يهمني هنا أن أتحدث عن الجانب الفكري في شخصية وسيرة محمد سيد أحمد، تاركاً لسواي الحديث عن الجوانب الأخرى من شخصيته وسيرته. ذلك أن محمد سيد أحمد كان، على امتداد حياته مفكراً يسارياً مبدعاً، متحرراً من نمطية التفكير الذي ساد في صفوف الحركة الشيوعية، وأبقاها خارج التأثير في المجتمعات العربية، رغم كثرة المثقفين الذين انتموا إليها، وهم كبار في مجالات إبداعهم، ورغم النضالات الكثيرة التي خاضتها والتضحيات الجسام التي قدمتها في تلك النضالات.
فقد أدرك محمد، منذ وقت مبكر، أن على اليسار عموماً، واليسار الشيوعي خصوصاً، أن يحدث تغييراً جوهرياً في أفكاره وفي سياساته وفي أشكال عمله ونشاطه، وفي صيغة تنظيمه. وكان يرى أن أحداثاً كبرى وتحولات بالغة الخطورة كانت تجري على الصعيد العالمي.
وكان يرى، استناداً إلى تلك التحولات، أن على اليسار أن يثبت قدرته على اللحاق بالعصر، والاندماج في تحولاته، واختيار موقعه الخاص به في قلب تلك التحولات، لكي يكون قادراً على التأثير في الأحداث التي كانت تشهدها بلداننا منذ زمن طويل، وقادراً على الإسهام في إحداث التغيير المنشود.
وحين انهار الاتحاد السوفييتي، وانهار معه النظام الاشتراكي برمته، رأى محمد سيد أحمد أن من واجبه القيام بجهد العالم والمفكر في تحديد ملامح تلك التحولات الجارية في العالم، ما بعد ذلك الانهيار المدوي، وأن يرسم، قدر المستطاع، الملامح الخاصة لليسار العربي الجديد.
فشارك في الكثير من الندوات التي نظمت تحت ذلك العنوان. وكتب الكثير من الأبحاث في المجلات العربية والأجنبية. وأجاب على الكثير من الأسئلة، إما في حوارات جرت معه، أو فيما كان يكتبه في شكل مستمر ومتواصل في جريدة «الأهالي»، لسان حال حزب التجمع، أو في المجلات العربية والأجنبية.
وأذكر أنني التقيت به في عام 1981، أي قبل انهيار النظام الاشتراكي بعشرة أعوام. كان ذلك في واشنطن. التقينا في منزل صديقنا المشترك كلوفيس مقصود، الذي كان يرأس وفد الجامعة العربية الدائم في الولايات المتحدة الأميركية. وكان شريكنا الرابع في ذلك اللقاء صديقنا المشترك أريك رولو.
كان محور الحديث الذي جرى بيننا نحن الأربعة في ذلك اللقاء الجميل يدور حول ما كان يواجهه العالم العربي في تلك المرحلة المظلمة من تاريخه، في ظل أنظمة الاستبداد، وما كانت تواجهه حركة اليسار في العالم العربي من ركود وتراجع.
كانت همومنا المشتركة تقودنا إلى التفكير، «التفكير الجديد» الذي صار في زمن البرسترويكا في عهد غورباتشوف عنواناً فضفاضاً لتلك الحقبة، لم يؤد الانخراط فيه إلى شيء مما كان يحمله. بل إنه، بعكس ما كان يرتجى، قاد إلى نقيضه، في نهاية المطاف، قاد إلى الانهيار الذي غيّر مجرى التاريخ الذي كانت قد دشنته ثورة أكتوبر الاشتراكية قبل ثلاثة أرباع القرن.
في لقاءاتنا المتتالية على امتداد العقدين الأخيرين قبل رحيله، وكان آخرها في عام 2004 في مؤتمر الإصلاح الديمقراطي الذي نظمته مكتبة الاسكندرية، لم يتوقف السجال بيننا حول مستقبل حركة التغيير في بلداننا، المرتبطة باسم اليسار، وحول مستقبل الاشتراكية في العالم، بعد انهيار التجربة التي دشنتها ثورة أكتوبر. لم يملك أحد منا أي أساس للحسم في الجواب عن هذا التساؤل الكبير.
