تحتل منطقتنا موقعاً بارزاً في خريطة العودة الروسية إلى المسرح الدولي، تحرك موسكو الملفت باتجاه الشرق الأوسط، في السنوات الأخيرة، يشير إلى تجدّد الاهتمام القديم لديها؛ بهذا الجزء من العالم. في الماضي السوفيتي تعثرت ترجمة هذا الاهتمام. في الوقت الراهن وظروفه المختلفة، صارت الطريق سالكة أكثر، أمامه، على الأقل باتت خالية من عقبات أساسية، بعد نهاية الحرب الباردة وغياب الشبح الشيوعي..
وتعززت فرص التعاون والتقارب بتقاطع المصالح المشتركة؛ في ظل معادلة دولية محفِّزة لمدّ الجسور بين العديد من دول المنطقة وموسكو. فكلا الجانبين وجد في ذلك فرصة، للاستقواء بها؛ إزاء الانفلات الأميركي. وأحياناً لتوظيف العلاقات الجديدة، الروسية ـ الشرق أوسطية، في الصراع على النفوذ؛ سواء في أوروبا أو في المنطقة؛ على وجه الخصوص. روسيا اليوم، تتبلور صورتها كطبعة جديدة منقّحة. ليس فيها من الزمن السوفيتي إلا بقايا المركزية، في الحكم. مع الفارق أن هذه الأخيرة كانت يومذاك تخدم توجهاً أيديولوجياً ـ أممياً. اليوم هي في خدمة التوجه القومي. وأكثر ما يستوقف في هذه النقلة سرعة الوتيرة وقوة الدفع التي تحركها. وكأنها اختصرت الزمن. ففي أقل من عقد، حققت روسيا ـ بوتين قفزة، غير مسبوقة.
أول ثماني سنوات، بعد انفراط القوة العظمى، كانت انتقالية؛ تميزت بتنامي الوهن والضمور. في عهد يلتسين تجلّى الانكسار وتفاقم، على كل صعيد. ضعضعة وإفلاس وهبوط متسارع في المعنويات؛ مع استشراء للفساد وتعاظم للشعور بالهزيمة والإهانة والإذلال. أوحت تلك الحقبة بأن موسكو، التي انهارت إمبراطوريتها تحت وطأة ثقل جسدها المتورّم؛ ليست فقط غير قادرة على النهوض في المستقبل المنظور؛ بل أيضاً هي سائرة نحو المزيد من الأزمات والتحلل. وربما التفكك.
تركة ثقيلة
ثم جاء الرئيس بوتين ليرث تركة سلفه، المريضة؛ مضافة إلى تركة النظام السوفيتي وجبال الأنقاض التي أحدثها زلزاله. مع دخوله إلى الكرملين بدأت إرهاصات صحوة، تتكون. مواصفات الرجل، تضافرت مع ظروف موضوعية ودولية؛ لتشكل معاً رافعة نهوض بارز، تجلّى في حالة الانتعاش التي شهدها الداخل؛ كما في عودة الحضور الروسي إلى الساحة الدولية. ومنها الشرق الأوسط بصورة ملحوظة.
الرئيس الثاني، في الزمن الروسي، جمع في شخصه مزايا قيادية؛ ضروري توفّرها، لخروج البلد من الكبوة. رئيس يؤمن بأنه صاحب دور. جاء وهو يحمل مشروع انبعاث. روسيته ليست مجالاً للمساومة. وهو مسكون بهاجس ردّ الاعتبار لموسكو ولضرورة استرجاعها لموقع الندّ؛ على طاولة الكبار. بالإضافة إلى أنه خرّيج مدرسة الاستخبارات السوفيتية كي ـ جي ـ بي. عارف بالخبايا ومفاتيح اللعبة.
زعامة من هذا الصنف كانت ضرورية. لكنها لم تكن كافية. كان لابدّ وان يتدخل التاريخ، إلى جانب بوتين. وهكذا كان، فالشروط التي كانت تحتاجها روسيا، لعبت لصالحها. خاصة في الولاية الثانية للرئيس الروسي. على صعيد النفط والغاز، سجلت الأسعار أرقاماً فلكية؛ بالمقارنة مع ما كانته فيما مضى. تدفق البترودولار على الخزينة الروسية، كالطوفان. روسيا تملك من مخزون هذه الطاقة، مقادير هائلة.
