وسط تقارير عن خلافات بين جهاز الأمن الإسرائيلي ووزارة الخارجية، على نتائج أولية للمفاوضات مع سوريا، اتفقت تل أبيب ودمشق أمس خلال استئنافهما الجولة الثانية من محادثات السلام غير المباشرة بينهما برعاية تركيا، على عقد جولات دورية جديدة، في وقت قدمت إسرائيل اقتراحا لعقد لقاء بين رئيس وزرائها ايهود اولمرت والرئيس السوري بشار الأسد في باريس.

حيث يسعى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ترتيب اجتماع ثلاثي يجمعه مع أولمرت والأسد، وهو ما ايده الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، قائلا ان جميع من صنعوا السلام مع إسرائيل اتبعوا نهج اللقاءات المباشرة معها بهدف تسريع العملية السلمية. وقال مصدر في الحكومة التركية ل«رويترز» ان «سوريا وإسرائيل اختتمتا جولة المحادثات الثانية بوساطة تركيا واتفقتا على استئناف المفاوضات». وأضاف المصدر الحكومي الذي طلب عدم الإفصاح عن اسمه ان «الطرفين اتفقا على توقيت الجولتين الثالثة والرابعة من المحادثات ولكنه امتنع عن اعطاء مزيد من التفاصيل».

من جانبها، قالت وزارة الخارجية التركية في بيان ان «سوريا وإسرائيل تريدان مواصلة محادثاتهما واتفقتا على اللقاء بصورة دورية».

وأفاد بيان الوزارة «جرت المحادثات في أجواء بناءة وايجابية».

وشارك شالوم ترجمان ويورام تربوفيتس وهما من كبار مستشاري اولمرت، في جولة امس في انقرة.

ومن الجانب السوري قالت مصادر إسرائيلية إن «الوفد السوري لمفاوضات انقرة يرأسه مدير الدائرة القانونية بوزارة الخارجية رياض داودي».

وذكرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية ان «الموفدين الإسرائيليين اكدا لمحادثيهما ان الأزمة السياسية في إسرائيل المرتبطة بشبهات الفساد التي تحوم حول اولمرت لن يكون لها أي تأثير على المحادثات».

وذكرت مصادر سياسية إسرائيلية امس أن« الموفدين الإسرائيليين قدما اقتراحا بعقد لقاء بين أولمرت والرئيس السوري على هامش المؤتمر المزمع عقده في باريس الشهر المقبل».

وذكرت مصادر إسرائيلية أن« الهدف من جلسة المفاوضات غير المباشرة التي عقدت في أنقرة هو إعداد أجندة عمل محتملة لاجتماع مباشر محتمل الشهر المقبل».

وذكرت المصادر ان «اولمرت والأسد سيحضران قمة لدول أوروبية ومتوسطية في باريس يوم 13 يوليو وان اولمرت الذي ارسل مبعوثيه لاستئناف المحادثات في تركيا عرض لقاء الأسد على هامش القمة».

وقال مصدر إسرائيلي آخر ان «الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يحاول ترتيب اجتماع ثلاثي يجمعه مع أولمرت والأسد خلال القمة وانه لم يتلق بعد تأكيدا نهائيا من دمشق».

ودعا ساركوزي القادة المشاركين في القمة للبقاء في فرنسا لحضور الاحتفال بعيد الثورة الفرنسية في 14 يوليو.

واضاف المصدر الإسرائيلي «الفكرة ليست بالضرورة اجراء حوار لساعات وانما مجرد مقابلة وجها لوجه ستدفع في حد ذاتها الأمور إلى الأمام». وأضاف «هذه واحدة من الأفكار الجديدة التي يجري طرحها في تركيا».

وتابع المصدر السياسي الإسرائيلي ان «وفد اولمرت ليس متفائلا بشأن فرص موافقة الأسد على لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي في هذه المرحلة». وأوضح المصدر«التقييم في إسرائيل هو انه (الأسد) سيحتاج إلى شيء ملموس في يده أولاً».

من جهة أخرى صرح الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز بأنه« يتعين على الرئيس السوري إجراء مفاوضات مباشرة مع أولمرت إما في القدس أو في دمشق إذا كان جادا في السعي لتحقيق السلام».

وأشار بيريز خلال جولة قام بها امس في التجمعات السكنية الواقعة في محيط قطاع غزة حيث اجتمع برؤساء السلطات المحلية في تلك المنطقة إلى أن«جميع من صنعوا السلام مع إسرائيل اتبعوا هذا النهج وعقدوا لقاءات مباشرة معها بهدف تسريع العملية السلمية».