لكن النقاش كان ضرورياً. وقد أسهم فيه كل منا، على طريقته. وكان إسهام محمد سيد أحمد متميزاً في ذلك النقاش. وكان من أهم ما قرأته له بحثان. الأول هو مساهمته في الندوة التي نظمها مركز البحوث العربية تحت عنوان «اليسار المصري وتحوّل الدول الاشتراكية» في مطلع عام 1991، العام الذي انتهت فيه محاولات غورباتشوف لإعادة البناء (البرسترويكا) إلى القضاء على التجربة الاشتراكية بكاملها.
أما الثاني فهو البحث الذي كتبه لمجلة «الطريق» تلبية لطلب مني تحت عنوان «حول مفهوم اليسار مستقبلاً». وصدر ذلك البحث في العدد الرابع من المجلة لعام 1994. في هذين البحثين يظهر عمق الفكر الذي يستند إليه محمد سيد أحمد في معالجة القضايا الكبرى في بلاده وفي العالم. وهو فكر مستقل. واستقلاليته لا تلغي المصادر الأساسية التي استند إليها في تكوينه.
وهي ماركسية ماركس أساساً، مقترنة بالجديد الذي أحدثته التحولات الكبرى التي شهدها العالم، لا سيما ما يتصل بتلك التحولات في مجال العلوم والتكنولوجيا، التي فتحت أمام البشرية عصراً جديداً، هو عصر أوتسترادات المعرفة وأوتسترادات الاتصالات في آن.
ولأن محمد سيد أحمد هو في الأساس صاحب ثقافة علمية واسعة وعميقة، فإنه كان يخضع أفكاره ومواقفه السياسية لمنطق العالم، المتحرر من الأيديولوجيات ومن سطحية التحليلات ومن شعبوية الرومانسيين الحالمين بالتغيير من دون توفير الشروط الضرورية لجعل هذا التغيير ممكناً من الناحية الواقعية. إلا أن كتابات محمد سيد أحمد في الصحافة اليومية كانت تتناقض مع أبحاثه العلمية تلك.
وقد ناقشته مرات عديدة في الأمر، واقترحت عليه التحرر من هذا الانزلاق نحو المعالجة اليومية الخالية من التحليل العميق التي سيطرت على كتاباته تلك خلافاً لمنطق العالم والمثقف والمفكر الذي هو محمد سيد أحمد. وكان يتفق معي في ذلك. لكنه مع ذلك استمر يكتب في صحف عديدة في ذلك النمط الذي لا يعبّر عن ثقافته وعمق تفكيره وعلمية هذا التفكير.
في البحث الأول حول الاشتراكية والبرسترويكا كان محمد ناقداً بعمق للتجربة الاشتراكية المحققة، من موقع العالم. ينطلق محمد في بحثه هذا حول مآل الاشتراكية، قبل انهيارها، بأن العالم قد تغيّر كثيراً، وأنه قادم على إحداث تغيير أكبر وأشمل وأعمق. كان يرى أن تلك التغيرات قد شملت المفاهيم والمقولات بفعل الاكتشافات والقوانين العلمية الجديدة.
فهو يعتبر أن «السيبرناطيقا» هي من أهم العلوم التي تم اكتشافها في القرن العشرين. إذ أن هذا الاكتشاف قد أعطى للعلوم الاجتماعية بعداً جديداً ازدادت معه التعقيدات في التحليل وفي الاستنتاج. فإن هذا العلم، كما يقول محمد «يلفت النظر إلى تشابه المصالح وإلى التأثير العلمي المتبادل بين طبقة وطبقة». ويستند في ذلك إلى الفكرة الأساسية التي طرحها آنشتاين في نظريته النسبية التي تقول إن «الواقع الموضوعي» تختلف صورته «مع اختلاف موقع المراقب».
ويضيف محمد بالنص: «ليس معنى ذلك أن «الواقع الموضوعي» غير موجود لتعدد «صوره»، كما أنه لا يعني أنه غير قابل للمعرفة. ولكن هذا «الواقع الموضوعي» يجري تصوره بطرق مختلفة مع اختلاف زاوية الرؤية. ومعنى ذلك فإن «الحقيقة الاجتماعية» سوف تختلف طريقة إدراكها، والوعي بها، مع اختلاف المواقع الاجتماعية.
ومن هنا نشأ التسليم بأحقية التعددية وبضرورتها، وأن التاريخ يتحقق من خلال هذه الرؤى المتعارضة، وليس من خلال رؤية تجسد حركة التاريخ وحدها. بينما كل الرؤى الأخرى من الجائز دمغها بصفة مناهضة حركة التاريخ والوقوف في وجهها!.. لقد أصبح للعلم المعاصر دور في «تعقيد» السبل التي تجري بها معالجة «الواقع الاجتماعي»، وفي طرح أبعاد لم تكن مطروحة عند تأسيس الفكر الاشتراكي ووضع أصوله في القرن الماضي.
