تمثل الدول المضيفة معضلة أخرى للاجئين، فهي وان رحبت بهم إعلامياً، فإنها تذيقهم الويلات بمجرد انحسار الأضواء عن مشكلتهم نسبياً، ليعيشوا معاناة جديدة تتمثل في الاعتراف بهم وبحقوقهم على أرضها.
معاناة مع المضيف: في الدولة المضيفة يواجه اللاجئ مشكلة الاعتراف به قانونياً، وإذا ما حاول تسجيل نفسه لدى المفوضية يواجه بصعوبات إدارية، فيكون مصيره أن يعامل كمهاجر غير شرعي خارج على القانون وقد يستمر ذلك لسنوات، وقد يزج به في السجن، خاصة وأن الدولة المضيفة يكون لديها مخاوفها على عدة مستويات: (أ) المخاوف الأمنية: خشية أن يشكل بعضهم تهديدات أمنية للدولة وتتساوى كل الدول في هذه المخاوف. (ب) المشكلات الاقتصادية: تتخوف الدولة المضيفة من الضغوط الاضافية التي يشكلها اللاجئون على الخدمات العامة. (ج) المشكلات الاجتماعية: تتخوف بعض الدول المضيفة من الأمراض الاجتماعية التي ينقلها اللاجئون إليها وخاصة الدعارة والمخدرات.
ويمكننا ملاحظة ذلك عند التعمق في أوضاع اللاجئين بالدول المضيفة على النحو التالي :
(أولا) عند الحديث عن أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان مثلا، باعتبارها الدولة الأكثر استضافة للاجئين الفلسطينيين، نجد أن القانون اللبناني يحرم اللاجئ الفلسطيني من العمل في بعض المهن، وهو ما جعل 60% منهم يعيشون تحت خط الفقر، حسب إحصاءات «الاونروا»، كما أن 36% من ال60% لا يجدون مورد رزق، كما لا يحق للفلسطيني ـ دون غيره ـ أن يتملك في لبنان، ومن تملك قبل صدور تعديلات 21 مارس 2000، لا يحق لورثته التمتع بحق انتقال الملكية إليهم.
وفي لبنان أيضاً يعيش اللاجئون في مخيمات تفتقد لأبسط سبل الحياة الإنسانية من حيث توافر مياه الشرب النقية أو الصرف الصحي أو الرعاية الصحية، كما ان الحالة التعليمية ليست بأحسن حالاً، خاصة مع عجز «الأونروا» عن الوفاء بالاحتياجات الأساسية للاجئين، الذين يشكلون نحو 10% من مجموع اللاجئين الفلسطينيين في العالم، ونحو 5,10% من مجموع سكان لبنان.
(ثانيا) في العراق تبرز مشكلة النزوح في الداخل بقوة إلى جانب مشكلة اللجوء، لكن الاهتمام الدولي يتركز على الثانية لأن الاحتلال الأميركي يتعمد التقليل من حجم المشكلة. وفي العراق ثلاثة ملايين نازح ـ تركوا ديارهم ـ دون أن يهتم بهم أحد، وهؤلاء يعانون من سوء التغذية، والبطالة وعدم الحصول على خدمات الصحة والتعليم، بل إنهم واقعون تحت ضغوط أمنية. وشأن هؤلاء أيضاً نحو ثلاثين ألف لاجئ فلسطيني، أجبروا على ترك ممتلكاتهم وأسيئت معاملتهم، فخطف وقتل بعضهم تحت مزاعم واهية منها الولاء للنظام السابق.
وفي الأردن تخشى الحكومة من الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لتدفق اللاجئين العراقيين، لذا تم تقييد دخولهم بالحصول على تأشيرة مسبقة، وفرض غرامة يومية قدرها نحو دولارين على كل من يخالف ذلك. ويقدر عدد اللاجئين العراقيين إلى الأردن بنحو خمسمئة ألف شخص، يشكلون - وفق تصريحات المسؤولين الأردنيين- ضغوطاً قوية على الخدمات.
وتعتبر سوريا الأكثر استضافة للعراقيين (وفق تقرير اللجنة العربية لحقوق الإنسان)، حيث يزيد عدد اللاجئين منهم على المليون عراقي يعيش أغلبهم في منطقة السيدة زينب «حيث مظاهر البؤس والفقر».. ويمكن أن تعيش عائلات عدة في شقة واحدة، ويعيش بعضهم على وجبة واحدة في اليوم.. وقد دفعت الحاجة ببعض العراقيات إلى العمل في الرذيلة، بعيداً عن أعين السلطات السورية.