من جهة أخرى، عبر المسؤولون في وزارة الخارجية الإسرائيلية عن قلقهم من«أن المحادثات الإسرائيلية - السورية أدت إلى حدوث تغيّر في تعامل دول أوروبية مع سوريا، وأشاروا في هذا السياق خصوصا إلى خطوات أوروبية لإخراج سوريا من عزلتها الدولية».

ويذكر أن جولة المحادثات الحالية هي الثانية منذ إعلان إسرائيل وسوريا رسميا عن استئناف محادثات السلام بينهما في 21 مايو الماضي والتي أعقبت سلسلة محادثات سرية أجراها توربوفيتش وترجمان في تركيا خلال العام الأخير.

إلى ذلك أدى استئناف محادثات السلام غير المباشرة بين إسرائيل وسوريا بوساطة تركيا إلى نشوء خلاف داخل الدولة العبرية خصوصا بين جهاز الأمن ووزارة الخارجية حول انعكاسات المحادثات على تعامل المجتمع الدولي مع سوريا.

وقالت صحيفة «هآرتس» امس إن «حالة من الرضى تسود جهاز الأمن الإسرائيلي من أن استئناف المحادثات أدتإلى توتر العلاقات بين سوريا وإيران، ما يدل على ما ستؤول إليه العلاقات السورية ـ الإيرانية في المستقبل وفي حال وقّعت إسرائيل وسوريا على اتفاق سلام».

من ناحيته قال مصدر تركي إنه «ما زال من السابق لأوانه التحدث عن اتفاقات سياسية بين الجانبين، إذ ما زالت هناك مواضيع تقنية كثيرة عالقة من اللقاء الماضي وسيواصل المفاوضون التباحث فيها».

من جانبه، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت خلال لقائه اول من أمس مع حاكم ولاية نيو مكسيكو بيل ريتشاردسون إن «دفع المفاوضات مع سوريا إلى الأمام هو أمر صائب لكن هذا لا يعني أن إسرائيل قد تنازلت عن شيء ما، فالطريق ما زالت طويلة».

من جهة أخرى، أظهر استطلاع للرأي بين المستوطنين في هضبة الجولان أن«75في المئة يعارضون انسحاب إسرائيل من الجولان مقابل سلام مع سوريافيما أيد 23 في المئة انسحابا كهذا». وتبين أيضا من الاستطلاع أن«53 في المئة من المستوطنين سيخلون أنفسهم طواعية في حال توقيع اتفاق سلام بين إسرائيل وسوريا، بينما قال 40 في المئة إنهم سيقاومون عملية إخلائهم من مستوطناتهم».

لكن تبين من الاستطلاع أنه« كلما ازداد حجم التعويض على إخلاء المستوطنات في الجولان ارتفعت نسبة المستوطنين المستعدين لإخلاء أنفسهم طواعية لكن هذه النسبة لم تتجاوز 59 في المئة لقاء تعويض بنسبة 200 في المئة من قيمة أملاكهم في الجولان».

وتوقفت آخر محادثات سورية إسرائيلية مباشرة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الحين ايهود باراك ووزير الخارجية السوري السابق فاروق الشرع عام 2000 بسبب احجام إسرائيل عن اعادة كل مرتفعات الجولان وهي هضبة استراتيجية سورية احتلتها إسرائيل في حرب 1967. وتصر سوريا على مطلبها باستعادة كل الجولان.

وكان اولمرت غير واضح بشأن استجابة حكومته لذلك ولم يقل سوى ان «تنازلات صعبة» ربما تكون لازمة للسلام مع سوريا دون ان يقدم وعودا تتعلق بالجولان. وفي ترديد لمطلب أميركي قديم تريد إسرائيل بدورها ان تحد سوريا من علاقاتها مع اشد اعداء الدولة العبرية وهم ايران وحركة المقاومة الاسلامية الفلسطينية «حماس» وحزب الله اللبناني. وقد رفض مسؤولون سوريون ذلك الشرط.

وكان الرئيس السوري قال في حديث مع صحيفة «هيندو ديز» الهندية قبل يومين، ان بلاده متمسكة باستعادة كامل الحقوق والأراضي المحتلة مقابل السلام مع إسرائيل، مؤكداً «عدم وجود شيء يمكن أن تعطيه سوريا لإسرائيل».

وأشار إلى أن «الهند التي سيزورها اليوم الثلاثاء قادرة على لعب دور في عملية السلام بالشرق الأوسط، وان باستطاعة نيودلهي أن تساهم في تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن تلعب دوراً مباشراً بين سوريا وإسرائيل، وبين الفلسطينيين وإسرائيل، منوها بالتطور والارتقاء الذي حققته الهند، وكذلك الصين، الأمر الذي يمكنهما من لعب دور آسيوي فعال في قضايا المنطقة كان غائباً منذ زمن طويل» على حد تعبير الرئيس السوري.

