أبلغت إيران القوى الكبرى استعدادها للتفاوض على حزمة الحوافز الاقتصادية الجديدة المتعلقة بالحدّ من نشاطها النووي.

لكن شرط أن تنظر بجدية لمقترحات طهران، لكن منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا أوضح انه لم يتسلم بعد رد إيران الرسمي، بينما يرى بعض المحللين ان سلوك إيران يفتقر إلى الوضوح، وان هناك احتمالا أن تكون طهران ترغب في جس النبض وربح الوقت قبل الفصل في خياراتها، لضمان عدم تحرك الدول الغربية ضدها واستصدار قرار عاجل لعقوبات رابعة ضدها. وقال وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي في مؤتمر صحافي على هامش مؤتمر وزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي في العاصمة الأوغندية كمبالا «إن مجموعة الدول الخمس زائد واحد، التي تضم الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، ينبغي عليها أن تنظر لمقترحات طهران بجدية.

مشيرا إلى بأنه تم ابلاغ القوى الكبرى باستعداد إيران للتفاوض، مضيفا «العرض الذي طرحته دول مجموعة (5+ 1) هو قيد الدراسة حاليا وفي الوقت المناسب ستعطي طهران ردها». وأضاف «ان على الولايات المتحدة التوقف عن إلقاء المحاضرات على إيران بشأن طموحها النووي». وتابع «أميركا ليست في وضع أن تكون سعيدة أو مستاءة بشأن برنامجنا النووي السلمي. انها دولة تختبر حاليا قنابل نووية من الجيل الخامس». وشدد متقي انه يجب على واشنطن «أن تقصر نفسها على حدودها وتوقف التدخل في الأمم الأخرى. زمن إصدار الأوامر للأمم الأخرى قد ولى. سنواصل مباشرة حقوقنا بالتأكيد».

في غضون ذلك، صرح منسق الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا أمس في بروكسل بأن الاتحاد لا يزال في انتظار رد إيران الرسمي على عرض الحوافز الذي يهدف إلى إقناع طهران بوقف برنامجها لتخصيب اليورانيوم.

وأضاف سولانا «حتى الآن لم نتلق الرد»، قائلا في الوقت ذاته «إننا نتطلع لتلقي الرد» وكان سولانا قدم لإيران سلة من الحوافز نيابة عن الاتحاد الأوروبي وألمانيا والدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن (وهي روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين) خلال زيارته لإيران مطلع الأسبوع الجاري.

وفي الوقت نفسه لا يزال الاتحاد الأوروبي ينظر ما إذا كان سيتعين فرض عقوبات جديدة ضد إيران كما طلبت الولايات المتحدة. وتقول إيران انها مستعدة لمناقشة عرض الحوافز لكن طهران تبدو في غير عجلة للرد.

كما يعتقد أن إيران تستخدم تكتيكات التأجيل حتى تمضي قدما في أنشطتها الذرية. وقال مسؤول إيراني أمس ان الوقت في صالح إيران. وقال المسؤول الذي شارك في المحادثات مع سولانا بطهران رفض الكشف عن اسمه «سنستعرض العرض لكن ليس الجزء الخاص بتجميد التخصيب... اننا نمضي للأمام في عملنا وقدرة إيران النووية تتزايد بثبات». وأضاف: «كل يوم يمر نصبح أكثر تطورا في التكنولوجيا النووية.. هذا يعطينا اليد العليا في لمحادثات». وتابع «رد إيران لن يكون اجابة مباشرة بنعم أو لا وأضاف أنه سيكون ردا قابلا للمناقشة».

ويقدم عرض الحوافز لإيران فرصة تطوير برنامج نووي سلمي بمفاعلات الماء الخفيف التي ينظر اليها على أنها أصعب في تحويلها لصناعة القنابل من التكنولوجيا التي تطورها طهران حاليا. كما يقدم ضمانات ملزمة قانونيا بإمدادات وقود. ويقدم العرض كذلك مزايا تجارية ومزايا أخرى تشمل إمكانية شراء إيران طائرات مدنية من الغرب.

وكانت قرارات العقوبات الثلاثة محدودة الأهداف نسبيا حيث شملت استهداف أفراد وبعض المؤسسات ذات الروابط العسكرية وعدة بنوك. ورغم أن محللين يقولون ان العقوبات كان لها بعض التأثير الاقتصادي لكن إيران تنفي ذلك قائلة ان عوائد بيع النفط غير المتوقعة امتصت صدمة العقوبات.

وقال مارك فيتزباتريك الخبير في شؤون الحد من انتشار الأسلحة النووية لدى معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن «ان التهديد بالعقوبات لا يشكل ضغطا ماليا كبيرا على إيران التي أعدت نفسها لمواجهة ثمن فقدان إمكانية الحصول على تمويل».

