يمثل هذا الكتاب الذي صدر أوائل الشهر الجاري صدمة كبيرة للإدارة الأميركية والرئيس بوش على وجه الخصوص.

وتنبع أهميته من أنه يعتبر بمثابة شهادة من داخل البيت الأبيض تكشف تفاصيل ما جرى في مرحلة من أخطر المراحل في تاريخ الولايات المتحدة والنظام الدولي بأسره ومثلت تحولات كبيرة اعتبر البعض أن من أهم ملامحها الانفراد الأميركي بإدارة دفة الأمور الدولية الأمر الذي انعكس في تطويع إرادة الأمم المتحدة لقبول مشروع غزو العراق. هنا يكشف لنا سكوت ماكليلان المتحدث السابق باسم البيت الأبيض من منطلق معايشته لتطورات تلك الفترة الكثير من الجوانب التي قد تبدو خفية على القارئ ويعرض لنا الكثير من تفاصيل العمليات التي دارت في كواليس البيت الأبيض وقادها بشكل أساسي صقور البيت الأبيض وعلى رأسهم تشيني الذي يصفه المؤلف بالساحر، على نحو جرت معه الأمور بما يصفه المؤلف بنشر «ثقافة الخداع» سواء على مستوى الداخل أو الخارج.

والخلاصة التي يؤكد عليها المؤلف هي أنه إذا كانت الحرب يجب أن تشن عندما تكون ضرورية فإن الحرب على العراق لم تكن كذلك، وهو ما يعني بالنسبة له أن تلك الحرب إنما كانت بأي الأحوال خطأ استراتيجيا. من تفاصيل الإيقاع بالعراق في إطار الإستراتيجية الأميركية من خلال أدلة مزورة بدعوى امتلاكه أسلحة دمار شامل، ينقلنا المؤلف بعد ذلك إلى سرد تفاصيل أخرى تتعلق بما يمكن اعتباره غوصاً في المستنقع العراقي، وهو ما أكد دعاوى الديمقراطيين الذين انتقدوا إدارة بوش بأنه إذا كان قد أعد خطة حرب بشأن العراق، فإن أحد أخطاء هذه الخطة أنها لم تعد أخرى للخروج أو تحقيق سلام هناك إثر الغزو.

على طريق الخوض في هذه الجوانب يسرد لنا المؤلف اللحظات العصيبة التي عاشها كل من في البيت الأبيض خلال فرز الأصوات ضمن عمليات التصويت خلال انتخابات الدورة الثانية للرئيس بوش، منتهيا إلى أن الرئيس إثر تيقنه من الفوز بدأ يعد للمرحلة الجديدة .ؤكداً أن النجاح إنما جاء حصادا لما تم خلال فترة الرئاسة الأولى داعيا مسؤوليه ومستشاريه إلى البناء على ما جرى إنجازه على صعيد التقدم الاقتصادي والإصلاح الضريبي وتعزيز الأمن الاجتماعي واستمرارية تحسين وضع المدارس العامة. كما راح الرئيس يؤكد على الالتزام بتحقيق الديمقراطية في العراق وأفغانستان، ومواصلة الحرب على الإرهاب.

بوش وتغيير العالم

ثم تحولت المناقشات إلى قضية العراق حيث أخذ باول يؤكد على احتلالها أولوية في فكر الإدارة، وضرورة إخماد التمرد هناك وبخاصة في المثلث السني.

ومن واقع ما يتطرق إليه ماكليلان نلمس تأكيد الرئيس على فكرة تغيير العراق للأوضاع في العالم بعد أن كان يؤكد على أنه مفتاح التغيير في المنطقة، وبغض النظر عن مرور المؤلف مرور الكرام على التعليقات التي تصدر عن بوش في هذا الخصوص فإنها في أي الأحوال تؤكد الأطروحة الأساسية التي يبني عليها كتابه

والتي تعتبر في حكم الحقيقة بالنسبة للكثيرين وهى أن غزو العراق كان مشروعا أبعد ما يكون عن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وأنه ارتبط بأهداف أميركية بحتة تتعلق بصياغة النظام الدولي وفق رؤيتها الخاصة التي تعكسها الإدارة اليمينية المتشددة في البيت الأبيض.

المهم يشير المؤلف إلى اعتراف بوش بالصعوبة التي تواجه تحقيق الأهداف الأميركية في العراق. وفي تأكيد على ذلك تطرق حديثه بحضور رامسفيلد وباول إلى الأوضاع هناك والمقاومة الضارية الحاصلة هناك خاصة في منطقة الفلوجة حيث يتسبب الإرهابيون والمتمردون ـ حسب توصيف ماكليلان ـ في حالة من الفوضى هناك. كما أكد على أهمية الانتخابات المقبلة التي كان من المقرر إجراؤها في يناير 2005.

