ولد حسن كامل الصبّاح في مدينة النبطية في جنوب لبنان في عام 1895. ويعيد يوسف مروّة، صاحب كتابين خصصهما لعالمنا، أصل عائلة الصبّاح إلى سلالة يعقوب الصبّاح، الفيلسوف الرياضي الشهير الذي عاش في المرحلة الأولى من الخلافة العباسية.

كما ربط مروّة بين عائلة الصبّاح في لبنان وعائلة أمير الكويت الأول الشيخ الصبّاح. لكن المهم، بالنسبة إلينا، في الموضوع الخاص لولادة عالمنا هو أنه ينتمي إلى عائلة لبنانية جنوبية، هي عائلة والده، في حين أن والدته تنتمي إلى عائلة رضا، التي كان خاله الشيخ أحمد رضا أحد رموزها العلمية والثقافية والدينية.

كان الصبّاح منذ طفولته يتمتع بذكاء خارق، سرعان ما برز بوضوح من خلال اهتمامه بمادة الحساب التي كان فيها مجلياً منذ البدايات. ثم أنه كان، إلى جانب ذلك، صاحب فضول معرفي قاده، وهو في أول شبابه، إلى بعض الاكتشافات العلمية من خلال التجارب والاختبارات.

بدأ دراسته الأولى، مثل سائر أبناء جيله، في الكتّاب، حيث تعلّم القراءة والكتابة وحفظ عدداً من السور القرآنية. وقد برزت مواهبه الرياضية في مدرسة مدينته النبطية. فدرس الجبر والهندسة وهو في سن الرابعة عشرة من عمره من دون مساعدة من أساتذته. ثم أرسله والده إلى المدرسة السلطانية في بيروت في عام 1908. وهناك برزت مواهبه العلمية، وذلك بإقدامه على حل مسائل هندسية وجبرية شديدة التعقيد. واتقن اللغة الفرنسية في شهور قليلة.

في عام 1914 دخل الصبّاح الجامعة الأميركية في بيروت لمتابعة تحصيله العلمي، برغم صعوبة الوضع المادي لعائلته. وخلال الأشهر الستة الأولى تمكن من إتقان اللغة الإنجليزية. وكان قد أصبح يملك كفاءة عالية في الرياضيات، تجاوز فيها مستوى الصفوف التي كان يدرس فيها. وصار يشارك الصفوف العليا في حل المسائل الرياضية المعقدة.

في مطلع عام 1916 فرض عليه أن يترك الدراسة ليلتحق بالخدمة العسكرية الإجبارية في صفوف الجيش العثماني. وكانت الحرب العالمية في أوجها. وفور التحاقه بالجيش أدخلته القيادة العسكرية في سريّة التلغراف واللاسلكي لمعرفتها بمقدرته العلمية. وبقي في مركزه هذا حتى نهاية الحرب.

في عام 1919 ذهب إلى دمشق حيث انتسب إلى المدرسة السلطانية. وظل فيها حتى عام 1920. عاد بعد ذلك إلى بيروت ليمارس مهنة التدريس في مادة الرياضيات. وفي عام 1921 غادر بيروت إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث انتسب إلى المعهد التكنولوجي في ولاية ماسوشيتس «حةش» ولأنه لم يكن يملك الشهادة العلمية التي تخوله الدخول في هذا المعهد، فقد أرسله قسم التسجيل إلى عدد من الأساتذة لكي يستكمل تأهيله.

وهناك اكتشفت مؤهلاته العلمية، في الرياضيات خصوصاً، فأعفي من دراستها في المعهد. ثم انتقل بعد قضاء سنة في هذا المعهد إلى جامعة أخرى. وكان ذلك في عام 1923. وقبل أن يتخرج من الجامعة اختارته شركة جنرال إلكتريك مهندساً كهربائياً لديها. وبعد ثلاثة أشهر من العمل في الشركة التحق بجامعة أوريانا حيث حصل على شهادة أستاذ علوم في الهندسة الكهربائية.

رجع بعد نيله الشهادة الجامعية إلى شركة جنرال إلكتريك، وكان ذلك في عام 1924. وخلال بضعة شهور من استقراره في الشركة بدأ يمارس اختراعاته. وكانت البداية في ذلك العمل العلمي استنباط أجهزة وآلات وطرق جديدة في عالم الكهرباء والإلكترونيات.

