يمثل هذا الكتاب الذي صدر أوائل الشهر الجاري صدمة كبيرة للإدارة الأميركية والرئيس بوش على وجه الخصوص.
وتنبع أهميته من أنه يعتبر بمثابة شهادة من داخل البيت الأبيض تكشف تفاصيل ما جرى في مرحلة من أخطر المراحل في تاريخ الولايات المتحدة والنظام الدولي بأسره ومثلت تحولات كبيرة اعتبر البعض أن من أهم ملامحها الانفراد الأميركي بإدارة دفة الأمور الدولية الأمر الذي انعكس في تطويع إرادة الأمم المتحدة لقبول مشروع غزو العراق. هنا يكشف لنا سكوت ماكليلان المتحدث السابق باسم البيت الأبيض ومن منطلق معايشته لتطورات تلك الفترة الكثير من الجوانب التي قد تبدو خفية على القارئ ويعرض لنا الكثير من تفاصيل العمليات التي دارت في كواليس البيت الأبيض وقادها بشكل أساسي صقور البيت الأبيض وعلى رأسهم تشيني الذي يصفه المؤلف بالساحر، على نحو جرت معه الأمور بما يصفه المؤلف بنشر «ثقافة الخداع» سواء على مستوى الداخل أو الخارج.
والخلاصة التي يؤكد عليها المؤلف هي أنه إذا كانت الحرب يجب أن تشن عندما تكون ضرورية فإن الحرب على العراق لم تكن كذلك، وهو ما يعني بالنسبة له أن تلك الحرب إنما كانت بأي الأحوال خطأ استراتيجيا. من البداية يحاول ماكليلان أن يضع القارئ في جوهر ما حصل في البيت الأبيض مقدما صورة كلية عن الأسلوب الذي جرى به إدارة دفة الأمور خلال حكم بوش يعبر عنها أفضل تعبير عنوان كتابه.. ثقافة الخداع في واشنطن. يذكر ماكليلان في هذا الخصوص على سبيل التمهيد أنه إذا كانت الإدارات الرئاسية واجهت على مدار التاريخ الأميركي فترات عاصفة من الحرب أو الفضائح، فإن جديد إدارة بوش وفق ما عايشه المؤلف، أنها واجهت الأمرين معا الحرب والفضائح، وعلى نحو يعكس قدرا من الترابط بينهما.
البداية مع بوش ... يصحبنا المؤلف في جولة سريعة على البدايات فيذكر أنه عندما طلب منه بوش في أواخر مايو 2003 العمل معه كمتحدث باسم البيت الأبيض في يوليو فإنه لم يكن يقدر على نحو تام المناخ الذي كانت عليه الأوضاع في واشنطن والمدى الذي ستصبح عليه الإدارة من حالة مثيرة للجدل والاستقطاب فيما بعد. ومع حلول أكتوبر بعد نحو ثلاثة شهور من بدء المهمة كان ماكليلان في الخطوط الأمامية للدفاع عن البيت الأبيض ومنغمسا في فضيحة متنامية شغلت الرأي العام الأميركي الذي بدأ بالكاد يفيق من فضائح الرئيس السابق كلينتون، وإن كان الأمر أسوأ هذه المرة. فقد بدأ الجدل يتزايد في الصحافة الأميركية بشأن دور البيت الأبيض في تسريب اسم فاليري بالم العميلة السرية للسي أي أيه ودور مسؤولين في الإدارة في ذلك عقابا لزوجها جوزيف ويلسون وتقويضا لمصداقيته جراء إدلائه بتصريحات إعلامية أشار خلالها إلى أن البيت الأبيض ضلل الرأي العام بشأن الحرب على العراق.
هنا يشير المؤلف إلى أن هناك العديد من المؤشرات على أن مسؤولين في البيت الأبيض لعبوا دورا في الكشف عن هوية بالم وهو ما يعني تورطهم في تسريب معلومات تصنف على أنها تمس الأمن القومي.
