يواصل ماكليلان فضحه لأساليب الإدارة الأميركية من أجل تسويق الحرب على العراق، مؤكدا أن بوش لم يكن صريحا أو مباشرا بشأن القضية وأنه اعتمد الدعاية على نحو بالغ لتمرير مشروعه للغزو.
وحسب رؤية المؤلف فإنه إذا كان من الصعب على أحد أن يجزم كيف سينظر إلى الحرب بعد عقود من الآن، فإن رأيه هو أن الحرب يجب أن تشن عندما تكون ضرورية، فيما أن الحرب على العراق لم تكن كذلك. وعلى ذلك وفي إطار تعزيز روايته لزيف مواقف الإدارة في فترة ما قبل الحرب يشير المؤلف تأكيدا لكذب قضية مساعي العراق الحصول على يورانيوم مخصب من النيجر إلى أنه في 7 مارس 2003 كان تفجير محمد البرادعي رئيس وكالة الطاقة الذرية لمجلس الأمن لقنبلة مؤداها أن هذه المزاعم غير حقيقية وأنه ليس هناك دليل عليها.
وهنا فإن ماكليلان يبدي دهشته من أن هذه الشهادة التي تدحض هذه الكذبة على الملأ لم توقف الاندفاعة نحو المواجهة العسكرية فكانت الحرب في 19 مارس من العام ذاته. ويلحظ القارئ استحواذ هذه القضية المتعلقة بالتزييف الذي جرى بشأن أسلحة الدمار الشامل على قدر كبير من اهتمام المؤلف في إطار ما يراه أنها مثلت الأساس الذي تم بناء عليه كل المشروع الأميركي للغزو فيذكر أنه في 31 مارس سلط الكاتب الصحفي المشهور سيمور هيرش والمعروفة بصلاته الواسعة مع الوسط السياسي الأميركي المزيد من الضوء على زيف الادعاءات الخاصة بقضية يورانيوم النيجر. غير أن هيرش لم يكن يمتلك معلومات محددة مثل تلك التي استطاع نيكولاس كريستوف في النيويورك تايمز التوصل إليها، الأمر الذي أثار البيت الأبيض وأدخله في دوامة من المشاكل انتهت بقضية التحقيق مع بعض مسؤوليه.
الكشف عن التضليل ... نشر كريستوف مقالا معتمدا على مصدر مجهول لم يحدده، وإن كان يتسم بالمصداقية يشير من خلاله إلى أن الإدارة تعمدت تضليل الأمة بشأن الحرب على العراق. فقد أخبر سفير أميركي سابق في أفريقيا كريستوف بأنه تم إرساله إلى النيجر من أجل توضيح الموقف بناء على طلب مكتب نائب الرئيس بشأن سعي العراق إلى الحصول على يورانيوم. وقد كتب كريستوف أن المبعوث المجهول أخبر السي أي ايه ووزارة الخارجية أن المعلومات خاطئة تماما وأن الوثائق مزورة. وحسبما يشير المؤلف فإن كريستوف يؤكد رغم كل ما تم الإشارة إليه بشأن القضية أن الإدارة كانت تعلم بزيف قضية اليورانيوم من النيجر.
وعزز من ذلك أنه فيما كانت القوات الأميركية تخوض الحرب في العراق، ووسط تزايد التوقعات بالكشف عن أسلحة الدمار الشامل، لم يتم العثور على أي شيء يؤكد المزاعم الأميركية.
ومن هنا كان الأمر بمثابة فضيحة للإدارة عززت التصورات بأن الرئيس وإدارته خدعا الكونجرس والرأي العام من اجل تمرير قرار الحرب على العراق. وبدأت الاتهامات للرئيس بأنه تعمد تضليل الأمة بالمبالغة في المعلومات الاستخبارية من أجل تبرير الحرب.
وكان منتقدو الحرب في أفضل الأحوال يرون أن الرئيس لم يكن واضحا بما فيه مع الشعب الأميركي بشأن القضية وكان الاعتقاد السائد بأنه ومستشاروه ربما تجاهلوا أو غضوا الطرف عن التحذيرات والتناقضات في الأدلة بشأن القضية من أجل جعل تهديد العراق يبدو أكثر خطورة عما هو عليه في الواقع وأنهم بذلك أوجدوا شعورا بكونه حالة طارئة تستدعي التدخل السريع وهو ما مكنهم من الحصول على المساندة الشعبية اللازمة.