ويخلص إلى القول ان «تقسيم المجتمع إلى طبقات متعارضة أصبح أمراً لم يعد من الممكن معالجته استناداً إلى نفس المقومات التي انطلق منها ماركس منذ قرن ونصف القرن». ويستند في استنتاجه هذا، في ضوء ما قدمته الثورة التكنولوجية المعاصرة، خلافاً لما نتج عن الثورة الصناعية الأولى، «بأن كثيراً من صفات الطبقة العاملة لا تتوفر في العاملين الذهنيين. لأن هؤلاء ليسوا ممن استقر وصفهم بالطبقة العاملة. بل هم أساساً من الطبقات الوسطى. وهم موصوفون بالمثقفين».
ويتابع محمد سيد أحمد: «إن فرضية ضمنية في نظرية «صراع الطبقات» هي أن القضاء على الطبقة الرجعية لا يعني التمادي في ممارسة الصراع إلى حد القضاء على البشرية ككل. وإنما يعني إنجاز حلقة أكثر تقدماً على الدوام صوب تحرير البشرية، وخلق ظروف أكثر مواتاة لازدهارها، أي أن القضاء على «جزء» من المجتمع البشري (الجزء المعطل لعملية التحرير) هو شكل من أشكال إعطاء دفعة للمجتمع كي يتقدم «ككل»، وتمكينه من التقدم بشكل أفضل.
بينما الجديد في القوى التكنولوجية العصرية يشير إلى أن «صراع الطبقات» يحمل خطر تعريض البشرية ككل للإفناء الشامل، سواء بالحرب النووية، أو بتلويث البيئة، أو بالإساءة إلى الكوكب إساءة بالغة بتسخين الغلاف الجوي، أو بثقب الأوزون، الخ».
واضح من هذا البحث العلمي الدقيق الذي يواكب فيه محمد سيد أحمد التحولات الجارية في العالم المعاصر أن معالجته لأزمة الاشتراكية في المرحلة التي كان فيها النظام الاشتراكي في بلد ثورة أكتوبر يترنح، هي معالجة مثقف وعالم ومفكر، متحرر من الأسر الذي وقعت فيه الحركة الشيوعية ومجمل قوى اليسار في العالم العربي وفي العالم، ومتحرر من الأفكار المحنطة التي يزعم أصحابها أنهم يستندون في تمسكهم بها إلى فكر ماركس.
فالمعروف، كما يعتقد كلانا ـ محمد وأنا ـ أن فكر ماركس، أسوة بكل فكر إنساني، هو فكر تاريخي. وهو ما أشار إليه ماركس ذاته، حين كان يرفض تحويل فكره إلى عقيدة جامدة، وحين كان يتحدث فيما يشبه التنبؤ إلى تغيرات كبرى ستحصل في العالم في المقبل من الأعوام.
إلا أن هذا البحث الذي قدمه محمد في مطلع العقد الأخير من القرن العشرين، ظلت تغتني الأفكار الواردة فيه، كلما كان يكتشف المزيد من المعلومات عما كان يجري من تحولات سريعة وعميقة في طبيعة العالم المعاصر، ومن معارك علمية، ومن تحولات في تركيبة الكوكب الطبيعية، وفي التغيرات التي كانت تجري في التركيبة العامة للمجتمعات البشرية، في البلدان المتقدمة وفي البلدان المتخلفة على حد سواء.
في البحث الثاني حول مفهوم اليسار مستقبلاً يدخل محمد سيد أحمد في تعريف اليسار منذ الثورة الفرنسية، حتى يومنا هذا. ثم يتجاوز في بحثه المصدر الأول لكلمة يسار، ليدخل في تحديد العناصر التي تجعل «اليسار» بمدارسه المختلفة في عصرنا، من اليسار الماركسي إلى سائر مدارس اليسار، محاولاً استخلاص ما هو ضروري في الوقت الراهن لإعطاء معنى معاصر لليسار، بصفته يحمل، من حيث المبدأ، مشروعاً للتغيير يؤمن في الآن ذاته التقدم والحرية والسعادة للبشر، في شروط العصر وليس خارج هذه الشروط.
