مع الانهيار السوفييتي، في مطلع التسعينات؛ ساد الاعتقاد بأن روسيا دفنت تحت الأنقاض؛ ولزمن طويل. الحدث الزلزال، بحجمه وقوة ارتطامه الهائلة؛ ما كان يسمح بأقل من هذا التصوّر. ثم أن المنهار كان قوة عظمى، بالوزن وبالرقعة. عزّز هذا الاعتقاد، أن الفترة الانتقالية الأولى، في عهد الرئيس بوريس يلتسين، حفلت باستمرار التداعي والتقلّص من حجم عملاق، إلى قياس دولة من العالم الثالث.
ليس فقط في الداخل؛ بل أيضاً وأساساً في الخارج. حضور موسكو القطبي فوق الساحة الدولية، انحسر إلى حدود التلاشي. تبخّر بين ليلة وضحاها. وبالتحديد في الشرق الأوسط. غاب عن منطقتنا، كدور وعامل توازن ملحوظ، في زمن الحرب الباردة. تراجع كانت نتيجته المباشرة، تفاقم الخلل في المعادلات الدولية والإقليمية. خلل أدّى إلى استفحال حالة التفرد وانفلات القطب الآخر؛ بعدما باتت الساحة خالية له. ذروة هذه الحالة كانت في الغزو الأميركي للعراق.
على خلفية هذا الانكسار في الداخل كما في الموقع العالمي، بدأ الرئيس بوتين عهده. من البداية كان واضحاً أن الرئيس الجديد يحمل برنامجاً للنهوض. العقبات في طريقه كانت بحجم الجبال. التغلب عليها ليس من المستحيلات. لكنه يحتاج إلى وقت.
هذا إذا ما توفرت الشروط اللازمة. ووقت غير قليل. حصيلة السنوات الثماني التي قضاها بوتين في الكرملين، تشي بأن الرجل حقق من الانجازات، ما لم يكن من المتوقع تحقيقه؛ في مثل هذه الفترة القصيرة. تضافرت معطيات وظروف، ذاتية وموضوعية، أدّت إلى تمكينه من معالجة أوضاع روسيا الداخلية؛ كما إلى استعادة حضورها الفاعل، ولو ليس بالوزن القديم، فوق الساحة الدولية.
وفي هذا الحقل كان للشرق الأوسط حصة وافرة من هذه العودة. في الماضي كانت علاقات موسكو مع العالم العربي، انتقائية وذات بعدين، عسكري وسياسي. اقتصارها على هذا الطابع، حكم عليها بأن تبقى محدودة وضمن هذه الازدواجية. ظروف مرحلة الرئيس السابق بوتين، كانت مختلفة. ثم هو عرف ما أتاحته له من حرية الحركة ورحابة المدى الميسور أمام حركته.
ولا شكّ أن ما أعطاه الدفع اللازم، في هذا المجال، كان عزمه على ترميم صورة روسيا في الخارج واستعادة ما أمكن من الوهج لها؛ على قاعدة قناعته بأن بلاده تمتلك المقومات المطلوبة، لتتبوأ المكانة التي تستحقها، على الخارطة العالمية؛ دوراً وموقعاً. خاصة في الساحات التي تتوفر فيها الخميرة لمثل هذا الترميم.
والمنطقة العربية، كانت من ضمنها. توطيد العلاقات معها، متوفرة أرضيته. بقايا الماضي ما زالت قائمة. الأوضاع التي تجتازها المنطقة، توفر أرضية صالحة، إذا لم نقل خصبة، لإحياء وتوطيد التقارب الروسي مع البلدان العربية؛ القديم منها في روابطه مع موسكو، كما الجديد. ومن هنا كان اقتحامه للمنطقة، من خلال الزيارات التي قام بها لعدد من العواصم ؛ كما من خلال الصفقات والاتفاقيات، مع بعضها الآخر.
فيكتور شلهوب