وعلى الرغم من ضعف مواردها فإن الحكومة السورية توفر فرص تعليم لما يزيد على المئة ألف طالب. ويقول مسؤولون سوريون إن اللاجئين العراقيين يكلفون ميزانيتها نحو المليار ونصف المليار ليرة سورية.
وعلى المستوى العالمي يعتبر العراقيون هم أكثر طالبي اللجوء إلى أوروبا عام 2007، وفق تقرير المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فمن بين كل خمس طلبات لجوء يوجد بينها واحد عراقي، وذلك للعام الثاني على التوالي (الجزيرة نت: 18 مارس 2008).
(ثالثا) يغلب على مشكلة السودان طابع النزوح، وهنا تكمن قيمة الاتفاقيات والبروتوكولات الأفريقية في اعتبار النزوح نوعاً من اللجوء. وهذا يفسر الغياب الكبير لمفوضية الأمم المتحدة للاجئين داخل السودان، على الرغم من اعتبارها مشكلة إنسانية تشكل الترتيب الثالث عربيا.
ويقوم بمهام إعالة النازحين الذين يقدر عددهم بنحو المليون شخص قسم حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، إلى جانب منظمة اليونسيف المعنية بالطفولة. وكان هناك تعمد دولي لتغييب دور المفوضية العامة للاجئين في داخل السودان.
كما يوجد غياب عربي تام عن تقديم الخدمات والاحتياجات الأساسية لسكان المخيمات في دارفور، في مقابل حضور قوي لمؤسسات غربية، ذات أهداف مشبوهة. وهذا ما صرح به أكثر من مسؤول سوداني. إلى جانب وجود منظمات غربية، تمارس الاتجار بالأطفال، وهو ما ثبت فعلاً بحق منظمة «أرش دو زوى» الفرنسية التي ضبطتها السلطات التشادية في نهاية العام الماضي وهي تحاول تهريب أكثر من مئة طفل من دارفور إلى فرنسا لبيعهم إلى عائلات فرنسية.
وتستغل إسرائيل أيضاً بالتوافق مع السياسة الأميركية مشكلة دارفور دعائياً عبر تسهيل هجرة بعضهم إليها، لإبراز طابعها الإنساني(!) في مقابل التوحش العربي(!)، وكي تحاول التغطية على موقفها من حق العودة الفلسطيني. ويبلغ عدد لاجئي دارفور في إسرائيل نحو ثلاثة آلاف سوداني هم مصدر خصب لتجميل وجه إسرائيل القبيح.
(رابعا) تبرز معاناة اللاجئين الصوماليين أكثر في اليمن وفي دول الجوار الأفريقي، فاليمن يشكو من وجود نحو 800 ألف لاجئ أفريقي لا يستطيع تحمل أعبائهم خدمياً، وهؤلاء منهم على الأقل 113 ألف صومالي (حسب المفوضية) لكن العدد يزيد إلى أكثر من 250 ألفاً (حسب التقديرات اليمنية).
واليمن شبه عاجز عن التعامل مع المشكلة لأن قدراته وإمكاناته لاتفي بذلك، كما أن سواحل البلاد تمتد بطول 2400 كيلومتر مما يسمح بتدفق عشرات اللاجئين يومياً. ويعيش اللاجئون الصوماليون في ثلاث مخيمات هي: خرز وميفعه والبساتين إلى جانب بعض المدن الأخرى. وفي المخيمات يعانون ظروفاً إنسانية صعبة على صعيد توفير خدمات التعليم والصحة والغذاء والعمل.
وتتخوف السلطات اليمنية من تسلل عناصر تخل بالأمن، كما تتخوف من نشر بعض الأمراض كالايدز، نظراً لاضطرار بعض اللاجئات لاحتراف الدعارة تحت ضغط الحاجة. وقد ظهرت في أوساط بعض فئات الشعب اليمني تيارات وقوى معادية لوجود اللاجئين، بل إن بعض التجمعات اليمنية تتخذ من اللاجئين رهائن.
وتهاجم مخيماتهم للضغط على الحكومة لتحقيق بعض مطالب لهم، وهذا في محافظة لحج إذ طوق عشرات المسلحين منهم مساء يوم الثلاثاء 4 مارس الماضي «مخيم خرز» مهددين بطرد موظفي المفوضية احتجاجاً على تجاهل السلطات لهم وتفضيل اللاجئين عليهم في تقديم الخدمات.