وسجل خلال سنوات عمله في الشركة، ابتداء من عام 1924 حتى وفاته في عام 1935، ما يزيد عن 80 اختراعاً. وهي الاختراعات التي تبنتها الشركة وأدخلتها في ترسانتها العلمية. إلا أن مجمل اختراعات الصباح بلغت ما يقرب من الثلاثمائة اختراع، وفق ما يؤكده يوسف مروّة، الذي تابع باهتمام إنجازات الصبّاح العلمية، بحكم كونه، أي مروة، عالماً فيزيائياً، وأستاذاً جامعياً وباحثاً علمياً، وصاحب تراث في هذا الميدان.

في عام 1932 انتدبت شركة جنرال إلكتريك الصباح لتمثيلها في المؤتمر الثاني للكهرباء الذي عقد في باريس. وفي عام 1933 منح الصبّاح لقب «فتى العلم الكهربائي» بناء على قرار اتخذه معهد المهندسين الكهربائيين الأميركيين. في عام 1935 توفي الصبّاح في حادث سير، ونقل جثمانه إلى مسقط رأسه مدينة النبطية. ودفن في مقابر العائلة.

ويؤكد الكثيرون أن حادث السير ذاك كان مفتعلاً، وأن الصبّاح كان مستهدفاً من قبل خصومه. ويقول يوسف مروّة أن وراء الجريمة أصابع صهيونية. ويذكر محمد جابر آل صفا في كتابه «تاريخ جبل عامل» رواية مثيرة للاهتمام حول عبقرية الصبّاح، التي ربما تكون هي التي جعلته هدفاً للاغتيال. يقول آل صفا:

«في سنة 1932 منحه مجمع مؤسسة الكهرباء الأميركي في نيويورك لقب (فتى العلم الكهربائي)». وهذا اللقب لا يعطى إلا لمن اخترع وابتكر ودرّس في فن الكهرباء مدة عشر سنوات.

وقد نشر ذلك في حينه... وبعد أن تعددت شهادات علماء الغرب في أفضلية مبادئ العالم العربي، ابن الصبّاح العاملي، اضطر أولياء الشأن في شركة الكهرباء العامة في سكنكتدي في ولاية نيويورك لدعوة كل المهندسين الذين كانوا يعارضونه إلى اجتماع كبير عقد في مكتب الشركة وذلك في سنة 1932.

وهناك دارت رحى الجدال. ومع أنه لم يكن له بينهم نصير فإنه أفحمهم بنظرياته وتجاربه العلمية. وحين انتهت الجلسة قام رئيسه العالم ألبرت هل وقال:لقد تبين الآن أن نظريات الصبّاح لا وهن فيها. وهي متينة من الوجهة العلمية....

وكان الفوز في النهاية بجانب ابن الصبّاح. فخرج المهندسون مطأطئي الرؤوس، واضطروا لتطبيق نظرياته في جميع معاملهم ومؤسساتهم.... وبعث المهندس الكهربائي والمخترع لأهم الآلات في التلغراف اللاسلكي والراديو المستر الكزدوس تقريراً إلى رئيس شعبة الاختراعات في الشركة العامة ينطبق على مبادئ ابن الصبّاح ويقول أنها نجحت نجاحاً تاماً».

من غرائب سيرة الصبّاح أنه، برغم كل ما عرف به في كل الأوساط العلمية من كفاءة علمية كبيرة، ومن تفوق في المجالات العلمية التي كانت من اختصاصه، لا سيما خلال عمله في شركة جنرال إلكتريك، فإنه كان يعيش في ظل الفاقة والعسر. ويبرز ذلك بوضوح في رسائله إلى عائلته، التي ننقل بعض فقرات منها، نشرها يوسف مروّة في كتابه «الصبّاح عبقري من بلادي».

«سيدتي الوالدة: أعيد الآن إلى مخيلتي تلك الأيام المملوءة بالحزن والحسرات وأتمنى استبدال أيامي الحاضرة بها، وما ذلك إلا لسبب واحد وهو أنت أماه. كنت كلما حامت حول دماغي شظايا الكدر والحزن وغبار اليأس وغمام الخيبة أسبلت عليه رذاذاً من حنانك ونصائحك حتى أعود كأني ولدت من جديد.