قطار الديمقراطية المتعطل

وفي عبارات من تلك التي يتم تسويقها للرأي العام لكي يتقبل مسيرة الأوضاع في العراق، راح الرئيس يؤكد على أهمية الانتخابات قائلاً: إنها تفرض على الشعب العراقي الاختيار بين إما أن يفوتها قطار الديمقراطية، وإما أن تلحق به.

وهنا ذكر بوش أنه هاتف القادة العراقيين الياور وعلاوي بشأن نتائج الانتخابات الأميركية وإنهم أبتهجوا بأخبار انتصار بوش، فراح رامسفيلد يقول له: لقد كانوا من الممكن أن يكونوا «توست» خبزاً محمصاً ـ بمعنى التعرض لنار الانتقادات واحتمال خطر الإزاحة ـ لو خسرت؟

وأجاب بوش: «توست» فرنسي. لينفجر الضحك في الغرفة. وقد لا يحتاج الموقف إلى تعليق لجهة إشارته إلى مدى اعتماد النظام القائم في العراق على وضع الإدارة الأميركية وأنه لم يكن يعكس تأييدا شعبيا، وهو ما يمكن القول بمعنى آخر أنه نظام كان مفروضا على العراقيين.

وفي سياق تناوله لقضية العراق في فكر بوش، يقدم المؤلف تفاصيل لرؤيته تثير الدهشة والتساؤل، فيذكر أن خطبة النصر التي كان قد ألقاها بوش إثر فوزه في الانتخابات، وكذلك لقاءه بالوزراء في إدارته كشفت عن سياساته على نحو كبير.

المهم أن ما يحرك بوش، حسب ماكليلان، هو الدفع بأفكاره قدما إلى الأمام وأن يترك بصمته على التاريخ، في ضوء ما كان يراه من أن فوزه في الانتخابات أضفى المزيد من الشرعية على سياسات فترته الأولى، بما في ذلك قراره بغزو العراق، وأنه يمثل تفويضا له، بصياغة أجندة الفترة الثانية وفق ما يراه دون قيود. لقد كان بوش الذي يعتقد أنه حقق انتصارا غير مسبوق، يتصور أنه يمكن أن يفعل ما يتصور وجوب القيام به.

وفي إشارة إلى سيطرة قضية العراق والأوضاع هناك على اهتمام الإدارة خلال الفترة الثانية يشير المؤلف إلى حرص الرئيس في مؤتمر صحفي بعد الفوز على عرض وجهة نظره وأن المسألة لا تعدو أن تكون مسألة وقت حيث ستترسخ الديمقراطية في العراق

وحينئذ سيتقدم العراقيون لتولي زمام الأمور في بلدهم والإشراف على مهام أمنهم الخاص، ووقتها سيتم تخفيض حجم القوات الأميركية مع التأكيد على أن انتخابات يناير تعد خطوة على هذا الطريق.

وحسب بوش: سوف نعمل مع حكومة علاوى من أجل إنجاز هدفنا ووضع البلاد على طريق الاستقرار من خلال الانتخابات وسنواصل تدريب القوات وسنوفر لقادتنا العسكريين ما يتطلب الموقف من أجل إكمال مهمتهم هناك.

انتقادات مرفوضة

في معرض الإشارة إلى إدراك الإدارة الأميركية لحجم الانتقادات التي تواجهها بسبب ورطتها في العراق، يصف المؤلف رؤية بوش بشأن العراق وتغيير الأوضاع في الشرق الأوسط بأنها كانت مثالية

ويعرض لجوانب من دفاع بوش عن هذه الرؤية في مؤتمر صحافي له قائلاً: يوجد اتجاه في العالم من قبل البعض يرى أن جهودنا من أجل تعزيز وإيجاد مجتمعات حرة في أجزاء محددة من العالم إنما يعتبر تضييع وقت.

إنني أستمع باهتمام إلى هذا الانتقاد، وأنا أختلف بشدة مع أولئك الذين لا يرون أنه من الحكمة محاولة إيجاد مجتمعات حرة حول العالم، وأرى أنه إذا كنا مهتمين بحماية بلدنا على المدى الطويل فإن أفضل طريق لذلك هو تعزيز الحرية والديمقراطية في مختلف أنحاء العالم.

لم تفارق القضية العراقية بوش حتى خلال فترة استجمامه في كامب ديفيد للراحة من عناء مرحلة الانتخابات، وهنا وإزاء تدهور الأوضاع هناك عقد اجتماعا مع القادة الميدانيين هناك من خلال «الفيديو كونفرانس».

تركز النقاش حول الفلوجة وتصاعد عمليات المقاومة هناك وكان «قرار» بوش أنه يجب إلحاق الهزيمة بالمقاومين قبل الانتخابات المقبلة ـ 2005 ـ حيث بدأت عمليات قصف وحشية من خلال ضربات جوية من أجل السيطرة على الأوضاع في المدينة.

