«الهيلولة» في تونس تعبير محلي عن الاحتفال الكبير الذي تتمازج فيه مختلف العروض الموسيقية التراثية والرقصات الشعبية والتي تترافق عادة مع عادات تونسية أخرى من بينها إعداد «الكسكسي» الطبق البربري الشهير عالميا وشرب الشاي الأخضر بالنعناع، وإن كانت العبارة تستعمل على نطاق واسع في مختلف المدن والمناطق التونسية.

إلا أنها تتخذ في جزيرة جربة الساحرة في الجنوب الشرقي لتونس طابعا خاصا، حيث تعني «الهيلولة» الاحتفال الديني السنوي للطائفة اليهودية. في هذا الاحتفال الذي يشهد تدفق آلاف اليهود من تونس ومن مختلف أنحاء العالم، تعيش جزيرة جربة التي لا يتعدى تعداد سكانها 120 ألفا غالبيتهم من العرب المسلمين ومن بينهم البربر والأفارقة وأقلية من المسيحيين، أجواء خاصة جدا تختلط فيها مختلف الأعراق والأجناس والديانات في احتفال تونسي تعد له العدة ويمثل مركز استقطاب تونسي للسياحة التي تعد رافدا أساسيا لاقتصاد البلاد.

وفي المنطقة اليهودية بالجزيرة التي تسمى بالحارة الكبيرة والحارة الصغيرة تتحول الساحات التي تتاخم كنيس الغريبة اليهودي إلى مسارح مفتوحة لحفلات الموسيقى التونسية ومعزوفات المالوف الأندلسي وإلى ممارسة عادات وتقاليد يهودية قديمة فيما يتدفق عشرات العرب المسلمين والمسيحيين التونسيين للمشاركة في هذه العروض في مشهد يبرز بالعين المجرد التعايش بين المسلمين واليهود والي كان أقوى لحمة بالضرورة قبل قيام دولة إسرائيل.

وفي جربة يحن يهود تونسيون قادمون من فرنسا التي هاجروا إليها على فترات متعاقبة إلى الأكلات التونسية والعادات والتقاليد التي توارثوها عن أبائهم وأجدادهم جيلا بعد جيل. وجربة التي تعد من أكثر المناطق التونسية محافظة على تراثها العربي والإسلامي ويتمسك أهلها بالتقاليد والعادات الإسلامية تستقبل محلاتها وفنادقها الزوار اليهود بترحاب كبير ومن دون أية حساسيات أو نظرة سياسية كما يعمل مسلمون إلى جانب اليهود في بيع منتجات سياحية وتذكارات تونسية على الزوار.

ومن ذلك أن الكنيس اليهودي يعمل به رجل مسلم هو الهادي الحاج مسعود حيث يقوم بتوزيع «البرنيطة» وهي أغطية الرأس التي يستخدمها اليهود على زوار المعبد نساء ورجالا. وشهد احتفال هذه السنة بشكل خاص حضور نحو ألف وخمسمئة من يهود إسرائيل وهم من التونسيين الذين هاجروا إليها بعد قيامها كما شهد حضور عدد من الشخصيات الدينية والاقتصادية اليهودية النافذة من أوروبا.

ولعل هذا الحضور أثار حفيظة البعض بسبب حساسية التونسيين المفرطة تجاه القضية الفلسطينية وما يحدث في الأراضي الفلسطينية وما يتعرض له أبناء الشعب الفلسطيني من تنكيل من قبل الصهاينة. وككل عام تستنفر أجهزة الأمن والسلطات التونسية طاقاتها لتأمين هذا الاحتفال الذي يعد الحج الكبير لليهود ومناسبة سياحية لتنشيط السياحة التونسية كما يشكل لليهود مناسبة اجتماعية على درجة عالية من الأهمية، ففيها تقام الخطوبات ويعلن الزواج وتقام الأفراح بين العائلات المتزاورة.

