«ساعدونا.. نحن معلقون في الجحيم» بهذه الكلمات الخمس لخص اللاجئون الصوماليون في «معسكر خرز» اليمني معاناتهم وتردي أوضاعهم الإنسانية، وقد كمموا أفواههم أيضاً بشرائط لاصقة احتجاجاً على هذه المعاناة، وهم يستقبلون في مخيمهم وزير التنمية الهولندي بيرت كوندرس في مارس الماضي.

وتحت ضغط المعاناة ذاتها تظاهر مئات من اللاجئين الصوماليين في سويسرا في يناير الماضي، لإساءة السلطات السويسرية معاملتهم، وعدم التزامها نحوهم بالاتفاقيات الدولية التي تحمي حقوق اللاجئين في البلاد المضيفة، فمنذ أكثر من عشر سنوات ترفض السلطات السويسرية الاعتراف بهم، وترفض تسوية أوضاعهم، ومن ثم تتهرب من منحهم حقوق اللاجئين، أي أنها تعاملهم كخارجين على القانون. وبين اليمن (النامية) وسويسرا (المتقدمة جداً جداً) تضيع حقوق اللاجئين، وتبرز معاناتهم، ليس فقط على مستوى الدولتين، وإنما على مستوى دول العالم جميعها، بل إن هناك دولاً تسعى للمتاجرة بمعاناتهم، سعياً وراء الحصول على المساعدات الدولية، أو سعياً وراء الاتجار بهم على مستوى الدعاية والإعلام الدولي مثلما تعمل إسرائيل.

ومن ثم فلا قيمة للمواثيق الدولية عند أحد، لأن اللاجئين جميعهم جاءوا من دول منهارة لا تستطيع أن تدافع عن وجودها، فكيف تدافع عن مواطنيها، وهكذا فإن الأرض في حياة اللاجئين هي «أرض النفاق» فلا قانون يحميهم فعلاً، ولا مواثيق توفر لهم أساسيات البقاء، هم مجبرون على ترك أرضهم، وهم أيضاً ضائعون خارجها.وذلك رغم المزاعم الدولية بأن هناك اتفاقيات تحمي حقوقهم مثل اتفاقية عام 1951 وغيرها من الاتفاقيات والبروتوكولات الأوروبية والإفريقية. ويمكن القول إن كافة الاتفاقيات الدولية، وكذلك المؤسسات الدولية سواء على مستوى الأمم المتحدة أو غيرها أو المنظمات القارية أو الدولية، لم تستطع بعد التعامل بفاعلية حقيقية مع مشكلة اللاجئين، بما ينهي معاناتهم الإنسانية أو على الأقل يحد منها بما يضمن إنسانيتهم.

ولعل ذلك يرجع لعدة اعتبارات مثل: حجم المشكلة، والأسباب التي تفاقمها، وطبيعة معاناة النازحين واللاجئين في أوطانهم أو في البلدان المضيفة، إلى جانب وجود اختلافات قانونية بين الاتفاقيات والمواثيق الدولية والقارية في تعريف اللاجئ، مما يؤثر على عمل المؤسسات الدولية وخاصة المفوضية العامة لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أو وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا».

ومن المحزن أن العمل العربي المشترك في مجال إغاثة النازحين واللاجئين غير متحقق بعد، على الرغم من أن أكثر لاجئي العالم ونازحيه هم من العرب. ومع غياب العمل العربي المشترك تغيب المؤسسات العربية المتخصصة في حماية اللاجئين، وتغيب أيضاً مؤسسات التمويل.

العرب بحاجة إلى اتفاقية شاملة لضمان حقوق اللاجئين، وبحاجة أيضاً إلى مؤسسة عربية تقوم بواجبها الإنساني في مواقع الكوارث العربية، وبحاجة إلى صندوق جامع دائم للإنفاق على ذلك، بدلاً من ترك كل دولة عربية منكوبة أو مضيفة تواجه الأزمة منفردة.