كثيراً من عظاتك ونصائحك رسخت في دماغي ولم آبه بها نظراً لغرور فاسد وادعاء فارغ كان فيّ (وأظنه موجود في كل رجال بلادنا) حتى رجعت الآن لنفسي وأخذت أعيد عليها ما تركته فيها من الآثار، فرأيت إني بحاجة قصوى إليك أمي. الآن أشتغل في شركة جنرال إلكتريك، وأحاول ترتيب خطة أمينة أسير عليها. وهذا همي في ظرف هذين اليومين.

وقد فشلت في بعض الأمور كوني لست بأميركاني التبعة. إن مجرد تفكيري فيك يمنع عني بوادر اليأس. فكلما فسدت خطة من خططي، أحاول ترتيب أخرى وأمشي إليها بجد وعزيمة. الشهادة هنا هي كل شيء لاستلام شغل، وهي لا شيء بعد استلامه. ولو لبّى دعوتي علي حسين لكنت الآن مشرفاً على النجاح، ولفتحت بوجهي كل طرق الكسب، ولكن من الخطأ التفكير بما لم يكن، بل يجب محاولة ما يمكن أن يكون».

«سيدي الوالد: إن الشعب في البلدة التي أنا فيها منحط سافل لدرجة تفوق حد الوصف، والمعيشة فيها صعبة جداً، وبنوع خاص على من يتمسك بأهداب الفضيلة والعفة، نظراً لسوء أخلاق أهلها وريائهم ومداولة الكلام السافل والأفكار البذيئة بين جميع طبقاتهم. والسبب على ما أظن، كون أغلبية سكانها عمالاً، فقبح الله الديمقراطيات التي على شاكلتها.

أسأل الله ألا يطيل بقائي بها (4 آذار-مارس 1925)...... لقد أرسلت الشركة اختراعاتي في الرؤيا باللاسلكي إلى واشنطن ليصدق عليها من قبل الحكومة. وقد دفعت الشركة عن كل اختراع ريالاً واحداً. ليس بعد السعي إلا الاتكال على الله وحده فهو خير المعتمد الذي يجب أن أرجع إليه، لا الرئيس ولا غيره.

وإن الواسطة الوحيدة التي يجب أن أعتمد عليها في كسب ثقة الرئيس الإخلاص في العمل واستخدام الموهبة الإلهية العليا وهي العقل السليم (30 آذار-مارس 1925)..... تكاد نفسي أن تزهق من بقائي في هذه البلدة. فإن أهلها الساقطين لهم أدمغة البراغيث، وأخلاق القرود، وألسنة حادة لا يجردوها إلا على من كان غريباً وحيداً مثلي. ولهذا فأراني بحاجة ماسة إلى فرصة أسبوعية أصرفها في خارج البلدة.

وعسى أن يخرج الله من العسر يسرا. وقد ثبت لي الآن أن الرئيس الذي أشتغل معه ومن حوله جماعة ساقطي الأخلاق. ولو علمت ذلك من البدء لما مكثت هنا ولما قبلت الوظيفة، ولكنني الآن كبالع الموس لا يمكنني أن أترك العمل ما لم أترك أثراً يذكر ويكون عوناً لي في طلب شغل آخر. (11 حزيران-يونيو 1925)....

لقد حاول رئيسي أخذ المسألة بالخلط ولكن حبل الكذب قصير. فقد فشلت طرقهم، واحترقت أهم أجزاء الآلة بعد أن ابتاعتها الشركة بمبالغ باهظة ورأيت أن الرئيس يعود إليّ. فوضعت اختراعاً آخر أعتقد بأنه سيكون الحل الوحيد للمسألة. وهو راضٍ الآن بإخراجه إلى حيّز العمل، فعسى يأتي بالمرغوب. (18 حزيران -يونيو1925)...»