كما يتم جمع التبرعات لأفراد الطائفة الفقراء وخاصة من مساهمات اليهود المهاجرين ويتشكل أغلب زوار الغريبة من اليهود ذوي الأصول المغاربية وخاصة من تونس والجزائر والمغرب وليبيا الذين يقيمون في بلدان أميركا وأوروبا وخاصة فرنسا ويستذكر اليهود القادمون حياتهم في هذه البلدان وما كانوا ينعمون به من أمن وسكينة وسط المجتمعات المغاربية قبل قيام إسرائيل كما تتردد بين أجنحة المعبد فقرات من التوراة في نسخته الموسمية الأولى على امتداد ساعات اليوم.

ويعود الوجود اليهودي في تونس إلى عشرات القرون حينما اتخذوا من جزيرة جربة مستقرا لهم مباشرة بعد أن قيام نبوخذ نصر، ملك بابل، بتدمير الهيكل الأول. ويتحدث الحاخام الفرنسي التونسي الأصل جوزيف سيتروك، عن هذه المرحلة بالقول «عندما غادر اليهود القدس حملوا معهم بعضاً من حجارة هيكل سليمان وبنوا معبدهم هنا، كانت رحلتهم طويلة ومرهقة عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أن انفتحت أمامهم أبواب المستحيل بوصولهم إلى شاطئ بكر، فارتموا على رماله الصفراء النقية.

وبدأوا في اكتشاف مأواهم الجديد كان ذلك سنة 580 قبل الميلاد، عندما كانت جحافل الإمبراطور نبوخذ نصر تدك مدينة القدس وتسبي اليهود لتعود بهم مقيدين إلى بابل. ثم أصبحت الجزيرة مقصد طوائف يهودية أخرى بعضها قادم من الشرق والبعض الآخر من الغرب. وتتحدث الطائفة اليهودية لغة عبرية قديمة، فيما يتحدثون مع غيرهم من العرب المسلمين لغة عربية دارجة وهي اللهجة التونسية المحلية مصحوبة بلكنتهم الخاصة التي تبقى وحدها مفتاح التمايز بين العرب- المسلمين والعرب- اليهود في الجزيرة التي تتميز بواحات نخيلها الوارفة وبمياهها العذبة وبشواطئها الذهبية.

ووفق إحصائيات عام 1951 قدر عدد اليهود في تونس بنحو 135 ألف نسمة كان ثلثهم على الأقل يحمل الجنسية الفرنسية وتطبق عليهم قوانين فرنسا إبان احتلالها لتونس، أما البقية فكانوا يحملون الجنسية التونسية ويخضعون للقانون المدني التونسي في ظل المملكة الحسينية.

في حين كانوا يخضعون في مجالات الأصول الشخصية لقانونهم الطائفي الخاص. وقد عاش يهود تونس في أمن وسلام مع مواطنيهم المسلمين ونظرائهم في الوطن، حتى أن قادة حركة التحرير الوطني من كوادر حزب الدستور كانوا يساهمون في حمايتهم من الزحف النازي الذي وصل تونس في أربعينات القرن الماضي. وبعد الإعلان عن قيام دولة إسرائيل عام 1948 بدأت هجرة مجموعات من يهود تونس ليتسارع نسقها في السنوات التالية تحت تأثير حملات متعددة قادتها منظمات يهودية في عديد البلدان العربية.

ومع ذلك لم يغادر سوى نحو عشرة آلاف يهودي من حاملي الجنسية الفرنسية إلى إسرائيل لكن اندلاع الثورة المسلحة في تونس بداية الخمسينات ضاعفت من العداء الوطني التونسي لحاملي الجنسية الفرنسية لترتفع وتيرة العنف والمقاومة ضد المصالح الفرنسية، لكن حكومة الاستقلال الداخلي في تونس عام 1955 عيّنت اليهودي البير بسيّس وزيراً للتخطيط والبناء.

كما شهد البرلمان التونسي في أول انتخابات بعد الاستقلال انتخاب عضوين يهوديين في أول مجلس نواب تونسي. وتواصلت هجرات اليهود بعد أن انتهجت الحكومة التونسية سياسة اشتراكية تقوم على تأميم المؤسسات الاقتصادية ليلتحق العدد الكبير منهم بأوروبا وخاصة فرنسا دون أن يقطعوا صلتهم بوطنهم الأم تونس. ورغم وجودهم كأقلية ضمن النسيج الاجتماعي التونسي.