أليس عجيبا أن تكون أكثر الدول الممولة ل«الاونروا» من أوروبا الإسكندنافية وليس من العرب؟ أليس غريبا أيضا أن يلجأ بعض العرب إلى إسرائيل، كما يحدث الآن مع لاجئي دارفور؟ والى متى يظل العرب أرضا خصبة لإنتاج الأزمات التي تؤدي إلى ظاهرتي النزوح واللجوء؟ هذا ما نناقشه في الموضوع التالي بمناسبة اليوم العالمي للاجئين الذي صادف أمس..

* أعداد اللاجئين: تقدر المفوضية العامة لشؤون اللاجئين، عدد اللاجئين في العالم اليوم بنحو تسعة ملايين لاجئ، منهم خمسة ملايين مسلم، وبالطبع يشكل العرب معظمهم، لكن أرقام المفوضية لا تعكس بدقة حجم المشكلة، لأن المفوضية لا تعترف إلا باللاجئين المسجلين لديها. وتبعا لذلك تركز اهتمامها بقضية اللاجئين عربيا على النحو التالي: فلسطين، العراق، السودان، الصومال.

(أولا) فلسطين: يختلف اللاجئون الفلسطينيون عن غيرهم في أنهم يخضعون لأحكام قرار مجلس الأمن رقم 194 لسنة 1948، كما أن مشكلتهم هي الأقدم عربياً ودولياً، إذ بدأت مع تهجير الفلسطينيين من أرضهم بيد العصابات الصهيونية، وتقدر وكالة «الأونروا» التابعة للأمم المتحدة عدد الفلسطينيين اللاجئين بنحو 8,3 ملايين لاجئ فيما تقدرهم الإحصاءات الفلسطينية بنحو 25,5 ملايين لاجئ، ويتوزع هؤلاء في فلسطين التاريخية وفي الأردن ولبنان وسوريا ومصر والعراق ودول أخرى.

(ثانياً) العراق: تقترب أرقام النازحين واللاجئين العراقيين في مأساتها من الأرقام الفلسطينية، إذ تقدر مفوضية اللاجئين أرقام النازحين منذ وقوع الغزو في مارس 2003 بنحو ثلاثة ملايين عراقي، إلى جانب مليونين آخرين لجأوا إلى الخارج في سوريا والأردن ومصر ودول غربية أخرى، وترتبط ظاهرة اللجوء العراقي بحكم الرئيس الراحل صدام حسين، لكنها استفحلت بقوة منذ الغزو الأميركي.

(ثالثاً) السودان: نشأت المشكلة في السودان منذ حرب الجنوب، لكنها لقيت اهتماماً دولياً كبيراً مع اندلاع أزمة دارفور، ولا توجد أرقام دقيقة للاجئين السودانيين لكن أكثر المتشائمين يقدر العدد بنحو مليوني نازح ولاجئ موجودين داخل معسكرات في دارفور وتشاد وأريتريا، بالإضافة إلى نحو ثلاثة آلاف توجهوا إلى إسرائيل من بين سبعة آلاف لاجئ إفريقي، فالسودانيون هم غالبية اللاجئين في إسرائيل، مما يعطي لقضية اللاجئين السودانيين زخماً دولياً خاصاً لأهداف سياسية في المقام الأول.

(رابعاً) الصومال: ذاق الصوماليون محنة النزوح واللجوء منذ سقوط نظام الرئيس الراحل محمد سياد بري عام 1991، حينما اندلعت الحرب الأهلية بين فصيلي محمد فرح عيديد علي مهدي محمد، مما أدى إلى هروب مئات الآلاف إلى اليمن وأريتريا وكينيا وجيبوتي ودول أخرى مجاورة، ومنذ ذلك التاريخ (1991) والمحنة مستمرة، قد تتراجع حيناً.

وتزداد حيناً آخر، بقدر الهدوء النسبي الذي تشهده البلاد أحياناً، ولكنها تفاقمت مؤخراً بقوة وعنف مع دخول القوات الأثيوبية للصومال، مما أدى إلى تشريد معظم أبناء الصومال بين نازح ولاجئ، تعصف بهم جميعاً آلام المعاناة، وهؤلاء يبلغ عددهم منذ انهيار الدولة عام 1991 نحو أربعة ملايين ما بين نازح ولاجئ منهم في اليمن نحو 113 ألف لاجئ وفق تقدير مفوضية اللاجئين لكن السلطات اليمنية تقدرهم بضعفي هذا العدد.