والمقصود بهذا التعريف من قبله هو أن عدداً من المفاهيم والمقولات القديمة، الماركسية أساساً، لم تعد صالحة للعصر الجديد. وصار من الضروري استبدالها بمفاهيم ومقولات جديدة معاصرة، لكي يكون بمقدور حاملي صفة اليسار بهذا المعنى أن يحققوا أهدافهم في إحداث التغيير. ومن أهم ما يلفت النظر إليه محمد في بحثه هذا اشارته إلى ضرورة فهم معنى التحولات بما في ذلك ما يتصل منها بمقولة التقدم ذاته.
يقول محمد في محاولة تحديده لمفهوم اليسار اليوم: «.. لذلك أصبح مطروحاً اكتشاف ـ بل وربما ابتداع ـ معنى لكلمة (اليسار) يلائم تجارب عصرنا وما جرى فيه من تحولات. وهذا مدعاة لطرح أسئلة غير مألوفة. منها، على سبيل المثال: هل الانتساب إلى (اليسار) قضية (أيديولوجية) في المقام الأول؟ هل هو انتساب إلى (نظام)؟ إلى (دولة)؟ إلى مجموعة دول؟ إلى (كتلة دولية)؟ إلى (قطب دولي)؟.. مؤكد أن هناك حاجة إلى تجاوز المفهوم التقليدي لليسار. والسؤال المطروح هو معنى هذا التجاوز وإطاره».
لكن محمد يجيب عن السؤال عن مستقبل اليسار بالإقرار بأن ثمة ميزة خاصة لمعنى التمسك بفكرة أن لليسار مستقبلاً. ذلك أن هذا التمسك يشكل رداً على المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية «نهاية التاريخ»، بمعنى، كما يقول محمد سيد أحمد مفسراً فكرة فوكوياما، «أن الصراع الأيديولوجي قد انتهى بسقوط الشيوعية (إثر سقوط الفاشية).
وأن الفكر الليبرالي بركيزتيه الديمقراطية واقتصاد السوق أصبح الفكر الوحيد السائد والمرجعية الوحيدة..» ويعلّق محمد سيد أحمد قائلاً: «ان لمفهوم اليسار قدراً من (المرونة) يجيز إكسابه مدلولات جديدة أكثر تكيفاً مع عصر جديد، مدلولات تلبي متطلبات إجراء مراجعات شاملة، دون الالتزام بمرجعيات طبقية صارمة التحديد تتهددنا بالوقوع فريسة الجمود، وأسرى قوالب مصبوبة عفا عليها الزمن، وتقف عقبة في وجه الاجتهادات التي يقتضيها عصر مختلف».
يشير هذا البحث القيّم الحافل بالكثير من الأفكار إلى عمق رؤية محمد سيد أحمد للعالم ولكيفية مواجهة التحولات الجارية فيه، بإيجابياتها وبسلبياتها، في شكل صحيح ليساهم في تحقيق ما يتصل بأهداف اليسار المعاصر.
ذلك أنه لا بد من أن تستمر وتتطور وتتعمق الحركة التي تحمل اسم اليسار بالمعنى المعاصر للمفهوم، حاملة معها طموحات البشرية بإحداث تغيير، يخفف من الآلام والمآسي والحروب وأشكال التمييز والظلم والقهر والاستغلال.
وبالوقوف في وجه توحش العنصريات على اختلافها، بما فيها التي يستند أصحابها إلى «التقدم» الذي حققته البلدان الرأسمالية، أم تلك التي تستند إلى الغرائز المستنفرة، وإلى البدع والخرافات، باسم الأديان ضد قيمها الروحية. وهذان النوعان من العنصريات يكملان الواحد منهما الآخر، في عملية التدمير المتواصلة لحياة الإنسان وللكوكب الأرضي.
غادر محمد سيد أحمد الحياة في لحظة تاريخية فائقة الصعوبة في مصر وفي العالم العربي. وإني لأشهد، في آخر حديث جرى بيني وبينه في طريق عودتنا من الاسكندرية إلى القاهرة في القطار، بعد انتهاء أعمال مؤتمر مكتبة الاسكندرية في عام 2004، أشهد أنه كان قلقاً على المستقبل.
كان يعبّر لي بصدق ومرارة عما يشبه اليأس من إمكان احداث تغيير قريب، في عالمنا العربي وفي العالم. لكننا أنهينا حديثنا بالاتفاق على البقاء في التفاؤل، حتى لو كان هذا التفاؤل يحمل بعض السذاجة ونوعاً من الحلم الطوباوي.