وشدد الأسد على ان« دمشق ليس لديها شيء لتعطيه لإسرائيل، وأن« على الإسرائيليين أن يعيدوا أرضنا المحتلة بشكل كامل»، مضيفاً«لدينا شيء لننجزه معاً وهو السلام وهو الشيء الذي لا يمكن لإسرائيل العيش بهدوء في المنطقة بدونه».

ونفى الرئيس السوري أن تكون إسرائيل طلبت قطع علاقات دمشق بحماس وحزب الله وقال«لم يطلب منا فعل ذلك، فالإسرائيليون يتحدثون عن مفاوضات من دون شروط مسبقة».

تصعيد

ليبرمان يهدد بضرب سوريا

قال عضو الكنيست الإسرائيلي المتطرف أفيغدور ليبرمان، إنه ينبغي التفاوض مع سوريا فقط حول الترتيبات الأمنية في لبنان وليس حول هضبة الجولان، مهددا بتدمير دمشق وعدم إبقاء حجر على آخر إذا ما قصف حزب الله إسرائيل.

جاءت أقوال ليبرمان في لقاء مع يهود مهاجرين من روسيا عقد في نيو جيرسي في الولايات المتحدة. وأضاف: «ممنوع الحديث معهم حتى ولو بتلميح عن تسليم هضبة الجولان أو أي أراض مقابل السلام.

يجب أن يكون واضحا للأسد (الرئيس السوري) أن في حال قصف حزب الله سكان الشمال، بأن سوريا ستدفع كامل الثمن، حينما يخسر بشار الأسد وعائلته حكم البعث ولن يبقوا أحياء، ولن نترك حجرا على حجر في دمشق».

وتابع:«ثبت أن دولة ديمقراطية لا يمكنها مواجهة تنظيمات غريلا بطريقة تقليدية. الولايات المتحدة نجحت بتدمير جيش صدام حسين بفترة قصيرة جدا، ولكنها اليوم متورطة في الوحل العراقي.

السبب لذلك هو أن دولة ديمقراطية لا يمكنها استخدام الوسائل التي تستخدمها تنظيمات الغريلا كالتفجيرات الانتحارية واستخدام السكان كدرع بشري. وبدل محاربة تنظيمات إرهابية ينبغي أن نحارب الرأس ـ وفي حالة حزب الله ـ هو الأسد، لأن حزب الله لا يمكنه البقاء بدون دعم سوري».

يعد ليبرمان من رموز التطرف في إسرائيل، وكان ظهر في الساحة السياسية ابان حكومة الليكود عام 1996، حين شغل منصب مدير عام مكتب رئيس الوزراء، آنذاك، بنيامين نتانياهو.

موقف

دمشق تؤيد علاقات جديدة مع باريس

أعربت سوريا عن ترحيبها ببناء علاقات جيدة مع فرنسا وتجاوز عدة سنوات من العلاقات المتوترة، وذلك ضمن الحرص على أفضل العلاقات مع جميع دول العالم، دون التنازل عن المصالح السورية من أجل أي كان. وقالت صحيفة (الثور) الرسمية السورية في افتتاحيتها أمس «أيدينا ممدودة دائماً لكل دول العالم.. ليس بشكل بارد.. بل أيضاً نسعى للآخر ولا نتنازل عن منظومة مواقفنا وعلاقاتنا ومصالحنا من أجل أي كان». وأضافت الصحيفة «على الأساس ذاته نرحب بصفحة جديدة من العلاقات البناءة كما أردناها دائماً مع الجمهورية الفرنسية».

ويأتي هذا الترحيب بعد يوم واحد من لقاء مبعوثين للرئيس الفرنسي نيكولاساركوزي مع الرئيس السوري بشار الأسد في دمشق، حيث أعرب الجانبان عن اتفاقهما على تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق بينهما لتحقيق السلام في المنطقة.

وكان ساركوزي أعرب عن رغبته بفتح «صفحة جديدة» من العلاقات مع سوريا بعد أن توصل الفرقاء اللبنانيون إلى اتفاق في الدوحة الشهر الماضي لإنهاء الأزمة السياسية، والذي أثمر انتخاب رئيس جديد للبنان.

وشهدت العلاقات السورية الفرنسية فتورا ثم توترا حادا منذ اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري عام 2005 واتهام باريس لدمشق بالتورط.إلا أن العلاقات أخذت منحى أكثر سوءا بعد إعلان ساركوزي في نهاية العام الماضي وقف اتصالات بلاده مع سوريا على خلفية اتهامها بعرقلة التوصل إلى حل للأزمة اللبنانية.