ويبين التناقض الكبير في الأرقام بين الدول المنكوبة والمضيفة من ناحية وبين مفوضية اللاجئين و«الأونروا» من ناحية أخرى فإن حقيقة الكارثة على الصعيد العربي أكبر من المعلن عنها رسمياً على المستوى الدولي، ذلك للاختلاف حول تعريف اللاجئ قانونياً، وما يستتبع ذلك من تسجيله لدى المفوضية أو الوكالة، لتقديم المساعدات إليه، ولإلزام الدول المضيفة بحقوقه.

لأن مشكلة التعريف تحرم الملايين من التسجيل، ومن ثم تحرمهم من حقوقهم المقرة في المواثيق الدولية، وهو ما يشكل وجهاً دولياً كالحاً، وجهاً يعمق المشكلة ولا يخفف منها، وثغرة تلعب عليها دول كثيرة للتهرب من منح اللاجئين حقوقهم لديها.

* أسباب ومظاهر المشكلة: تنجم مشكلة اللاجئين عربياً كنتيجة مباشرة لضعف أو لانهيار سلطة الدولة، وعادة ما يكون هذا الانهيار ناجماً عن عوامل خارجية وأخرى داخلية، لكن العامل الخارجي موجود في كل الأحوال بطريق مباشر أو غير مباشر.

( أ ) يتمثل العامل الخارجي في الغزو والاحتلال العسكري والاستيطاني.

(ب) ويتحدد العامل الداخلي في الاضطرابات والحروب الأهلية.

وعادة ما ينجم عن هذين العاملين إضعاف لسلطة الدولة، أو انهيار شامل لها. ويؤدي الإضعاف أو الانهيار إلى غياب للخدمات على صعيد توافر الغذاء، فتحدث المجاعات، وعلى صعيد الخدمات الصحية ما يعني انتشار الأوبئة، وعلى صعيد مؤسسات التعليم فتغلق المدارس والجامعات أبوابها، وعلى صعيد سوق العمل فتنتشر البطالة وتغلق أبواب الرزق.

ويتواكب مع انهيار سلطة الدولة انهيار شامل على المستوى الاقتصادي، نظراً لغياب منظومتي الإنتاج والتسويق، فتفتقد بالتالي منظومة الاستهلاك، وتزداد الأمور تعقيداً مع انتشار الجريمة المنظمة.

وينتج هذا الانهيار الشامل، حالة من السقوط الأخلاقي داخل المجتمع، بفعل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وعدم قدرة الأفراد والأسر البسيطة على تلبية احتياجاتها الأساسية، فتشيع السرقات وحالات التسول والاتجار بالمخدرات، وتنتشر الدعارة والاتجار بالأطفال والنساء وبالأعضاء البشرية. وكل هذه المظاهر تختلف نسبياً من دولة لأخرى.

وأمام استفحال المعاناة، تبدأ في الوطن المنكوب حالة عامة من النزوح الداخلي أو اللجوء الخارجي، وقد يتصور النازح أو اللاجئ أن معاناته انتهت بالخروج حياً من جحيم الوطن، لكنه لا يدرك أنه يدخل في سلسلة جديدة ومتشابكة من المعاناة التي لا تنتهي أبداً، فهو يبدأ تدريجياً في فقدان صفة المواطنة.

ويبدأ في فقدان حقوقه الإنسانية والقانونية، مع بدء أزمة الوطن، ويتحول أيضاً إلى فريسة لكل صنوف المعاناة على أيدي المتصارعين المحليين أو المتصارعين الدوليين، ثم على أيدي سماسرة الاتجار بالبشر، ثم على أيدي سلطات الدولة التي يلجأ إليها، وكذلك على أيدي مفوضية اللاجئين التي لا تؤدي واجبها نحوه كما ينبغي، وإنما تعمق معاناته عبر دهاليز التعريفات القانونية والإدارية مثل «من هو اللاجئ؟».