هي تنتج حوالي 8 ملايين برميل نفط يومياً وأكثر. ترقد على أكبر مستودع للغاز في العالم. أوروبا تعتمد في 26% من حاجاتها على هذا المستودع. غزارة المردودات، جرى توظيفها لنقل روسيا من الشح والفقر إلى حالة البحبوحة. النمو الاقتصادي بدأ يسجل أرقاماً غير معهودة، بمعدل 6. 6% في السنوات الأخيرة.
الطبقة الوسطى توسعت قاعدتها، حوالي 100 مليون من الروس، سددت موسكو بوتين ديونها. بل هي ذهبت إلى حدّ شطب بعض ديونها على الآخرين؛ كانت متراكمة منذ الحقبة السوفيتية مثلاً ألغت 80% مما لها على العراق. في ذات الوقت عززت احتياطها بالعملة الصعبة؛ وزادت نفقاتها العسكرية بنسبة 69% منذ عام 2003.
ثم ارتفع المنسوب بـ 23%؛ بحيث صار الإنفاق في حدود 60 مليار دولار سنوياً. صحيح هو رقم متواضع مقارنة بما تنفقه واشنطن، 480 ملياراً، لكنه شكل قفزة؛ لم تكن تحلم بها موسكو؛ قبل سنوات قليلة. الأسطول البحري الروسي عاد إلى البحار العالية؛ بعد غياب طويل. القاذفات الإستراتيجية استأنفت طلعاتها، خارج الأجواء الروسية؛ وحتى التخوم الأوروبية والأميركية.
الصناعات العسكرية، جرى تعزيزها. وكذلك المدنية الثقيلة؛ مثل قطاع طيران النقل وغيره. النتيجة كانت تحقيق قدر ملحوظ من الأمن الاقتصادي والاجتماعي؛ واستطراداً الأمن السياسي. تبعاً لذلك بدأ رصيد بوتين الداخلي في التحليق ووصل إلى 70%.
رصيد من الإنجازات
على هذه الأرضية الجديدة الملائمة، من الانجازات وإحياء الثقة والرصيد الكبير، اقتحم بوتين الساحة الخارجية وبدأ رحلة العودة إليها؛ بالحضور، ثم بالاعتراض على انفراد القطب الأميركي ومحاولات حصار وعزل روسيا، رأى في توسيع الناتو، استفزازاً لبلاده؛ عندما وصل إلى تخومها.
ثم رفع من نبرة الاعتراض، عندما قررت إدارة بوش نصب شبكة صاروخية مضادة؛ في بولندا والتشيك. اعتبرها خطوة تستهدف روسيا لتطويقها وتعطيل قدراتها. لم يأخذ بالتطمينات الأميركية، التي زعمت بأن الشبكة موجهة ضد صواريخ إيرانية؛ قد تهدّد أوروبا.
إزاء ما حسبته هجمة أميركية ضد مصالحها المباشرة في أوروبا ـ ومنها دعم واشنطن لاستقلال كوسوفو، الذي عارضته روسيا، أخذت موسكو بوتين تتحرك على عدة خطوط. وبالتحديد على خطي الصين والشرق الأوسط. بالنسبة للأولى عملت على توطيد وتوسيع التعاون والتقارب معها. وبدا ذلك واضحاً على ساحة مجلس الأمن الدولي، حيث وقف الثنائي أكثر من مرة في طريق صدور قرارات أرادتها واشنطن. خاصة المتعلقة منها بملفات شرق أوسطية.