التحرك لمواجهة الفضيحة
وسط هذه التطورات بدأ تحرك البيت الأبيض وبالتحديد مكتب نائب الرئيس تشيني العمل على مواجهة التصريحات التي نشرها كريستوف من خلال عمل عدواني في ضوء ما يمثله من خطورة على مصداقية نائب الرئيس بالتحديد إزاء الدور الكبير الذي لعبه في هذا الصدد وبدأت العمليات على هذا الصعيد مايو 2003.
ومن خلال التحريات علم مكتب تشيني بطبيعة المصدر المجهول الذي زود كريستوف بالمعلومات وهو جوزيف ويلسون الذي سافر إلى النيجر على خلفية القضية. ومستغلا توصيف «مصدر مجهول» بدأ مكتب تشيني وبشكل خاص سكوتر ليبي على الفور جهدا لتقويض مصداقية ويلسون من خلال مجموعة منتقاة من الصحفيين.
وفي هذا الخصوص قام ليبي ومجموعة أخرى من كبار مسؤولي البيت الأبيض ومنهم حسب المؤلف ريتشارد أرميتاج وكيل الخارجية الأميركية وكارل روف وآري فليشر بتسريب اسم زوجة ويلسون ..فاليري بالم..باعتبارها عميلة سرية للمخابرات الأميركية وأنها سهلت أمر زوجها في الحصول على مهمة العمل في النيجر.
ومن المفارقات أنه بالعودة إلى تصريحات تلك الفترة نجد أن ماكليلان يصف هذه الاتهامات بأنها سخيفة. يقول المؤلف: لقد كان لهذا الأمر تأثير بعيد المدى على مصداقية إدارة بوش، وهو الموقف الذي يحاول ماكليلان الدفاع فيه عن نفسه بالإشارة إلى أنه حتى ذلك الوقت كان نائب المتحدث الصحفي للبيت الأبيض، وأنه كان سيحل محل آري فليشر الذي قرر الرحيل.
وعلى ذلك لم تكن واجباته تسمح له بأن يكون على اطلاع بشأن الجهود التي يبذلها مجهولون من أجل تقويض مصداقية ويلسون وأنه كان يصدق رؤساءه في العمل، ولم يكن لديه سبب لكي يشك في نزاهة الرئيس. ويقدم لنا عريضة دفاع يصعب على القارئ أن يصدقها، مشيرا إلى أنه لم يتصور أن يكون له دور في مثل هذه الدراما التاريخية.
بوش جيد..ولكن
من هذه الرواية التي تمثل فضحا لما قام به مسؤولون رئيسيون في البيت الأبيض في الترويج للمزاعم الوهمية بشان مسعى الحصول لتطوير أسلحة دمار شامل باستخدام يورانيوم مخصب من النيجر، ينقلنا المؤلف إلى جانب آخر يتعلق بتصوره للرئيس بوش والآمال التي كان يعلقها عليه على صعيد توجهات السياسة الأميركية.
في هذا الصدد يقول المؤلف: إننا إذا كنا نطمح إلى قادة عظام يقومون على مهام تحقيق الرؤى المثالية التي نحلم بها، فإن هؤلاء القادة وجدوا على أرض الواقع في الولايات المتحدة.
وفي وصلة امتداح لبوش يقول إنه رغم أنه لم يكن يرى فيه الطبيعة الكاريزماتية أو الزعيم الملهم عندما عمل معه للمرة الأولى فإنه كان يرى أن بوش يمتلك ما يكفي من الصفات لكي يكون رئيسا جيدا إذا لم يكن عظيما، وهو ما جعله يرحب بعرض الرئيس في 1999 أن يكون ضمن فريقه، حيث اعتبر العرض بمثابة فرصة لأن يكون جزءا من مشروع كبير.
وزاد من حماسه سجل بوش في تكساس على نحو جعله يعتقد أنه يمكن له أن يغير من السياسات في واشنطن. ولكن الواقع جاء إلى حد كبير مخيباً للآمال، وهو ما يؤكد عليه من خلال رواية فصل ثانٍ من فصول قصة غزو العراق يتعلق بمساعي الإدارة لتسويق الحرب.
وفي هذا الإطار يستعرض المؤلف تفاصيل مرافقته لبوش في رحلة إلى أيوه في 16 سبتمبر 2002، مشيرا إلى أن بوش كان قد ألقى كلمة قبل تلك الرحلة مباشرة أمام الأمم المتحدة، اعتبر مضمونها مؤشرا على انطلاق جهد أميركي لحشد المجتمع الدولي ضد العراق على النحو الذي يدعم القيام بعمل عسكري ضده.