* أوجه المعاناة: تعرف اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 الخاصة باللاجئين «الإنسان اللاجئ بأنه شخص يوجد خارج بلد جنسيته أو بلد إقامته المعتادة، وعنده خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب العنصر أو الدين أو القومية أو الانتماء إلى فئة اجتماعية معينة أو بسبب الرأي السياسي، ولا يستطيع أو لا يريد بسبب ذلك الخوف أن يستظل بحماية ذلك البلد أو العودة إليه خشية التعرض للاضطهاد».

وقد رأت أطراف دولية أن مثل هذا التعريف يشوبه القصور بل العوار القانوني، مع تعقد ظروف المجتمعات. ومن ثم استحدثت هذه الأطراف الدولية ومنها منظمة الوحدة الأفريقية اتفاقيات وبرتوكولات أكثر عصرية وشمولية في التعامل مع مشكلة اللاجئين.

إذ أضافت في اتفاقية 1974 لشؤون اللاجئين إلى التعريف السابق اعتبار اللاجئ «كل شخص يجبر على ترك محل إقامته المعتاد بسبب اعتداء خارجي أو إخلال أو هيمنة أجنبية أو أحداث تعكر النظام العام بشكل خطير في كل أو جزء من بلد منشأه أو جنسيته من أجل البحث عن ملجأ في مكان آخر خارج بلد منشأه أو جنسيته».

وهكذا فإن التعريف الأفريقي يعد أكثر شمولية من التعريف الأممي، لكن الاتفاقية الأممية هي الأكثر اعترافاً دولياً، فقد وقعت عليها نحو 140 دولة على مستوى العالم، فيما وقعت على الاتفاقية الأفريقية 41 دولة أفريقية، وهو ما يعني أن أبناء الدولة المنكوبة يعاملون وفق تعريفين مختلفين.

فالتعريف الأفريقي اعتبر النزوح الداخلي نوعاً من اللجوء، فبلد المنشأ ينطبق على القرية مثلما ينطبق على الدولة (بلد الجنسية)، وهو ما لا يوجد في التعريف الدولي لاتفاقية 1951، التي لا تعترف بالنزوح الداخلي كنوع من اللجوء.

ووفقاً لهذا التعريف فإن مفوضية اللاجئين لا تبدي للنزوح العراقي أو الصومالي أو السوداني الداخلي أهمية كالتي تعطيها للاجئ الخارجي، مع أن النزوح الداخلي قد يكون مشابهاً في سوئه ومعاناته للجوء الخارجي.

مشكلتان قانونيتان

التناقض القانوني في تعريف اللاجئ يعاني منه الفلسطينيون، ففي تعريف «الأونروا» ليس كل نازح لاجئاً، ففي عرف «الأونروا» أن اللاجئ الفلسطيني هو الشخص الذي كان يقيم في فلسطين خلال الفترة من يونيو 1946 وحتى مايو 1948، وهذا النوع من اللاجئين فقط هم من يحق لهم الحصول على مساعداتها. أما النازحون فهم من هجروا من ديارهم بعد حرب 1967.

وتكمن المشكلة الثانية في أن الأطراف التي تتبنى نصوص الاتفاقية الدولية 1951 في تعريف اللاجئين تسقط حقوق النازحين، كما في الحالة الفلسطينية، فهناك نازحون لاجئون ممن هجروا من ديارهم مرتين (في أعقاب حرب 1948 وفي أعقاب حرب 1967).

المشكلة الثالثة

المشكلة القانونية الثالثة تكمن في أن كثيراً من دول العالم، خاصة النامية الموقعة على اتفاقية 1951 ليس لديها قوانين داخلية تنظم كيفية العمل بهذه الاتفاقية بالتوافق مع قوانينها، ومن ثم فإن بعض هذه الدول لا يوجد بها أيضاً أجهزة خاصة بتنظيم وجود اللاجئين فوق أراضيها، وبالتالي تعجز عن التعامل معهم، وتعجز عن تقنين أوضاعهم، وعن تقديم الخدمات إليهم.