تعرّف الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي في نيويورك في عام 1929 إلى حسن كامل الصبّاح. كما تعرّف منه ومن الأخبار التي راجت عنه إلى موهبته العلمية. فكتب عنه في جريدة «السمير» التي كان يصدرها مقالاً تحدث فيه عن الصبّاح بكثير من الإعجاب، وبكثير من الألم لكون عباقرتنا منسيين في أوطانهم. وفيما يلي فقرة من هذا المقال الذي استشهد به سعيد الصبّاح في كتابه الآنف الذكر:

«يكبر شأن ذي الموهبة ويصغر لا على قدر موهبته بل على قدر ما في بيئته وزمانه من الاستعداد لتقدير تلك الموهبة واستغلالها. فمن البيئات ما يمسخ المواهب الجميلة، ويحوّل خمرها إلى خل، ووردها إلى عوسج. ومنها ما يقتلها كما يقتل الماء المالح الرياحين... والموهوب الذي يولد قبل زمانه، أو في غير مكانه، يعيش غريباً.

ويموت غريباً. وكثيراً ما اضطهد كأنما هو عدو أو مجرم... جئنا بهذه التوطئة لندل قومنا على نابغة سوري كبير، على نبي في غير أمته وبلاده، على عبقري لو كان فرنسوياً أو إنكليزياً أو أميركياً لكان اسمه الآن ملء الأفواه، وسيرة حياته ملء الكتب.... هو حسن كامل علي الصبّاح السوري العربي الموظف في شركة الكهرباء العمومية في بلدة سكنكتدي من ولاية نيويورك.

ليست مواهب هذا الشاب من المواهب العادية، ولا هو من النوابغ في الشعر والموسيقى والتصوير أو غيرها من الفنون التي يعتبرها بعضهم من غير الضروريات. وإنما هو رياضي كبير، ومخترع قليل النظراء حتى في الوسط الأميركي. إنما اسمه لايزال خفياً كأنه مشمول بضباب كثيف، وذنبه أنه شرقي وهذا يبرهن لنا فساد القول الشائع من أن العلم لا وطن له...».

جدير بالذكر أن الصبّاح، كما يشير إلى ذلك يوسف مروة، لم يكتف باهتمامه بالشأن العلمي وحسب. بل هو اهتم بالقضايا العامة التي تعني بلاده، السياسية منها والاجتماعية والفكرية. وقد اتقن، إلى جانب اللغة العربية، أربع لغات، إتقاناً تاماً، كالناطقين بها، هي الإنجليزية والفرنسية والتركية والألمانية. وكان قبل وفاته قد بدأ يدرس الروسية واليونانية.

وساعدته هذه اللغات جميعها على امتلاك المعارف من مصادرها. وقد عبّر، من خلال مراسلاته مع أصدقائه ومع أهله، ومن خلال المقالات التي كان ينشرها في جريدة «السمير» لصاحبها الشاعر إيليا أبو ماضي وفي مجلات «المقتطف» المصرية، و«العرفان» اللبنانية، والمجلات والصحف العربية والأميركية، عبّر عن أفكاره في كل القضايا.

وكانت له آراء في الدين والفلسفة والمرأة والأخلاق والسياسة في بلاده، والسياسة في الولايات المتحدة الأميركية. وهي آراء ومواقف تشير إلى أنه لم يكن عالماً وحسب، وإنما كان إنساناً بكل المعاني، وصاحب أفكار ومواقف.

لن أدخل هنا في تعداد اختراعات الصبّاح وهي كثيرة، كما أشرت إلى ذلك. لكن ما يهمني أن أشير إليه هو أن هذه الاختراعات التي كان يتقاضى دولاراً واحداً عن كل اختراع منها من قبل شركة جنرال إلكتريك، قد تحولت من اسمه إلى اسم الشركة.

ولم يتصدّ أحد ليعيد إلى الصبّاح حقوقه في اختراعاته، في وطن لا يعرف كيف يكرّم عباقرته وكيف يوظف عبقرياتهم في خدمة بلدانهم. بل أن من أطرف ما جاء في رسالة رئيس شركة جنرال إلكتريك إلى أهله بعد وفاته أن للصباح ديناً على الشركة بقية اثنين وعشرين دولاراً، وأن الشركة تريد أن تعرف الوسيلة التي توصل هذا المبلغ إلى ذويه.

لكن في هذه الطرفة ما يثير الغضب والألم في آن. هذا هو حسن كامل الصبّاح، العبقرية المنسية. وما أكثر عبقرياتنا المنسية، سواء في بلداننا، أم في بلدان الاغتراب.

بقلم: كريم مروة