غير أن المشكلة، حسبما يصف ماكليلان، أن الأمر تحول على نحو بدا غير متصور، فما ان يتم إخماد عمليات مقاومة هنا حتى تندلع في منطقة أخرى مثل مدينة الموصل، وأصبح ذلك مثيرا للارتباك في الجانب الأميركي.

التضحية بباول

من روايته لبعض كواليس الأحداث التي جرت خلال عمله سكرتيرا صحافيا في البيت الأبيض يعرج المؤلف على تقديم رؤاه بشأن الأشخاص المحوريين وهنا فإنه يذكر أن بوش يتصف بطابع أقرب إلى الأسرية في علاقاته الرئاسية فهو لا يحب التغيير بالنسبة للأعضاء الأساسيين في إدارته الذين يثق بهم ويعتمد عليهم.

ورغم ذلك يعرب ماكليلان عن رأيه بأن ذلك قد يكون نقطة ضعف في بعض الأحيان خاصة على صعيد بقاء عدد من الشخصيات التي كان من المفترض أن ترحل. وقد شذ عن هذه القاعدة موقف بوش من كولين باول وزير الخارجية آنذاك، والذي كان الرئيس يرى أنه ليس في حاجة إليه في ضوء كونه يمثل صوت الاعتدال التي تتعارض مع رؤى الصقور مثل تشيني ورامسفيلد.

ومن بوش إلى رايس والتي يصب المؤلف جام انتقاده عليها مشيرا إلى سعيها للحلول محل باول، ومن خلال توصيفاته لا بد أن ينتابك أحد شعورين إما الإعجاب أو المقت، فهي تعرف كيف تتكيف مع كافة الظروف وكيف تخرج من أحلكها كما «الشعرة من العجين»

ما يقول المثل.. لقد كان جانب من فريق الإدارة يرى أن رايس ستضع الخارجية على نفس المسار الذي تتبعه الإدارة سواء كانت تتفق معها أم لا، وذلك في ضوء اختلاف توجهاتها خلال فترة تولي باول للوزارة.

في معرض حديثه عن صفات رايس يقول: انها شخصية صعب التعرف عليها وهى تلعب أوراقها وهى تكاد تخفيها، وعادة ما تحتفظ بوجهات نظرها لطرحها خلال اللقاءات الخاصة مع الرئيس.

وبمرور الوقت مع ذلك فقد كانت دهشة المؤلف البالغة من مهارتها في الدفاع عن وضعها. فمهما حدث من خطأ فهي قادرة إلى حد ما على أن تحافظ على يديها نظيفتين، حتى عندما تكون المشاكل تتعلق بما تحت إدارتها مباشرة، بما في ذلك قضية أسلحة الدمار الشامل المتعلقة بالعراق.

هنا يلقي المؤلف من وجهة نظره جانبا من المسؤولية عليها فيما وقع بشأن أحداث سبتمبر مضيفا أنه على الرغم من ذلك وكونها مستشارة الأمن القومي للرئيس وتمثل المنسقة بشأن فريق الأمن القومي، إلا أنها نجحت في إلقاء المسؤولية على أناس آخرين مثل مدير السي أي ايه السابق جورج تينيت ووزير الدفاع دون رامسفيلد وبول بريمير، مضيفا أن التاريخ سوف يحكم في ضوء ما قامت به بأنها الشخص المسؤول عن كثير من السياسات التي يتم توصيفها بأنها كانت سيئة خلال حكم إدارة بوش.

رايس.. المثيرة للجدل

ويبدو هنا أن الأمر يتجاوز الانتقاد بمراحل حيث تشعر بمرارة في سطور الكتاب، خلال وصفه لرايس وهو الأمر الذي قد يمثل تصفية حسابات في ضوء احتمال أن تكون أساءت إليه، فيشير المؤلف إلى أن رايس تجيد العلاقات العامة والتكيف مع المواقف المحتملة، فضلا عن ذلك فإنها في اللقاءات الخاصة تحرص على أن تعزز وتؤكد أراء بوش أكثر من محاولة إثارة النقاش بشأنها.

ويضيف من خلال لقاءاتي فإنني استطيع أن أقول انها تتبع نفس تفكير بوش وإذا لم تكن كذلك فإنها تعرف كيف تقرأه وكيف تترجم أفكاره وتحوله إلى سياسات على أرض الواقع.

وبغض النظر عن حجم المرارة في كلمات ماكليلان، فإن ذلك قد يكون أكثر ما يريده الرئيس أو المسؤول من مرؤوسه، فضلاً عن أن ما ذكره من صفات أخرى، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها فإنها تعد جزءا من طبيعة السياسة في عالمنا المعاصر، وبخاصة عالم السياسة الأميركية التي يصفها المؤلف بنفسه بأنها ثقافة الخداع.

الصفحات: 341

الكتاب: ماذا حدث داخل البيت الأبيض

تحرير ا سكوت ماكليلان عرض ،ناقشة مصطفى عبد الرازق

الناشر: بابليك آفيرز