وقد تتهرب هذه الدول من مسؤولياتها الدولية والإنسانية نحو اللاجئين على أراضيها، وتترك المهمة إلى مفوضية اللاجئين التي تعجز في معظم الأحيان عن التعامل مع المشكلة قانونياً وإدارياً، في الوقت الذي لا تعترف فيه هذه الدول بصفة اللاجئ إلا من خلال أوراق المفوضية.وهو ما يوقع اللاجئين بين حالة ميوعة تقود إلى معاناة مأساوية.

الدول المضيفة تئن من تدفق اللاجئين

تمثل الدول المضيفة معضلة أخرى للاجئين، فهي وان رحبت بهم إعلامياً، فإنها تذيقهم الويلات بمجرد انحسار الأضواء عن مشكلتهم نسبياً، ليعيشوا معاناة جديدة تتمثل في الاعتراف بهم وبحقوقهم على أرضها.

معاناة مع المضيف: في الدولة المضيفة يواجه اللاجئ مشكلة الاعتراف به قانونياً، وإذا ما حاول تسجيل نفسه لدى المفوضية يواجه بصعوبات إدارية، فيكون مصيره أن يعامل كمهاجر غير شرعي خارج على القانون وقد يستمر ذلك لسنوات، وقد يزج به في السجن، خاصة وأن الدولة المضيفة يكون لديها مخاوفها على عدة مستويات: (أ) المخاوف الأمنية: خشية أن يشكل بعضهم تهديدات أمنية للدولة وتتساوى كل الدول في هذه المخاوف.

(ب) المشكلات الاقتصادية: تتخوف الدولة المضيفة من الضغوط الاضافية التي يشكلها اللاجئون على الخدمات العامة. (ج) المشكلات الاجتماعية: تتخوف بعض الدول المضيفة من الأمراض الاجتماعية التي ينقلها اللاجئون إليها وخاصة الدعارة والمخدرات.

ويمكننا ملاحظة ذلك عند التعمق في أوضاع اللاجئين بالدول المضيفة على النحو التالي :

(أولا) عند الحديث عن أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان مثلا، باعتبارها الدولة الأكثر استضافة للاجئين الفلسطينيين، نجد أن القانون اللبناني يحرم اللاجئ الفلسطيني من العمل في بعض المهن، وهو ما جعل 60% منهم يعيشون تحت خط الفقر، حسب إحصاءات «الاونروا»، كما أن 36% من ال60% لا يجدون مورد رزق، كما لا يحق للفلسطيني ـ دون غيره ـ أن يتملك في لبنان، ومن تملك قبل صدور تعديلات 21 مارس 2000، لا يحق لورثته التمتع بحق انتقال الملكية إليهم.

وفي لبنان أيضاً يعيش اللاجئون في مخيمات تفتقد لأبسط سبل الحياة الإنسانية من حيث توافر مياه الشرب النقية أو الصرف الصحي أو الرعاية الصحية، كما ان الحالة التعليمية ليست بأحسن حالاً، خاصة مع عجز «الأونروا» عن الوفاء بالاحتياجات الأساسية للاجئين، الذين يشكلون نحو 10% من مجموع اللاجئين الفلسطينيين في العالم، ونحو 5,10% من مجموع سكان لبنان.

(ثانيا) في العراق تبرز مشكلة النزوح في الداخل بقوة إلى جانب مشكلة اللجوء، لكن الاهتمام الدولي يتركز على الثانية لأن الاحتلال الأميركي يتعمد التقليل من حجم المشكلة. وفي العراق ثلاثة ملايين نازح ـ تركوا ديارهم ـ دون أن يهتم بهم أحد، وهؤلاء يعانون من سوء التغذية، والبطالة وعدم الحصول على خدمات الصحة والتعليم، بل إنهم واقعون تحت ضغوط أمنية. وشأن هؤلاء أيضاً نحو ثلاثين ألف لاجئ فلسطيني، أجبروا على ترك ممتلكاتهم وأسيئت معاملتهم، فخطف وقتل بعضهم تحت مزاعم واهية منها الولاء للنظام السابق.

