أن عوامل إفشال التهدئة كثيرة وبينها ذلك الفصل التعسفي بين الضفة والقطاع فيها. فمن غير المنطقي افتراض أن الأحداث الكبيرة التي يمكن أن تقع في الضفة الغربية ستمر مرور الكرام في غزة. وقد أعلنت عدة فصائل فلسطينية أنها لن تصبر طويلا على أفعال إسرائيلية حادة في الضفة الغربية.
كما أنه يصعب على حدث كبير تقدم عليه فصائل فلسطينية في الضفة أو انطلاقا منها أن لا يدفع مسؤولين إسرائيليين للمطالبة برد في غزة. وفي كل الأحوال فإن التهدئة الحالية ذات طبيعة مؤقتة قد تطول أو تقصر بمقدار استمرار أزمة أي من الطرفين.
وكتبت صحيفة «معاريف» تصف رعبا إسرائيليا من السلام « )..( في هذه الأيام حيث تحوم فوق رؤوسنا أرواح المفاوضات السلمية مع سوريا، وإمكانية أن يدشدش السوريون أرجلهم في بحيرة طبرية وان يستردوا هضبة الجولان وهناك تهدئة مع حماس فإن الشعور هو أننا لسنا ذاهبين في الحقيقة إلى فترة هدوء أو سلام مع أعدائنا، وإنما نحو فترة يبدو أن ما يستتر خلفها أشد إثارة للخوف من الفترة التي سبقت اتفاق التهدئة.
ومن الوجهة الظاهرية، ووفقا لثقافة السلام، فإن أحدا لا يكسب أو يخسر من التهدئة. فهناك ببساطة وقف إطلاق نار بين الطرفين المتنازعين، في حين أن الهدنة تتضمن إلى جانب وقف النار تسوية للنزاع أو تقدما جوهريا في المفاوضات.
ونحن نعيش دركا لا يذكرنا ب«التهدئة» ولا ب«الهدنة» بسبب أن المكسب الوحيد منها هو ل«حماس». فهل أن الجيش الأقوى في الشرق الأوسط بحاجة إلى وقف النار لكسب الهدوء لنصف عام؟ وها نحن اليوم نجد أنفسنا خلف مفاوضات مثيرة مع «حماس» أفلحوا في نهايتها في أن يثبتوا لنا أنهم أقوى في إدارة المخاطر.
فعدم إدراج شليت في اتفاق التهدئة كما وعد رئيس الحكومة إيهود أولمرت والد شليت مع إزالة الحصار عن غزة يشهد على تصاعد قوة «حماس»، مقابل المحاولة الفاشلة من جانب إسرائيل في تقليص قوته مما يعني أن «الجهاد الفلسطيني» مجز.
وكل يوم يبقى فيه شليت في الأسر يذهب محاربو الجيش الإسرائيلي إلى النوم بشعور أنهم سيتعرضون للاختطاف وستجري مفاوضات من أجل الإفراج عنهم تستغرق أكثر من عامين. ألا يمس هذا بصورة الجيش في نظر المنظمات الإرهابية والدول العربية؟ فالأمر ينطوي على سلسلة إخفاقات في طريقة اتخاذ القرارات والأفعال بشأن الجندي المختطف.
واعترف مصدر أمني كبير مؤخرا بأن جهاز «الشاباك» لا يعرف حتى اليوم أين يتواجد شليت كما أن من المشكوك فيه أن تنفذ عملية عسكرية لإنقاذه إذا كان يعرف. وإذا كنا نظن أن المفاوضات العنيدة معدة من أجل إيصال رسالة «بأننا متصلبون ولا نساوم» بغية تجنب دفع ثمن باهظ حاليا ومن أجل منع الاختطاف المقبل، فإن هذا يمثل في الواقع القائم خطأ جسيما.
فالاختطافات كانت وسوف تكون لأنها تعتبر إحدى الأدوات الهامة لدى المنظمات الإرهابية. ومقاتلو حرب العصابات يؤثرون عبر خطوات تكتيكية. ولهذا السبب سوف نجد أنفسنا لاحقا أمام أحداث مشابهة لاختطافات وليس فقط من الحدود الفلسطينية وإنما كذلك من حدود لبنان.