تطورت الأمور فيما بعد هذا الحدث الذي تم في 29 سبتمبر 2003 إلى الحد الذي بدأت معه تحقيقات من قبل وزارة العدل.
وقد دافع المؤلف بحرارة، حسبما يصف الموقف، خلال تلك الفترة بصفته الوظيفية عن البيت الأبيض، مؤكدا أنه ليس وراء عملية التسريب. وهنا يبدو حرص المؤلف على تبرئة نفسه سواء على مستوى رواية هذه القضية أو غيرها من القضايا الأمر الذي سنشير له بالتفصيل فيما بعد.
لقد راح ماكليلان يدحض المزاعم التي تؤكد أن كارل روف الذي نالته سهام الانتقاد كأقرب مستشاري الرئيس متورطا في التسريب وكذا لويس سكوتر كبير المساعدين السابقين لتشيني.
غير أن المؤلف يذكر أنه فيما بعد كان يحاول أن ينأى بنفسه عن التعليق على أي تفصيلات بشأن القضية في ضوء كونها تخضع للتحقيق، مشيرا إلى أنه وإزاء تكشف بعض التفصيلات فإنه كان يشك وغير متأكد على نحو شامل مما يدور بشأن هذه الاتهامات.
وعلى ذلك كانت إجابته في رده على أسئلة الصحافيين التأكيد على ما سمعه من مَن طالتهم قائمة الاتهام بأنهم غير متورطين، الأمر الذي كان يعتبره بمثابة وضع لهم موضع المسؤولية سواء أصح النفي أم لا.
كان يعتبر ذلك، حسب توصيفه، بمثابة حائط صد يمكن أن يحمي مصداقيته إذا ما كشفت الحقائق عدم صحة ما أدلي به من تصريحات. فضلا عما سبق، يشير ماكليلان إلى أنه كان واثقا من أن الرئيس أو نائبه لا يمكن أن يتصرفا على نحو ينتهي بهما إلى تضليل الرأي العام.
تكشف فضيحة التسريب
ورغم توقفه فيما بعد عن الإدلاء بأي تصريح بشأن هذه القضية غير أن الأمور بدأت تتكشف على نحو أكد تورط مسؤولي البيت الأبيض في الفضيحة. هنا يذكر المؤلف أن خمسة كبار في البيت الأبيض شاركوا في هذا الأمر وهم كارل روف، سكوت ليبي، تسني نائب الرئيس، وأندرو كارد رئيس هيئة موظفي البيت الأبيض، والرئيس نفسه.
وفيما بعد وعلى مدى العامين التاليين لكونه سكرتيرا صحافيا للرئيس كانت الكلمات الكاذبة التي نطق بها بشأن قضية بالم تعكس الموقف الرسمي للبيت الأبيض بشان القضية، وهنا يذكر المؤلف بمرارة أنه تم خداعه واستخدامه كوسيلة لتضليل الرأي العام، وإن كنا نورد تحفظا جوهريا على روايته بشأن معرفته بهذا الأمر وأنه ربما أراد الحفاظ على منصبه فكانت مسايرته لما يجري في البيت الأبيض، ما يعني أنه ليس بريئا تماما على النحو الذي يحاول أن يقدم به نفسه إلى القارئ.
وإدراكا منه لصعوبة موقفه وفي محاولة لتبرئة نفسه يذكر أنه لم يكن يعلم أن ما قاله لم يكن حقيقيا الى أن بدأت الإشارة اليه فيما بعد نحو عامين. وكذلك فإن الرئيس، حسب ماكليلان، لم يكن يعلم كذلك لقد خدع أيضا.. ولذلك فإنه أصبح على نحو غير مقصود متورط في خداعه، ولكن مسؤولي البيت الأبيض الكبار، حسبما يجزم، كانوا يعلمون الحقيقة بمن فيهم روف وليبي ونائب الرئيس على نحو سمح له بل تشجيعه أن يكرر الأقوال الكاذبة بشأن القضية
يقول المؤلف: «عندما بدأت الحقيقة تظهر في النهاية، فإن مصداقيتي كمتحدث باسم البيت الأبيض كانت قد تعرضت لهزة كبيرة وهو ما شعرت معه ببالغ الأسى».
