لا يكاد يخلو أي اجتماع عربي عن الحديث عن ملف اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، الكثير من الأطروحات والحلول ومن ثم اغلاق الملفات وايداعها الأدراج، ليس لأن هذه القضية شائكة وكل دولة تعتبر نفسها الوصي على اللاجئين على أرضها وحسب، بل لأن القلق ينبعث من فتح ملفات قديمة تعود الى جذور المشكلة، التي يجب أن نعترف بعد مرور 60 عاما كما يفعل العالم المتحضر في محاسبة أخطاء الماضي التي لم يعد من كتمانها دواع أمنية أو سياسية.

حين وقعت النكبة لا أحد يستطيع أن ينفي اليوم أن الجيوش العربية دعت الفلسطينيين الى مغادرة قراهم والعودة اليها بعد أن يتم تحريرها من العصابات الصهيونية، وغادر مليون ونصف ولم يعد أحد، بل باشرنا ببناء الخيام، لم نصارحهم منذ البداية أننا فشلنا في استعادة قراهم وأن هذه الخيم ستبقى هي دار اللاجئ على مدى ستين عاما، وان تغيرت أشكالها وأصبحت من الطوب المتهدم كحال معظم المخيمات في الدول العربية.

لم يقف الحال عند هذا الحد، بل اتخذ بعضنا من طمس الهوية الفلسطينية منهجا، فيما رسخها آخرون لتبقى الركيزة التي يقيمون عليها أنظمتهم، وليستغل اللاجئ لاقامة أركان هذه الدولة التي تذكره صباح مساء، بأفضالها في حفظ هويته.

ولعل أفضل مثال على استغلالنا لهذا اللاجئ هو رميه في أتون أي حرب نقرر خوضها، ولا ناقة له فيها ولا جمل، ولعل أقرب مثال حاضر هو الغزو العراقي للكويت والذي دفع ثمنه الفلسطينيون كأفراد وجماعات بعد أن شردوا وحرموا من مصادر الرزق، وذلك حتى قبل أن توجه أصابع الاتهام للعراقي، الذي خرج من الحرب عائدا الى بلاده، بينما هجر الفلسطينيون من الكويت.

كما أن الحرب الأهلية اللبنانية التي كان أبطالها لبنانيون، دفع ثمنها الفلسطيني خلال الحرب على شكل مجازر مروعة حتى ممن أدعوا أنهم رفقاء سلاح يوما ما وحامون لقضيته، والنظرية القائلة، ان للفلسطيني في هذه الحرب دور رئيسي، هو مغالطة كبيرة.

وهنا نعود الى النقطة الآنفة في كيفية ترويض اللاجئ واستغلاله، وهو ما مارسته تنظيمات قومية ويسارية في لبنان، ولعل الجريمة الكبرى التي ارتكبها الفلسطيني هي تصديقه لأحلام العودة التي زرعها هؤلاء أمامه برؤية مثالية تتلخص في الوطن السليب واللاجئين المشردين، ولكن للأسف حتى هذه التنظيمات كانت لها أجندات أخرى وكان المقاتل الفلسطيني هو مطيتهم اليها. ورغم أن الحرب الأهلية انتهت وأصبح أبطالها نواب ووزراء، منع الفلسطيني من العمل، حتى وصل الأمر الى عمله في مهن وضيعة وشاقة مقابل أجور زهيدة، لأن رب العمل يستغل حاجته ويشغله دون ترخيص.

الأمر الآن لم يعد كما في السابق فهذا اللاجئ تعلم من تجاربه المريرة مع العرب، أن لا مكان له في هذا العالم غير بلاده السليبة واذا استمرينا في استغفالنا له فاننا نزرع مستقبلنا بقنابل موقوتة ولن ينجح القمع والقتل هذه المرة، فالفلسطيني يحمل ارثا ثقيلا يورثه لأبنائه جيلا بعد جيل وحين تهب ثورة المظلوم أمام كل غاصبيه، ولنتفادى ذلك المصير المظلم، يجب أن نسعى الى تحسين حياته في الشتات وضمان العيش الكريم له والعمل على حفظ حقه في العودة الى بلاده من خلال تدعيم موقف المفاوض الفلسطيني في الجزء الأهم من القضية.

اسماء المنصوري