إلى جانب تعزيز العلاقات مع الصين، وفي إطار التحرك على أساس «رد الصاع صاعين» لإدارة بوش، ازداد التركيز الروسي على المنطقة، باعتبارها نقطة أميركية رخوة، تصلح للمشاكسة وإثارة المتاعب فيها، لواشنطن. فهذه الأخيرة غارقة في رمال العراق، مشتبكة مع إيران، حول الملف النووي، رصيدها نازف في ساحة محقونة كفاية ضد سياساتها العسكرية وانحيازها لإسرائيل، بالرغم من كل ما ارتكبته هذه الأخيرة من فظائع وحروب وانتهاكات.. وتخريب على عملية السلام. واشنطن أرادت على ما بدا، إغراق موسكو بسباق تسلح منهك، فكان الرد بالعمل على زيادة متاعبها، في أمكنة وجعها ومصالحها، الشرق أوسطية.
من هنا كانت زيادة الاحتضان والحماية للنووي الإيراني، وقفت موسكو ضد صدور قرار بفرض عقوبات شاملة على طهران عادت إلى تعزيز حصتها في بيع السلاح للمنطقة. عقدت صفقة بأربعة مليارات دولار مع الجزائر، وأخرى مع سوريا. وقبل أيام قام الرئيس بوتين بزيارة إلى ليبيا تم خلالها عقد صفقات بعدة مليارات من الدولارات مع طرابلس. ثم سارع بوتين إلى فتح طرقات وأبواب دبلوماسية كانت في السابق إما مغلقة وإما شبه مهجورة. قام بزيارات إلى السعودية وقطر والإمارات، رافقها توقيع اتفاقيات جديدة، تجارية وسياحية وأمنية، وحتى عسكرية ولو على الوزن الخفيف كذلك قام بزيارة إلى طهران هي الأولى من نوعها منذ عام 1943.
واصلت موسكو تعزيز حضورها وشبكة علاقاتها، في العالم العربي، وتنويعه، على الصعيد النووي عقدت صفقة بمليار دولار مع مصر، على المستوى الدبلوماسي، طرحت استضافة عقد مؤتمر سلام دولي، في ضوء تعثر المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية والتغاضي الأميركي مع تخريب تل أبيب المتواصل لعملية السلام. وآخر حلقات هذا التحرك كان في الرسالة التي بعثها الرئيس بوتين إلى القمة العربية في دمشق، حول الأزمة اللبنانية.
خيارات واسعة
مروحة واسعة من الخيارات والأوراق وأشكال التعاون، تتوسلها موسكو، لتأكيد دخولها الجديد إلى المنطقة ولتأسيس ركائز ثابتة وقابلة للتطوير، لهذه العودة. لا تزال العملية تدريجية وربما بطيئة لكنها حثيثة وهادفة. والأهم أنها متنامية. يساعدها في ذلك أن أرض المنطقة خصبة لاستقبالها. بل هي تتطلع إلى دور روسي، عمل الرئيس بوتين على نسج خيوطه معها. اضطلاعه بهذه المهمة، إشارة إلى تصميم روسيا المضي في بلورة انبعاثها، كدولة لها وزنها الثقيل، ولو من غير القبعة السوفيتية. خطايا الرئيس بوش، ناهيك بأخطائه النابعة من إصراره على الهيمنة، من خلال عامل القوة والتوجه الحربجي المتحكم بسياساته، جعل الطريق سالكة أمام الولادة الروسية الثانية. كما ساهم بتسهيل ذلك، أنه حتى بعض الحلفاء الأوروبيين بات يتأفف علانية من التفرد الأميركي المتهور، الذي أتاحته الأحادية القطبية، التي تحتكرها الولايات المتحدة. الرئيس السابق جاك شيراك نادى صراحة، بعالم متعدد القطبية.