وعلى ذلك فقد لام نفسه على سماحه للآخرين أن يخدعوه. ما زاد من المأساة من وجهة نظر المؤلف، سلوك الرئيس ومستشاريه الأساسيين فيما بعد والذي كان مخيبا للآمال على حد وصفه.
فخلال 2003 و 2004 عمل البيت الأبيض على تقويض أية تأثيرات سلبية لفضيحة بالم على حملة بوش لإعادة انتخابه في نوفمبر 2004. وفي تعليق على هذا الموقف يقول: إن الدافع يمكن تفهمه ولكن السلوك كان خاطئا وفي النهاية كانت الهزيمة الذاتية.
ثقافة الخداع
يشير ماكليلان إلى أنه على وقع هذه القضية وعلى النحو الذي جرت به بدأت تتبلور لديه الصورة عما هي عليه الأوضاع في واشنطن. وأن ما علمه وواجهه يتعلق بقضايا أكبر ويعكس حقائق غير سارة بالمرة، مضيفا أن الخداع لم يكن قاصرا على حدث أو آخر وإنما يتخلل كل الخطاب السياسي الأميركي.
وفيما أن بعض الخدع، حسبه، تعتبر عرضية ويتم تبينها بشكل غير واعي من قبل القادة فإنها أصبحت طريقة مقبولة لكسب الرأي العام، على النحو الذي أصبحت معه في نظر المؤلف جزءا أساسيا ومدمرا في ثقافة واشنطن.
يحاول المؤلف أن يضفي صبغة مثالية على تصوراته فيما قبل عمله في البيت الأبيض ليبين حجم المفارقة بين المثال والواقع فيقول أنه حتى مجيئه إلى واشنطن كعضو في الإدارة الجمهورية، كان يرى أن الرئيس الذي وضع أمالا كبيرة عليه سيغير من تراث البيت الأبيض وما وصلت إليه الأوضاع على يد سلفه كلينتون. غير أن بوش اختار ألا يفعل ذلك. وبدلا من الإصلاح تورط البيت الأبيض في مناورات سياسية بغيضة، أغلبها يرتبط على نحو مباشر بقرار الرئيس غزو العراق.
ومن هذه النقطة يحاول أن يقدم لنا رؤية تفصيلية بشأن تفاصيل وأبعاد قضية الكشف عن عميلة السي أي أيه من وجهة نظره والمتعلقة بمزاعم مساعي العراق الحصول على اليورانيوم المخصب من النيجر بالاعتماد على وثائق اعترفت السي أي أيه نفسها فيما بعد بأنها غير أميركية.
هنا يصل ماكليلان إلى ما يود التأكيد عليه، مشيرا إلى محورية هذا الزعم في جهود الإدارة عام 2002 من أجل الإطاحة بنظام صدام حسين مع تطعيمه بمزاعم أخرى غير حقيقية تتمثل في ربط نظام صدام بمساندة الإرهاب. وعلى هذا النحو وجدت الإدارة أن هذه التهم تسوغ لها التأكيد على أن العراق يشكل خطرا على السلام في الشرق الأوسط وعلى أمن الولايات المتحدة ذاتها.
لقد كان هذا الطرح بشأن أسلحة الدمار الشامل في الواقع نقطة الارتكاز التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في تبرير قيادتها للتحالف وكذلك الأمم المتحدة نحو القيام بحرب وقائية ضد العراق.
