كثرت الاحتجاجات غير السلمية في الجزائر من خلال اللجوء للتكسير والشغب، وحتى العنف الجسدي. وإن كانت هذه الظاهرة محصورة في ولاية وحيدة... فالأمر قد يكون مفهوما، لكن اتساعها شمالا وجنوبا وفي توقيت واحد، يؤشر من دون شك إلى وجود آلة محركة للشغب في الجزائر.

وان كان مسؤولو الدولة اتهموا جهات أجنبية، إلا أن الحالة الاجتماعية والاقتصادية المزرية للغالبية العظمى من أفراد الشعب قد يولدان هذا التعبير العنيف، في غياب الدور الإشعاعي والتثقيفي والتربوي للعديد من المؤسسات التربوية.

إن خطورة ما جرى في عاصمة الغرب الجزائري وهران، وما جرى قبله بأسبوع في بريان ولاية غرداية وقبلها الشلف وتيارات، تكمن في أن هذه الأحداث العنيفة تأتي في سياق أحداث عنف أوسع في مناطق مختلفة من الجزائر، ومن خلفية تأزمات اجتماعية لكل منها بكل تأكيد جذور سياسية، لأن التأزم الاجتماعي نابع بدوره من اختناق اقتصادي، ومادام الاقتصاد في حقيقته سياسة مكثفة، فإننا في نهاية الأمر أمام أزمة سياسية.

ولا تملك فئات المحبطين سوى سلاح واحد هو الشغب، للتصدي لما تعتبره احتقار السلطات لها والذي يتمثل حسب قولها، في نقص إمدادات المياه والتوزيع غير العادل للمساكن الشعبية، وارتفاع نسبة البطالة.. إضافة إلى تدني القدرة المعيشية مع ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية.

لكن مع ذلك، فإن محاولات إيجاد مسوغات لهذه الحركة الاحتجاجية أو تلك، تبقى غير مبررة بحيث إن تقدم مجموعة من الشبان على حرق كل ما يصادفهم، وخلق الذعر في نفوس الجزائريين الذين تكبدوا خسائر جمة من عنف الجماعات الإرهابية، ما يرسخ مجددا ان المطالب لا يمكن تحقيقها باللجوء إلى العنف الهمجي، فالحوار هو السبيل الوحيد لإعادة الثقة بين المواطن والسلطة، والمطلوب هو البحث في جذور الأزمة وكشف الدافع الأساسي لامتداد الشغب عبر عدد من الولايات، وبتبني سياسة اجتماعية ناجعة كفيلة بإزالة مسببات الأزمة.

سياسة «الكسر والحرق والتجاذب» خاطئة... كما إن سياسة التهميش خاطئة... فمن حق كل مواطن جزائري معارضة السلطة وتوجهاتها، ولكن من واجبه كذلك حماية ممتلكات الدولة، فالدولة ليست أشخاصا بقدر ما هي رمز لتضحيات مليون ونصف مليون شهيد. هناك أبجديات لا يمكن القفز عليها أو تجاوزها، فيما ينبغي على السلطات أن تنتبه إلى أن احتجاجات شهر مايو الماضي تشكل مع الأيام تراكمات تؤدي في النهاية لهذا. فمن واجبها ألا تغفل المعطيات الراهنة من خلال احتواء الوضع وإبعاد كليا شبح «أكتوبر 1988».

ليلى بن هدنة

lailah@albayan.ae