تنتشر في مختلف أنحاء تمبكتو اليوم مكتبات خاصة تتوارثها عائلات علمية بالمدينة وتزخر بمئات المخطوطات النادرة التي تغطي مختلف العلوم والآداب العربية والإسلامية، وتستقطب هذه المكتبات سنويا عشرات الباحثين العرب وخاصة الأجانب الذين يقدمون الدعم لأصحابها للمحافظة على هذه الكنوز ورغم ندرة الزيارات العربية إلى تمبكتو.

إلا أن لمسة دبي بدت حاضرة وبقوة في عديد المكتبات التي يدعمها مركز جمعة الماجد من خلال إقامة الورشات العصرية لمعالجة وترميم المخطوطات ومن أبرزها مكتبة مما حيدرة التي تفخر باحتوائها على أحدث مركز معالجة المخطوطات في غرب إفريقيا بدعم إماراتي. ويعد مركز أحمد بابا التمبكتي من أهم المراكز التاريخية في المنطقة والذي تم إنشاؤه بدعم من اليونسكو حيث يضم نحو سبعين ألف مخطوطة نادرة تعد قبلة للباحثين الأفارقة والغربيين الذين يقبلون على زيارة هذه المراكز ويمضون داخلها الساعات الطويلة يوميا.

وقد أسهم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وحركة التجارة النشطة التي شهدتها تمبكتو في بناء شخصية فريدة لأهلها لا تزال تحتفظ بخصوصياتها إلى اليوم وهي القدرة على التسامح والقبول بالآخر ومعاملة الوافد على المدينة بمنزلة ضيف مبجل وهو ما شجع عديد الأعراق على التجانس والانصهار في كيان واحد وهو ما أكسبها علاقات حسن جوار مع المناطق المجاورة لها وجنبها العداء المستفحل الذي كانت تعاني منه الممالك الإفريقية الأخرى المجاورة.

وهذه الأرضية من التعايش شعت على ازدهار حركة علمية وثقافية نادرة حيث اقبل الجميع على المدارس التي أنشئت بالعشرات وأقيمت المساجد والزوايا لاستيعاب طالبي العلم. كما أنشئت المكتبات التي شهدت حركة تبادل واسعة من علماء الشرق وخاصة القاهرة والشمال الإفريقي، وبرز في تمبكتو علماء وفقهاء بلغت شهرتهم العالم مثل الفقيه أحمد بابا التمبكتي صاحب المخطوطات النادرة.

وتحولت تمبكتو إلى مركز حضاري إسلامي يتجه إليه الأفارقة لتعلم أصول الإسلام ودراسة فقه الأمام مالك، وقد عرفت تمبكتو قبل غيرها من البلاد المناهج التعليمية منذ قرون حيث يسرت العلم وجعلته مجانيا للجميع وتم تقسيمه إلى تعليم ابتدائي وثانوي وعالٍ، إلى جانب علوم القرآن الكريم.

وكانت بعض المساجد تحتوي على عدد من مراحل التعليم معا، فكان يجلس في جانب من الجامع طلبة القرآن مع تلاميذهم، فيما يجلس في الأقسام الأخرى طلبة التعليم الثانوي والتعليم العالي، وكانت مساجد تمبكتو ومدارسها تمنح الخريجين شهادات جامعية مثل التي يمنحها الأزهر الشريف في مصر والزيتونة في تونس والقرويين في فاس وهي شهادة الإجازة التي تخول حاملها التدريس.

رغم المحاولات الكبيرة التي تبذلها جهات دولية متعددة لإعادة مجد المدينة إلا أن مشكلاتها لا تختلف عن مشكلات غالبية المدن الإفريقية، وهي مشكلة التنمية، فوقوع المدينة جغرافيا شمال مالي وهي أكثر المناطق في البلاد تهميشا وفقرا جعل نصيبها من حركة التنمية لا يرقى إلى مستوى حفاظ الناس فيها على البقاء.

فالحكومة في مالي التي تعاني من حركة تمرد واسعة يقودها الطوارق شمال البلاد تلقي باللائمة على الكلفة العالية للمشاريع التنموية التي يتطلبها الشمال فيما لا تتناسب عائداته في الدخل القومي مع هذا الكم الكبير من الإنفاق وهو ما جعل تمبكتو تدخل النسيان من جديد بسبب معضلات لا شأن لها بها فكأن قدرها أن تلتحف برمال الصحراء ربما لإخفاء أسرارها التي لا تزال في حاجة إلى اكتشاف.

المدينة تأسست في القرن الحادي عشر ووصفها ابن بطوطة بالمزدهرة

تأسست المدينة في القرن الحادي عشر الميلادي وفي العام 1338 تم البدء في بناء مسجد جينقري بير على يد الإمبراطور كانكو موسى 1328 وفي عام 1353 زار الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة «شمس الدين أبو عبدالله بن محمد الطنجي» مدينة تمبكتو ووصف مدى ازدهارها في كتاباته متحدثا عن عمارتها ومسجدها الضخم سانكوري الذي تم بناؤه بمقاييس الكعبة الشريفة وتم تشيده بتمويل من امرأة من قبيلة لقلال.

وفي العام 1458 سقطت تمبكتو في يد سوني علي بير، إمبراطور صونغاي، لتسقط في 1590 إمبراطورية صونغاي وتنتقل المدينة بذلك إلى السيادة المغربية 1591 ومنذ ذلك التاريخ كانت المساجد في تمبكتو وعموم أنحاء الصحراء تدعو لسلطان المغرب وفي نهاية القرن السادس عشر الميلادي شهدت المدينة ثورة عارمة على السلطة المغربية جوبهت بالقمع الشديد وتم إبعاد كبار العلماء، من بينهم أحمد بابا، إلى مراكش.

وفي عام 1825 قام اهل أزواد بطرد المغاربة من تمبكتو لتسقط المدينة من جديد بعد عام واحد في يد إمبراطورية ماسينا. وفي عام 1844 قتل التمبكتيون الماجور قوردين لينغ على خلفية تجارته في العبيد وفي عام 1828 وصول الفرنسي ريني كاي إلى المدينة مختفيا في لباس عالم مسلم مثيرا ضجة كبيرة في أوروبا لتتواصل رحلات المستكشفين الأوروبيين حتى دخول الاستعمار الفرنسي لتمبكتو في الثاني عشر من فبراير 1914.

وتتميز مدينة تمبكتو بطابع معماري فريد في أبنيتها التي يعتمد فيها البناؤن على الطين والرمل دون غيره من المواد والجير الأبيض دون غيره من المواد الأخرى حيث يتم إنشاء أحواض تنقع فيها كميات من الأتربة وتخلط بالماء وتترك لمدة أسابيع ومن ثمة يتم وضعها في قوالب لتجف وتستخدم في البناء.

ومن مزايا هذه الطريقة البدائية التي ما تزال تستخدم إلى اليوم حفاظها على جو بارد صيفا ودافئ شتاء كما تتميز المدينة بالحرف اليدوية حيث يقيم أهل هذه الحرف تنظيمات مهنية على رأس كل قطاع فيها شيخ يعرف بشيخ الحدادين أو شيخ النجارين أو شيخ البنائين.

ويتم توريث هذه المهمة دوما لأكبر الأبناء لذلك تتكون المدينة من فئات اجتماعية ترتبط بهذه المهن وما تزال إلى اليوم الورشات البدائية للنسيج والفخار والحدادة وتستخدم الوسائل القديمة بما في ذلك مصاهر الألمنيوم لصناعة الأواني والأدوات المنزلية.