رؤية متطرف
مأزق الهدنة والصفقة
أكد نائب رئيس الوزراء ووزير المواصلات الإسرائيلي شاؤول موفاز، ان الهدنة التي بلورها وزير الدفاع ايهود باراك مع حركة «حماس»، هي «اتفاق استسلام» كامل لـ «حماس»، من جهته يعيش باراك مأزق تحرير أسرى أحياء مقابل جثث.
ويعتقد موفاز ان الطريقة التي عالج فيها باراك المسائل الأمنية في ضوء صواريخ «القسام» والقصف على بلدات الجنوب «قضمت بشكل كامل قدرة الردع لإسرائيل». وبزعمه، كان محظورا الاستجابة للاقتراحات التي بلورها المصريون لأن مثل هذا الاتفاق سيسمح ل«حماس» بمواصلة التعاظم وتطوير الصواريخ التي تحتفظ بها.
في نهاية المطاف، يدعي موفاز ان الجيش الإسرائيلي سيكون مطالبا في ظروف أكثر صعوبة بالدخول إلى قطاع غزة. من جهته يعتقد باراك أن تحرير مخربين أحياء مقابل جثث إسرائيليين هي «اشكالية وصعبة» من شأنها أن تخلق سابقة سلبية وخطيرة ناحية إسرائيل.
وهو مقتنع أنه اذا تبين أن (الجنديين الإسرائيليين الأسيرين لدى حزب الله) الداد ريغف وايهود غولدفاسر ليسا على قيد الحياة - فإن تحرير الأسير اللبناني سمير القنطار ومخربين أحياء مقابل جثث، «له آثار هامة يجب فحصها بشكل معمق».
ويجري باراك محادثات مغلقة وحميمة مع رجال الأمن، حول آثار الصفقة على أمن إسرائيل. وسيكون يوم الأربعاء المقبل يوما حرجا لعائلات الجنديين المخطوفين في لبنان حيث يفترض بالمجلس الوزاري السياسي ـ الأمني أن يصادق على صفقة تبادل الأسرى التي تحققت مع حزب الله من خلال المبعوث الخاص لرئيس الوزراء عوفر ديكل.
طبيعة مجتمع
«الحرب» هي الأمل الكبير
«مصيبة كبيرة حلت على إسرائيل: الهدوء دخل حيز التنفيذ»، هذه أنباء جيدة، تبعث على الأمل، استقبلت هنا بتجهم وبكآبة أقرب إلى العداء. سياسيون وقادة عسكريون ومحللون تحالفوا كعادتهم معا لتسويق وقف إطلاق النار باعتباره تطورا سلبيا، وخطرا وكارثيا.
اندلاع الحرب يستقبل هنا بتعاطف وتفهم اكبر. هذا ان لم نقل حماسا اكبر. وبما لا يقارن مع وقف إطلاق النار. عندما تحشد القوات للمعركة وتدق طبول الحرب المتناغمة في صفوفنا لا نسمع الا نداءات التشجيع اما عندما تسمع صافرة التهدئة نصبح كلنا قلقين. هذا يدل شيئا ما على طبع هذا المجتمع المرضي: الهدوء هو قاذورات أما الحرب فهي الأمل الكبير.
ليس واضحا بالمرة لماذا يعتبر التوصل إلى التهدئة في غزة من دون الضفة انجازا إسرائيليا. انها مصيبة. فلا يمكن للغزاويين ان يصمتوا إزاء أعمال العنف التي تنفذها إسرائيل في الضفة، المعارضة للتهدئة في الضفة تشير مرة أخرى إلى أن إسرائيل لا تفهم الا لغة القوة: هي ستوافق على التهدئة في الضفة فقط بعد أن تطلق الصواريخ منها أيضا.
ما هي الرسالة التي تطلق من خلال ذلك للفلسطينيين الذين يرغبون بالتهدئة في الضفة أيضاً؟ هيا أطلقوا صواريخ «القسام». اننا أمام صورة إسرائيل وما تؤمن به. رد الفعل الإسرائيلي السلبي على التهدئة يثير شكوكا ثقيلة مرة أخرى: ربما لا ترغب إسرائيل بالسلام في الواقع؟.
بيروت ـ حلمي موسى - (ينشر بالتزامن مع صحيفة «السفير» )