الحرب الهوجاء
الحرب الهوجاء على العراق، دقت ناقوس الخطر من عواقب استفراد واشنطن، بالموقع الممتاز، الذي ترى فيه فوقية تجيز لها ما لا يجوز لغيرها، مع مجيء ساركوزي وميركل، تغيرت المعادلة الأوروبية، لصالح واشنطن. لكن المزاج الأوروبي الشعبي لم يتغير. موسكو تدرك أهمية هذه الورقة، المضافة إلى ورقة حاجة أوروبا إلى الغاز الروسي. جمعتها إلى الخيارات الأخرى، بإشراف وعناية «القيصر الروسي» الجديد؛ وتحركت بها على خطين: خط استرجاع دور اللاعب على الطاولة الدولية؛ خاصة في المناطق القريبة من أمنها القومي الحيوي (مثل إيران والشرق الأوسط وكذلك آسيا الوسطى). والثاني. جيو استراتيجي دفاعي، «مبني على الخوف من الحصار»؛ كما يسميه ميشيل كورنمان، مدير مجلة دراسات جيو سياسية. وبذلك تشكل المشهد الجديد كالتالي: أميركا، مع الملحقات الأوروبية، زحفت بالناتو وشبكة الدرع الصاروخية؛ باتجاه التخوم الروسية. موسكو بوتين، قبلت التحدي وزحفت باتجاه بناء علاقات صينية وشرق أوسطية ـ بالتحديد إيران؛ بغرض خلق متاعب لأميركا؛ من خلال تنغيص نفوذها ومفاقمة أزماتها. الحصيلة وصفة جديدة لحرب باردة، ولو من صنف آخر غير الذي ساد أثناء الحقبة السوفيتية. توتر متجدد، لا تخطئه العين، بين موسكو وواشنطن. هذه الأخيرة قررت، منذ الزلزال السوفيتي، العمل على تطويق الدب الروسي وعدم السماح له، بعد الآن، بالنهوض والوصول إلى مرتبة المنافس.
رسالة بوتين:
ليست الرجل المريض
رسالة بوتين ان روسيا لم تعد الرجل المريض. خرجت من غرفة العناية الفائقة، بعدما كادت تغرق تحت ركام انفجار إمبراطوريتها. وكل الإشارات تفيد أنها عازمة على مواصلة هذه المسيرة. خاصة وان الذي قاد هذه الأخيرة، باقٍ في موقع القرار، كرئيس حكومة، بعد انتهاء ولايته الرئاسية في مايو الماضي خلفه الرئيس ميدفيديف، الذي فاز على رصيد بوتين؛ خريج مدرسة هذا الأخير.
ويبدو أن الرياح الانتخابية الأميركية تنفخ ـ على الأقل حتى الآن ـ في شراع المرشح الجمهوري، جون ماكين، المنتمي إلى مدرسة التشدد، تجاه موسكو. استمرارية على الجانيين، ترجح معها كفة ارتفاع حرارة الصراع الأميركي ـ الروسي؛ بقدر ما يرجح معها احتمال أن يكون الشرق الأوسط، الساحة الرئيسية للكرّ والفرّ بين الخصمين اللدودين؛ القديمين الجديدين.
خنق روسيا
الأدبيات السياسية الأميركية
حتى قبل وصول المحافظين الجدد إلى الحكم، تنطق الأدبيات السياسية الأميركية بالتوتر بين الجانبين ومجيء هؤلاء رافقه تسريع لمثل هذا التوجه؛ المستعجل على خنق روسيا، قبل أن تلملم أشلاءها. توسيع الناتو، الذي شكل الأداة الأساسية في هذه العملية، جرى بوتيرة عكست هذه العجلة. هجمته صوب البيت الروسي، لا تزال متواصلة. وعلى ذلك فإنه في اجتماعه، في رومانيا، عملت إدارة بوش على دعوة أوكرانيا وجورجيا للانضمام إلى الحلف. الأمر الذي هدد برفع درجة التوتر، بين واشنطن وموسكو. وبذلك تبدو الولايات المتحدة أنها ليست في وارد التراجع عن سياسة حشر الروس وقصقصة أجنحة موسكو؛ بحيث لا تعود تقوى على القفز إلى ما وراء حدودها. وفي ذات الوقت يبدو أن مهندس العودة الروسية والمتوجس من النوايا الأميركية والغربية عموماً؛ ليس هو الآخر، في وارد الانكفاء كلياً، على الذات؛ والتسليم بمرابطة الخصم القديم ـ الجديد؛ عند عتبة داره، من دون ان يحرك ساكناً.