دليل تلفيقي
وفي نهاية 2002 تمحورت المناقشات في واشنطن وفي مناطق عديدة من العالم حول التساؤل بشأن ما إذا كانت الحرب ضد العراق ضرورية أم لا؟. وقد طلب الكونجرس تقريرا استخباراتيا بشأن المدى الذي يمثله العراق من خطورة فيما يتعلق بجهود امتلاك أسلحة الدمار الشامل.
وعلى هذا جاء التقرير ليؤكد أن العراق يحاول بمختلف الطرق الحصول على يورانيوم. وبناء على هذا التقرير صوت الكونجرس بالغالبية في 11 أكتوبر 2002 بإجازة استخدام عمل عسكري ضد العراق. ويشير ماكليلان هنا إلى الخطاب الشهير للرئيس بوش والذي ركز خلاله بشكل كبير على التهديد الذي يمثله العراق.
جاء ذلك وسط تصاعد الجدل والاستعدادات لغزو العراق ووسط تحدي صدام حسين لمطالب مجلس الأمن. وبعد حديث بوش عن استمرار نظام صدام في الحصول على أسلحة كيمائية وبيولوجية وكذلك روابطه مع الإرهاب، أشار إلى أن النظام بصدد امتلاك برنامج للتسلح النووي وأن العراق يمكنه بناء قنبلة نووية خلال عام مضيفا: إن الحكومة البريطانية علمت أن صدام حسين حصل مؤخرا على كميات ذات قيمة من اليورانيوم من أفريقيا.
هذه العبارة التي أصبحت مشهورة في الإنجليزية بعبارة «الست عشرة كلمة» تحولت إلى مصدر للجدل كان بمثابة ضربة قاضية لمصداقية الرئيس وإدارته.
وعلى ذلك تواصلت الجهود للدفع باتجاه الحرب، من خلال الرئيس بوش والمسؤولين الآخرين في إدارته. ونظرا للشعبية التي يحظى بها كولين باول وزير الخارجية آنذاك فقد قرر البيت الأبيض أنه ربما يكون الشخص الأكثر قبولا وإقناعا في المساعدة على تسويق تلك الكذبة سواء في الداخل أم في الخارج.
وعلى ذلك تحدث باول في 5 فبراير أمام مجلس الأمن الدولي عن جهود العراق من أجل تطوير أسلحة دمار شامل، غير انه لم يضمن عرضه قضية أفريقيا فبعد فحصها استخباريا بدقة وثبوت عدم صحتها قرر باول ألا يستخدمها، الأمر الذي يستحسنه المؤلف واصفا إياه بأنه كان بالغ الحكمة.
ورغم ذلك فقد كانت الرصاصة قد انطلقت ومن الصعب إعادتها، حيث أصبح الشعب الأميركي في حالة رعب من التهديد الذي يمثله العراق، وهنا حاولت كوندوليزا رايس تقديم القضية في سياق يحافظ على مصداقية الإدارة وفي الوقت ذاته لا يوقف جهود الإعداد لضرب العراق، فراحت تؤكد أن المشكلة هي أنه سيظل هناك دوما قدر من عدم اليقين بشأن السرعة التي سيتمكن بها صدام من الحصول على أسلحة نووية، غير أننا يجب ألا ننتظر إلى أن يتحقق ذلك.
المؤلف في سطور
عمل سكرتيرا صحافيا للبيت الأبيض من عام 2003 حتى 2006. كما عمل قبل تلك الفترة كنائب للمتحدث باسم البيت الأبيض. ويرتبط تاريخه المهني بالعمل مع بوش فقد شارك في حملة بوش للرئاسة. وكان بوش قد عرض عليه العمل معه عام 1999 كمتحدث صحافي له بصفته حاكم تكساس، الأمر الذي قبله ماكليلان على الفور معتبرا ذلك العرض بمثابة فرصة تمثل قفزة كبيرة له في حياته المهنية. أدار ثلاث حملات انتخابية ناجحة. ولد في تكساس وتخرج من جامعتها وهو الآن يعيش في واشنطن دي سي مع زوجته.