وفي الأردن تخشى الحكومة من الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لتدفق اللاجئين العراقيين، لذا تم تقييد دخولهم بالحصول على تأشيرة مسبقة، وفرض غرامة يومية قدرها نحو دولارين على كل من يخالف ذلك. ويقدر عدد اللاجئين العراقيين إلى الأردن بنحو خمسمئة ألف شخص، يشكلون - وفق تصريحات المسؤولين الأردنيين- ضغوطاً قوية على الخدمات.

وتعتبر سوريا الأكثر استضافة للعراقيين (وفق تقرير اللجنة العربية لحقوق الإنسان)، حيث يزيد عدد اللاجئين منهم على المليون عراقي يعيش أغلبهم في منطقة السيدة زينب «حيث مظاهر البؤس والفقر».. ويمكن أن تعيش عائلات عدة في شقة واحدة، ويعيش بعضهم على وجبة واحدة في اليوم.. وقد دفعت الحاجة ببعض العراقيات إلى العمل في الرذيلة، بعيداً عن أعين السلطات السورية.

وعلى الرغم من ضعف مواردها فإن الحكومة السورية توفر فرص تعليم لما يزيد على المئة ألف طالب. ويقول مسؤولون سوريون إن اللاجئين العراقيين يكلفون ميزانيتها نحو المليار ونصف المليار ليرة سورية.

وعلى المستوى العالمي يعتبر العراقيون هم أكثر طالبي اللجوء إلى أوروبا عام 2007، وفق تقرير المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فمن بين كل خمس طلبات لجوء يوجد بينها واحد عراقي، وذلك للعام الثاني على التوالي (الجزيرة نت: 18 مارس 2008).

(ثالثا) يغلب على مشكلة السودان طابع النزوح، وهنا تكمن قيمة الاتفاقيات والبروتوكولات الأفريقية في اعتبار النزوح نوعاً من اللجوء. وهذا يفسر الغياب الكبير لمفوضية الأمم المتحدة للاجئين داخل السودان، على الرغم من اعتبارها مشكلة إنسانية تشكل الترتيب الثالث عربيا.

ويقوم بمهام إعالة النازحين الذين يقدر عددهم بنحو المليون شخص قسم حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، إلى جانب منظمة اليونسيف المعنية بالطفولة. وكان هناك تعمد دولي لتغييب دور المفوضية العامة للاجئين في داخل السودان.

كما يوجد غياب عربي تام عن تقديم الخدمات والاحتياجات الأساسية لسكان المخيمات في دارفور، في مقابل حضور قوي لمؤسسات غربية، ذات أهداف مشبوهة. وهذا ما صرح به أكثر من مسؤول سوداني. إلى جانب وجود منظمات غربية، تمارس الاتجار بالأطفال، وهو ما ثبت فعلاً بحق منظمة «أرش دو زوى» الفرنسية التي ضبطتها السلطات التشادية في نهاية العام الماضي وهي تحاول تهريب أكثر من مئة طفل من دارفور إلى فرنسا لبيعهم إلى عائلات فرنسية.

وتستغل إسرائيل أيضاً بالتوافق مع السياسة الأميركية مشكلة دارفور دعائياً عبر تسهيل هجرة بعضهم إليها، لإبراز طابعها الإنساني(!) في مقابل التوحش العربي(!)، وكي تحاول التغطية على موقفها من حق العودة الفلسطيني. ويبلغ عدد لاجئي دارفور في إسرائيل نحو ثلاثة آلاف سوداني هم مصدر خصب لتجميل وجه إسرائيل القبيح.

(رابعا) تبرز معاناة اللاجئين الصوماليين أكثر في اليمن وفي دول الجوار الأفريقي، فاليمن يشكو من وجود نحو 800 ألف لاجئ أفريقي لا يستطيع تحمل أعبائهم خدمياً، وهؤلاء منهم على الأقل 113 ألف صومالي (حسب المفوضية) لكن العدد يزيد إلى أكثر من 250 ألفاً (حسب التقديرات اليمنية).

