يفسر اختصاصيون ظاهرة الشغب العام في الجزائر بكونها نتاج تضافر عدة عوامل سلبية تراكمت خلال 20 إلى 25 سنة الأخيرة غرست في عدد كبير من الجزائريين الإحساس بالظلم والقهر.

ويضع الدارسون في مقدمة تلك العوامل العنف المسلح الذي غرقت فيه البلاد منذ مطلع العقد الماضي وخلف دمارا كبيرا في النسيج الاجتماعي، نتج عنه سلوك عدواني خاصة لدى أطفال وشباب من عائلات تضررت بصفة مباشرة من هذا العنف ومنهم من شاهد صورا فظيعة للذبح والاغتصاب وبقر البطون فأصيب بصدمات نفسية تفاعل معها الحرمان والتهميش فتولد عنها الإحساس بالخيبة والضيق والقابلية للمغامرة والعدوان.

وهذا الإحساس تعيشه نسبة عالية من شباب الجزائر الذين يطردون بمئات الآلاف من المدارس عند آخر كل موسم دراسي بسبب ضعف نسبة النجاح في الامتحانات النهائية، ليصطدموا بواقع جديد يفرض عليهم البحث عن شغل، وليعيشوا صعوبات العائلة في المسكن وتأمين العيش، لكن فرص العمل غير متوفرة للجميع بفعل تعثر الإقلاع الاقتصادي.

ونصح المختصون السلطات الجزائرية بإحداث تغييرات في تسيير الشأن العام وفي الانتفاع من الثروة الوطنية لاستعادة التوازن وسد الفجوات التي تدفع إلى الإحساس بالظلم والقهر والحرمان وتدفع بالتالي إلى البحث عن مجالات للانتقام تجدها عادة في التخريب والعدوان.

وقال الاختصاصي في علم الاجتماع الدكتور عبد الناصر جابي «إن نسبة كبيرة من الشباب الجزائري أصيبت بهزات نفسية جراء حضوره مشاهد مؤثرة من الذبح والتنكيل بالجثث والقتل، وهو اليوم يمارس الشغب لمختلف الأسباب في عملية إعادة لإنتاج ذلك العنف الذي عاشه طفلا من موقع الشاهد».

وانتقد جابي بشدة تعاطي السلطات العمومية مع الظاهرة. وقال «إنها لم تحسن قراءة دوافع هذا العنف الذي يعرف منحى تصاعديا من سنة لأخرى، فراحت تتهم جهات أجنبية وأطرافا سياسية داخلية بالتحريض بينما عوامل الاضطراب موجودة في عمق المجتمع وفي كل بيت».

وحذر من دخول البلاد الوشيك في مرحلة جديدة سماها «مرحلة انفلات أمني» لا يرحم. واسترسل في تحليله وقال «إن ما يجري اليوم شغب تلقائي بدوافع عديدة تجد تعبيرا مشتركا في الشارع. وما لم تتدخل الدولة لعلاج الموقف بحلول واقعية ومعلومة النتائج في الأجل القريب، فإن المرحلة الثانية تكون أخطر بحيث يتسنى لمجموعات منظمة استغلال هذا الغليان لخدمة مصالحها وعندها سيصير العنف فعلا منظما يهدد كيان الدولة».

رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث الدكتور مصطفى خياطي، يعتبر أحداث الشغب نتيجة حتمية تسبب فيها إهمال السلطة لشباب كانوا شهودا على أحداث قتل بطرق بشعة تسببت لهم في اضطرابات من الصعب تجاوزها بالطرق التي تتعامل بها السلطة حاليا.

وقال «إن الطفل الذي حضر قبل عشر سنوات حادثة قتل أفراد عائلته وأصيب جراء ذلك بصدمة نفسية حرمته من مقاعد الدراسة، وجد نفسه اليوم شابا بطالا بلا مستقبل ولم يلق أي اهتمام من طرف المجتمع والدولة التي يسعى للانتقام منها متى استطاع، مستغلا أي فرصة تمكنه من إبداء رفضه وسخطه للوضع الحالي عن طريق الحرق والنهب والتكسير وحتى القتل.

أما المحلل رابح زعموشي فيؤكد «أن ثمة مفارقة لا توجد في بلد آخر غير الجزائر وهي أنه كلما زادت البلاد غنى زاد شعبها فقرا، وهذا الوضع يمتص كل عوامل الاستقرار ويبطل مفعولها. فالشباب وعامة الناس يسمعون تصريحات رسمية تفيد بأن البلاد تملك ثروة لم يسبق أن جمعتها وحين ينظرون إلى وضعهم الاجتماعي يجدون أن مستواهم المعيشي يتراجع من شهر لآخر». وأضاف «أن الكثير من الجزائريين كانوا قبل عشر سنوات أحسن حالا مما هم عليه اليوم».