إلا أن اليهود لم يعيشوا يوما ما بعقلية انعزالية بل كانوا جزءا من التركيبة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلاد وانصرفوا إلى مختلف الأنشطة الصناعية والفلاحية والحرفية وتميزوا بدقتهم العالية في المشغولات اليدوية والفضيات والذهب حتى بات يضرب بهم المثل في دقة المنتج بعبارة « صنعة يهودي.

كما أخذوا معهم حيثما حلوا العادات والتقاليد التونسية مثل شرب الشاي الأخضر واعداد «الكسكسي» الأكلة الشعبية التونسية الشهيرة عالميا و«الهريسة» وهي مسحوق من الفلفل إضافة إلى إتقانهم للموشحات الأندلسية وهي ما يعرف بالمالوف والأغاني التونسية التي تتردد في الأفراح بمختلف جهات البلاد.

ويبلغ عدد يهود تونس 2000 يهودي ورغم قلة عددهم فإن علاقاتهم باليهود التونسيين في أوروبا وخاصة فرنسا توفر لهم لعب دور مهم وتتولى الدولة رعاية دور عبادتهم وتوفر لهم عديد الامتيازات ويتواجدون في أماكن عديدة من تونس بدءا بالعاصمة التي يمارسون فيها الأنشطة التجارية مثل بيع الذهب ومحلات التجارة العامة.

كما يتواجدون في بقية المدن الأخرى وخاصة جزيرة جربة التي يقيم فيها معظم اليهود ويوجد بها 11 معبدا والعديد من المدارس التلمودية حيث يسمح القانون التونسي لهم بالدراسة بالمدارس الحكومية التي يتلقون فيها المنهج التونسي. فيما يتلقوا في مدارسهم المنهج اليهودي، ولديهم خمسة أحبار يهود موزعين على مناطق انتشارهم.

مشاهير وكنيس

يعد وزير خارجية إسرائيل السابق سيلفان شالوم الذي غادر تونس مع عائلته سنة 1962 وهو لم يتجاوز الثامنة من عمره واحدا من أشهر اليهود التوانسة. وقد زار سنة 2005 مسقط رأسه في مدينة قابس الجنوبية مصرّحا بأن أمه تتمني زيارة قابس قبل وفاتها، وهو ما حققته لها الحكومة التونسية في موقف إنساني متميز خلال شهر نوفمبر 2005.

فيما يكتسي كنيس الغريبة بجزيرة جربة أهمية مقدسة لليهود التونسيين وهم يتحدثون عن وجود واحدة من أقدم نسخ التوراة. وتروي الأساطير أن نشأة الكنيس ارتبطت بامرأة غريبة قدمت إلى جربة وعاشت فيها بعفة وورع إلى أن ماتت في مكان الكنيس الموجود حاليا. قد شهد المعبد عديد أعمال الإعمار والتحسينات منذ مطلع القرن العشرين وحتى الاستقلال وما بعده وذلك لاستقطاب الأعداد المتزايدة من الحجيج اليهود والزوار الأجانب.

يهود عرب

تمتع اليهود في ليبيا بالجنسية الليبية بعد الاستقلال واعتبروا مواطنين ليبيين وبعد قيام إسرائيل هاجر 30 ألف يهودي من ليبيا. وبعد حرب 1967، هاجر معظم اليهود الليبيين وقد دعا الزعيم الليبي معمر القذافي في الفترة الأخيرة إلى إعادة أملاك اليهود الليبيين في مسعى للمصالحة معهم. في الجزائر تشير آخر احصائية لليهود عام 1960 إلى أن عددهم بلغ 14 ألف يهودي هاجر معظمهم من الجزائر بعد حرب 1967 ويتمركز معظم يهود الجزائر في العاصمة ومدينة وهران وفي مدن الشرق.

وتشير الإحصائيات أن يهود المغرب يبلغ عددهم 20 ألف يهودي لهم نشاط كبير سواء في المجال الاقتصادي أو السياسي وقد تقلد عدد منهم مناصب حكومية هامة من بينهم سيرج بيردوجو الذي عين وزيرا للسياحة.

كما يوجد مستشار للملك الحسن الثاني ومن بعده محمد السادس مستشار يهودي هو اندريه ازولاي.