واليمن شبه عاجز عن التعامل مع المشكلة لأن قدراته وإمكاناته لاتفي بذلك، كما أن سواحل البلاد تمتد بطول 2400 كيلومتر مما يسمح بتدفق عشرات اللاجئين يومياً. ويعيش اللاجئون الصوماليون في ثلاث مخيمات هي: خرز وميفعه والبساتين إلى جانب بعض المدن الأخرى. وفي المخيمات يعانون ظروفاً إنسانية صعبة على صعيد توفير خدمات التعليم والصحة والغذاء والعمل.

وتتخوف السلطات اليمنية من تسلل عناصر تخل بالأمن، كما تتخوف من نشر بعض الأمراض كالايدز، نظراً لاضطرار بعض اللاجئات لاحتراف الدعارة تحت ضغط الحاجة. وقد ظهرت في أوساط بعض فئات الشعب اليمني تيارات وقوى معادية لوجود اللاجئين، بل إن بعض التجمعات اليمنية تتخذ من اللاجئين رهائن.

وتهاجم مخيماتهم للضغط على الحكومة لتحقيق بعض مطالب لهم، وهذا في محافظة لحج إذ طوق عشرات المسلحين منهم مساء يوم الثلاثاء 4 مارس الماضي «مخيم خرز» مهددين بطرد موظفي المفوضية احتجاجاً على تجاهل السلطات لهم وتفضيل اللاجئين عليهم في تقديم الخدمات.

«بلا قيود نت ـ موقع يمني»

وفي مقابل شكوى اللاجئين الصوماليين في اليمن من عدم حصولهم على حقوقهم في التعليم والصحة والعمل والتنقل والإقامة بحرية بين المدن اليمنية، يرى المسؤولون اليمنيون أن بلدهم يقدم أقصى ما يستطيع، لكن اللاجئين صاروا يشكلون ضغطاً على الخدمات، كما صرح الدكتور أبوبكر القربي وزير الخارجية اليمني «وكالة أنباء الصين ـ شينخوا ـ 26 فبراير 2008».

وسوف تظل حال اللاجئين باليمن ملتبسة، بين اتهامات بالتقصير من جانب اللاجئين إلى تذرع بضخامة التكاليف والأعباء من جانب الحكومة اليمنية. ما لم تتدخل جهات عربية ودولية لمساعدة الطرفين في محنتهم الإنسانية.

وبين المعاناة في فلسطين والعراق والسودان و الصومال تستفحل ظاهرتي اللجوء والنزوح، دون قدرة من فروا إلى اليمن أو سوريا أو لبنان أو الأردن وغيرهم على العودة، ودون قدرة من هربوا إلى سويسرا على تقنين أوضاعهم. وهكذا فان الهاربين بحياتهم من الجحيم يصطلون بجحيم أشد، تستعر ناره عليهم قسوة خارج وطنهم. وفي الوقت ذاته يتجمدون موتا من برودة الآخرين في التعامل معهم، والإقرار بأبسط حقوقهم الإنسانية.

قرار دولي

الفلسطينيون بين العودة والترانسفير

ينص قرار مجلس الأمن رقم 194 على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم الذي طردوا منه، كما ينص أيضاً على حقهم في التعويض المالي عما لحق بهم من أضرار، لكن هذا الحق يواجه عربياً بالتراخي وإسرائيلياً بالرفض.

العرب من جانبهم مستعدون للتفاوض على تنازل الفلسطينيين عن حق العودة إذا رغب بعضهم في ذلك في مقابل الحصول على التعويض، ولا تجد قيادة السلطة الفلسطينية حرجاً في القبول بذلك، لكن لم يتورط أي من العرب على تقديم تعهدات مكتوبة بذلك، فلا أحد من العرب يمتلك التنازل عن هذا الحق الفردي والجماعي.