وتساءل فيتزباتريك: «هل إيران كسبت ؟ بالإمكان القول ان مجلس الأمن فشل في زحزحتها عن موقفها ولكنها دفعت ثمنا. ما زال الإيرانيون يحاولون الوصول إلى هدفهم المفترض وهو القدرة على إنتاج أسلحة نووية. وليس واضحا ان كانوا يريدون تحقيق هذا الهدف فعلا. حاليا ما زالوا يواجهون صعوبات تقنية كما يبدو في عملية التخصيب وربما كان عليهم التخلي عن تكنولوجيا الطرد المركزي المستخدمة حاليا للتخصيب، وهذا قد يؤدي إلى إبطاء العمل».

وبذلك بدا أن الإجماع الدولي على وضع قيود على تطور إيران النووي تبلور في صورة قرارات عكست روحا جديدة في الأسرة الدولية حيال ما استشعرته تلك المجموعة الدولية من ان البرنامج الذي يوصف عادة بأنه مثير للجدل ماض في طريقه كقطار «بلا كوابح» كما وصفه مرة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد.

وبالطبع لم تكن الكوابح هي تلك الخطوات التي اتخذها مجلس الأمن منذ إحالة الملف النووي إليه في اوائل عام 2006 لكنها كانت بمثابة علامات إشارية على الطريق بأن يهدئ القطار من سرعته من خلال الجولة التي قادت أخيرا الرئيس الأميركي جورج بوش إلى أوروبا لحشد التأييد لإقرار عقوبات قاسية ضد إيران في حال رفضها عرض التحفيزات.

ويبدو أن إيران قد فهمت الدرس وتسعى إلى الابتعاد نوعا ما عن سياسة التحدي التي لم تجلب لها الا العزاة والبحث عن منافذ جديدة تسهل لها التفاوض من جديد حول ملفها النووي دون تقديم تنازلات. وهي الآن تمارس سياسة التهديد باستئناف عمليات تخصيب اليورانيوم العالم في حالة تخمين لنواياها واضطرت خصومها بذلك للوقوف في حالة تأهب.

وتراوحت المواقف الإيرانية بين المرونة والتشدد دون ان تصل أبدا إلى نقطة اللاعودة رغم التصريحات النارية والمواقف المتشددة لأحمدي نجاد والتي وصفها البعض بأنها تمثل سياسة حافة الهاوية. وفي الحقيقة، كما الجانب الإيراني، فقد حرص الطرف الرئيسي الثاني في لعبة شد الحبل النووية وهو الولايات المتحدة بدوره على عدم الوصول إلى نقطة اللاعودة رغم انها لوحت كثيرا باستخدام الخيار العسكري.

فلا إيران انسحبت من معاهدة حظر الانتشار النووي، وهو ما هددت به كثيرا، ولا الولايات المتحدة شنت ضدها عملا عسكريا. ويتفق محللون على أن استراتيجية إيران التفاوضية هي استثمار المفاوضات الدولية لكسب الوقت وتحصيل أكبر قدر من المكاسب التقنية، على خلفية التناقض في مصالح الأقطاب الدولية.

ويرى المحللون لهذه الأزمة أن الإدارة الأميركية لم تغير موقفها، وعلى الأرجح لن تغيره حتى لو تأكد لها تماما أن إيران أوقفت فعلا برنامجها النووي العسكري، لان القضية لم تعد فيما إذا كانت إيران تستهدف من برنامجها النووي ما هو ابعد من الاستخدامات السلمية.

وإنما القضية الآن هي قرار الولايات المتحدة ومن خلفها حلفاؤها الغربيون بعدم السماح لإيران بامتلاك أسرار الطاقة النووية التي يمكن في أي وقت توظف لإنتاج أسلحة ذرية حين يصبح المناخ الدولي مواتيا ولان القوى الغربية تراودها الشكوك تجاه رغبة إيران في فرض هيمنتها الإقليمية في منطقة شددية الحيوية تتقاطع فيها المصالح.

سلوك إيران يفتقر إلى الوضوح، وبذلك فلا أحد يعرف كيف عليه أن يستجيب: لا الولايات المتحدة ولا الدول الأوروبية التي تتفاوض مع طهران ولا حتى وكالة الطاقة الدولية أو روسيا أو الصين أو الأمم المتحدة. قد يكون السبب أن طهران تشعر أن مفاوضتها مع سولانا لم تؤد إلى نتيجة وربما كانت خطوتها هذه تهدف إلى ممارسة ضغط من أجل التقدم بالمحادثات.

وقد يكون لاقتراب الانتخابات الرئاسية الإيرانية دور في ذلك، فقد أوضح جاري من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: «أعتقد أن الإيرانيين سينتظرون إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية، ولكنهم قد يكونون يريدون التعجيل بالمواجهة. قد يعتقدون أنهم أقوياء على أي حال. ربما يريدون استئناف التخصيب الآن والتوقف عنه لاحقا. لكنه أشار إلى أن طهران بالتأكيد سيكون ردها غامضا حول حزمة الحوافز.