«بلا قيود نت ـ موقع يمني»
وفي مقابل شكوى اللاجئين الصوماليين في اليمن من عدم حصولهم على حقوقهم في التعليم والصحة والعمل والتنقل والإقامة بحرية بين المدن اليمنية، يرى المسؤولون اليمنيون أن بلدهم يقدم أقصى ما يستطيع، لكن اللاجئين صاروا يشكلون ضغطاً على الخدمات، كما صرح الدكتور أبوبكر القربي وزير الخارجية اليمني «وكالة أنباء الصين ـ شينخوا ـ 26 فبراير 2008».
وسوف تظل حال اللاجئين باليمن ملتبسة، بين اتهامات بالتقصير من جانب اللاجئين إلى تذرع بضخامة التكاليف والأعباء من جانب الحكومة اليمنية. ما لم تتدخل جهات عربية ودولية لمساعدة الطرفين في محنتهم الإنسانية.
وبين المعاناة في فلسطين والعراق والسودان و الصومال تستفحل ظاهرتي اللجوء والنزوح، دون قدرة من فروا إلى اليمن أو سوريا أو لبنان أو الأردن وغيرهم على العودة، ودون قدرة من هربوا إلى سويسرا على تقنين أوضاعهم. وهكذا فان الهاربين بحياتهم من الجحيم يصطلون بجحيم أشد، تستعر ناره عليهم قسوة خارج وطنهم. وفي الوقت ذاته يتجمدون موتا من برودة الآخرين في التعامل معهم، والإقرار بأبسط حقوقهم الإنسانية.
قرار دولي
الفلسطينيون بين العودة والترانسفير
ينص قرار مجلس الأمن رقم 194 على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم الذي طردوا منه، كما ينص أيضاً على حقهم في التعويض المالي عما لحق بهم من أضرار، لكن هذا الحق يواجه عربياً بالتراخي وإسرائيلياً بالرفض.
العرب من جانبهم مستعدون للتفاوض على تنازل الفلسطينيين عن حق العودة إذا رغب بعضهم في ذلك في مقابل الحصول على التعويض، ولا تجد قيادة السلطة الفلسطينية حرجاً في القبول بذلك، لكن لم يتورط أي من العرب على تقديم تعهدات مكتوبة بذلك، فلا أحد من العرب يمتلك التنازل عن هذا الحق الفردي والجماعي.
أما إسرائيل فإنها ترفض حق العودة تماماً وترفع في مقابله شعار يهودية الدولة الإسرائيلية، وتعلن قبولها بإعادة عدد محدود من الفلسطينيين على أن يتم توطين الآخرين حيث هم، بل بلغت جرأة بعضهم إلى الدعوة لتوطين الفلسطينيين في سيناء. وهذا ما جاء على لسان وزير السياحة الإسرائيلي السابق بيني ألون، ومن بعده نائب وزير الدفاع الإسرائيلي متان فلنائي الذي هدد عرب القدس بالطرد إلى خارج الكيان الصهيوني.
وبين التوطين والتهديد بالترانسفير وحق العودة تظل مشكلة عودة اللاجئين الفلسطينيين معلقة في مفاوضات الحل النهائي، بل وربما لما بعد هذه المفاوضات، خاصة بعدما رفعت إسرائيل وأميركا ما يسمى بورقة اللاجئين اليهود وحقهم في التعويضات في وجه الدول العربية لتثنيها عن التمسك بحق عودة الفلسطينيين.. إنها لعبة عض الأصابع، فهل يتحمل العرب ذلك؟
أماكن اللجؤ
أرقام فلسطينية
* تقدر الممتلكات الفلسطينية الخاصة باللاجئين وفق تقديرات فلسطينية عام 2001 بنحو 560 مليار دولار.
* في عام 1948 ارتكبت إسرائيل 35 مجزرة لإجبار الفلسطينيين على ترك ديارهم، وكان عدد اللاجئين في ذلك العام وفق تقديرات «الأونروا» نحو 914 ألف لاجئ زاد عددهم إلى نحو 6,3 ملايين لاجئ خلال نصف قرن.
* يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان وسوريا والأردن والضفة وغزة في 59 مخيماً تتدنى فيها عموماً الخدمات الأساسية والبنى التحتية.
* في 8 ديسمبر 1949 تأسست وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» بموجب القرار رقم 302. وبدأت «الأونروا» عملها في مايو 1950 في مجال توفير خدمات التعليم والصحة والتشغيل والإغاثة.
* وقد أدت «الأونروا» دوراً مهماً خلال السنوات التي سبقت أوسلو، لكن دورها بدأ في التأثر بفعل توجيه المساعدات إلى السلطة الفلسطينية على حساب مخيمات الخارج، وهو ما أدى لتدهور أوضاع هذه المخيمات.