أما إسرائيل فإنها ترفض حق العودة تماماً وترفع في مقابله شعار يهودية الدولة الإسرائيلية، وتعلن قبولها بإعادة عدد محدود من الفلسطينيين على أن يتم توطين الآخرين حيث هم، بل بلغت جرأة بعضهم إلى الدعوة لتوطين الفلسطينيين في سيناء. وهذا ما جاء على لسان وزير السياحة الإسرائيلي السابق بيني ألون، ومن بعده نائب وزير الدفاع الإسرائيلي متان فلنائي الذي هدد عرب القدس بالطرد إلى خارج الكيان الصهيوني.

وبين التوطين والتهديد بالترانسفير وحق العودة تظل مشكلة عودة اللاجئين الفلسطينيين معلقة في مفاوضات الحل النهائي، بل وربما لما بعد هذه المفاوضات، خاصة بعدما رفعت إسرائيل وأميركا ما يسمى بورقة اللاجئين اليهود وحقهم في التعويضات في وجه الدول العربية لتثنيها عن التمسك بحق عودة الفلسطينيين.. إنها لعبة عض الأصابع، فهل يتحمل العرب ذلك؟

أماكن اللجؤ

أرقام فلسطينية

* تقدر الممتلكات الفلسطينية الخاصة باللاجئين وفق تقديرات فلسطينية عام 2001 بنحو 560 مليار دولار.

* في عام 1948 ارتكبت إسرائيل 35 مجزرة لإجبار الفلسطينيين على ترك ديارهم، وكان عدد اللاجئين في ذلك العام وفق تقديرات «الأونروا» نحو 914 ألف لاجئ زاد عددهم إلى نحو 6,3 ملايين لاجئ خلال نصف قرن.

* يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان وسوريا والأردن والضفة وغزة في 59 مخيماً تتدنى فيها عموماً الخدمات الأساسية والبنى التحتية.

* في 8 ديسمبر 1949 تأسست وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» بموجب القرار رقم 302. وبدأت «الأونروا» عملها في مايو 1950 في مجال توفير خدمات التعليم والصحة والتشغيل والإغاثة.

* وقد أدت «الأونروا» دوراً مهماً خلال السنوات التي سبقت أوسلو، لكن دورها بدأ في التأثر بفعل توجيه المساعدات إلى السلطة الفلسطينية على حساب مخيمات الخارج، وهو ما أدى لتدهور أوضاع هذه المخيمات.

أروش دو زوي وخطف الأطفال

(أروش دو زوي) منظمة فرنسية، بدأت نشاطها في أندونيسيا، ووفق «موقع الجزيرة. نت»، تأسست المنظمة في يناير 2005 على يد رجل إطفاء فرنسي، يدعى اريك بروتو لإسعاف ضحايا إعصار تسونامي، وبعد أندونيسيا ـ توجهت إلى دارفور، بعدما ساهمت دولياً في التضخيم من حجم معاناة الأطفال هناك.

وقد تم ضبط تسعة من أفراد المنظمة في تشاد، وهم يحاولون نقل أطفال سودانيين دون علم السلطات لبيعهم في أوروبا، تم القبض على المتهمين وحكم على كل منهم بثماني سنوات سجناً، ثم أفرجت عنهم السلطات التشادية في مارس الماضي بضغوط فرنسية.

350

كان غرق 350 لاجئاً عراقياً وجزائرياً وفلسطينياً بالقرب من سواحل استراليا في اكتوبر 2001، هو أسوأ حادث يتعرض له لاجئون عرب. وكان الضحايا قد استقلوا قارباً من جزيرة أمبونج الاندونيسية متجهة إلى استراليا، إلا أن القارب تحطم، وقضى اللاجئون غرقاً دون أن يتمكن أحد من سرعة إنقاذهم.

أما الحادث الآخر فكان في القاهرة في ديسمبر 2005 عندما أطلق الأمن المصري النار باتجاه حشد من اللاجئين السودانيين المحتجين ضد مفوضية اللاجئين وقتل في الحادث نحو 11 سودانياً وأصيب 55 آخرون. وقد تم احتواء آثار الحادث بين مصر والسودان.

أحمد الكناني