ويقول المؤلف إن بوش لخص الموقف ضد النظام العراقي بزعامة صدام على النحو التالي: معاملته الوحشية لمواطنيه العراقيين وعمليات الخداع التي يمارسها وعدم احترام القرارات الأمم المتحدة التي تطالبه بإزالة أسلحته الكيماوية والبيولوجية وسعيه للحصول على أسلحة دمار شامل، ومساندته للإرهاب.
كل ذلك كان يضع العراق من وجهة نظره في مرتبة تمثل خطرا يجب مواجهته ويصعب تجاهله خاصة فيما بعد أحداث سبتمبر. وعلى ذلك أعلن بشكل لا لبس فيه عن نواياه، والتي مثلتها السياسة التي قررها منذ شهور مضت.
الصراع على الأمم المتحدة
كانت الخطة وفق السيناريو الذي يرويه ماكليلان البدء بما يصفه بإطلاع الشعب على التهديد الذي يمثله العراق. ويقرر ماكليلان أن الرئيس وفريقه للأمن القومي وباقي المستشارين الآخرين استخدموا الأمم المتحدة كفرصة للتهويل من خطورة هذا التهديد وضرورة الإسراع بمواجهته.
ويؤكد المؤلف الفكرة التي أشار إليها الكثيرون خلال فترة الإعداد للغزو وتتمثل فيما كان يذهب اليه أركان في الإدارة من أن الضغط الدولي قد لا ينجح في إجبار صدام على الانصياع طواعية وأنه على هذه الخلفية كان تشيني يرى أن طريق الأمم المتحدة ليس له من ضرورة، وذلك استنادا إلى أن المرة الوحيدة التي انصاع خلالها صدام حسين إنما كانت خلال حرب الخليج الأولى عام 1991 حين استخدمت القوة.
غير أن هذه الرؤية لم تجد طريقها إلى النور في ضوء معارضة آخرين في الإدارة لها، وتأكيدهم ضرورة التأكيد للشعب أن الموقف الأميركي لا ينطلق من رغبة في الحرب وأنه سلك كافة الطرق الدبلوماسية من أجل تغيير مواقف النظام العراقي، وأنه على ذلك فإن الحرب الخيار الأخير.
وعلى هذا الأساس كان الإنذار الأخير من قبل بوش وفحواه أنه إما أن تتصرف الأمم المتحدة بدون تأخير وبدون أي نوع من التسامح أمام مزيد من الخداع من قبل النظام العراقي، وإما أن تقود الولايات المتحدة عملا عسكريا من أجل العمل على هذا الطريق.
استغلال الرأي العام
وفي إطار استعراضه للأجواء التي كانت تسود تلك الفترة يذكر ماكليلان أن الإدارة الأميركية أجادت استغلال حالة الرأي العام حيث كان يميل إلى تأييد مواقف البيت الأبيض في ضوء أحداث سبتمبر التي كانت حاضرة بقوة في ذهن المواطنين الأميركيين.
في هذا المناخ وخلال احتفال بذكرى تلك الأحداث راح بوش يدعو إلى نشر الحرية في العراق قائلا: لن نسمح لأي إرهابي او طاغية بتهديد الحضارة بأسلحة الدمار الشامل. الآن ومستقبلا سيعيش الأميركيون أحرارا من الخوف ولن يكونوا تحت رحمة أي تآمر أجنبي.
وعزز هذا التوجه للرئيس تزايد عدد من يرون ضرورة عزل صدام من خلال عمل عسكري حيث وصل إلى 74% في نوفمبر 2001 ولكن مع نهاية صيف 2002 ووسط تصاعد المخاوف من قبل حلفاء الولايات المتحدة بشأن تكلفة الغزو سواء على مستوى الخسائر البشرية أو المالية، فإن هذا التأييد تراجع إلى مستوى أغلبية هزيلة طبقا لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة جالوب من قبل صحيفة «يو إس أيه توداي». وإن كان الموقف في النهاية رجح موقف البيت الأبيض.
وعلى صعيد الأرقام يذكر ماكليلان أن أكثر من ثمانية بين كل عشرة أميركيين كانوا يعتقدون أن نظام صدام حسين يساند منظمات إرهابية تعتزم مهاجمة الولايات المتحدة وأكثر من تسعة من بين كل عشرة كانوا يعتقدون بأنه يمتلك ويطور أسلحة دمار شامل. كما أن الغالبية كانت تعتقد كذلك بأن صدام حسين متورط في أحداث 11 سبتمبر.



