تتعرض حكومة العراق وبرلمانه وقواه السياسية المختلفة إلى شتى أنواع الضغوط والإغراءات والوعود، بهدف الانتقال من مرحلة سنوات الغزو، إلى مرحلة «ترتيب» وجود قوات الاحتلال، بما يتلاءم مع مصالح الولايات المتحدة في العراق والمنطقة، ويحمي وجود قواتها، ويتيح لها حرية الحركة العسكرية إقليميا، من خلال السعي إلى ابرام «معاهدة استراتيجية» أو ما يسمي الاتفاقية الأمنية طويلة الأمد مع سلطات بغداد.
ففي الوقت الذي كان فيه العراق مادة للسجال الانتخابي بين السياسيين والمرشحين إلى مقعد الرئاسة الأميركية، كانت إدارة الرئيس جورج بوش تتفاوض مع حكومة نوري المالكي حول «وثيقة إعلان المبادئ» في أكتوبر 2007، والتي تحدد شكل العلاقة الاقتصادية والسياسية والأمنية بين البلدين بعد انتهاء التفويض السنوي من مجلس الأمن الدولي، الذي طلبت الحكومة العراقية من الأمم المتحدة عدم تجديده بعد نهاية العام الحالي 2008.
اقتراب انتهاء هذا التفويض أجبر الحكومة على التفاوض مع واشنطن حول «المعاهدة الاستراتيجية» و«اتفاقية وضع القوات»، التي تنظم الإطار القانوني لعمل الجنود الأميركيين، بعد انتهاء مدة القرار الدولي في 31 ديسمبر المقبل. وبالرغم من تزايد المعارضة في العراق، فان واشنطن، وبحجة إخراج بغداد من البند السابع لمجلس الأمن، لا تزال تأمل بتوقيع «اتفاقية وضع القوات» بحلول نهاية يوليو 2008، و«المعاهدة الاستراتيجية» قبل انتهاء العام الحالي.
ورغم أن مسودة «اتفاقية وضع القوات» و«المعاهدة الإستراتيجية» لا تزالان غير مكتملتين، والمفاوضات تتواصل حولهما، فان ما تم الكشف عنه خلال الفترة الماضية أقلق القيادات السياسية والمراجع الدينية العراقية، لما تمثله من تقويض لسيادة العراق، كما أقلق طهران، التي شنت هجوما لاذعا عليها.
ويمكن اعتبار هذه «المعاهدة» تكرارا لتلك التي وقعتها الولايات المتحدة مع أفغانستان في العام 2005، والتي تسمح للقوات الأميركية باستخدام قاعدة باغرام الجوية ومنشآتها، ومنشآت أخرى في أماكن أخرى، وحرية القيام بالعمليات العسكرية، إلا أنها لا تذكر المدة التي تعتزم واشنطن البقاء فيها في أفغانستان.
والإجراءات التي سيتم بحثها ضمن «المعاهدة الاستراتيجية» غير موجودة في «اتفاقية وضع القوات»، ضمنها تلك التي أعلن عنها في «وثيقة إعلان المبادئ»، مثل: دور القوات الأميركية في الدفاع عن العراق من التهديدات الداخلية والخارجية، ودعمها المصالحة السياسية، وجهودها في مواجهة الجماعات الإرهابية.
وفيما ينص «إعلان المبادئ» الموقع بين بوش والمالكي، على «تقديم ضمانات أمنية للحكومة العراقية بردع أي عدوان خارجي يستهدف العراق وينتهك سيادته وحرمة أراضيه أو مياهه أو أجوائه»، تشير مصادر عراقية وإعلامية مختلفة إلى أن مسودة «المعاهدة الاستراتيجية» تشير إلى أن الأميركيين «يطلبون السيطرة على الأجواء، والحصول على تسهيلات مفتوحة برا وبحرا، وحق اعتقال وسجن أي عراقي يعتقدون انه يشكل تهديدا، وشن عمليات عسكرية لملاحقة الإرهاب من دون استشارة بغداد، والاحتفاظ بالحصانة القانونية للجنود الأميركيين والمتعاقدين والشركات الأمنية».
تقول الخبيرة في مؤسسة «كارنيغي للسلام العالمي» مارينا اوتاواي إن «العراقيين خائفون من مشكلتين رئيسيتين: الأولى أن المعاهدة تظهر نية الولايات المتحدة البقاء في العراق لمدة طويلة جدا، والغالبية منهم تراه احتلالا. وثانيا، من خلال الحكم على ما تم تسريبه حول الاتفاق، فانه سيكون للولايات المتحدة سلطة واسعة للتحرك بشكل مستقل، ولن يكون للحكومة العراقية أي سلطة على ما يقوم به الأميركيون. إنه نوع من الاحتلال الجديد».
وتستبعد اوتاواي أن يوقع البرلمان العراقي على المعاهدة، موضحة «هناك معارضة من النواب السنة والشيعة. بالتأكيد فان (زعيم التيار الصدري) مقتدى الصدر سيعارضها، وهذا الأمر سيؤدي إلى نزاع ضخم. إذا تم التوقيع عليها، اعتقد أن الميليشيات السنية والشيعية ستنقلب على الحكومة، كما أن سيادة العراق ستقيد بشكل كبير».
ويقول الكاتب المتخصص بالقضايا السياسية والعسكرية في «كاونتر بانش» بريان كلافلي إن «المعارضة في العراق للاتفاق الأمني تأتي بسبب أن الولايات المتحدة تتصرف على أنها قوة استعمارية، وحتى بريطانيا، في عز قوتها الاستعمارية، لم تتصرف هكذا».
ويوضح الأستاذ في قسم الصحافة في جامعة تكساس روبرت جنسن أن «الولايات المتحدة غزت العراق من اجل توسيع هيمنتها على الشرق الأوسط، وتعميقها. إن صانعي السياسة في الولايات المتحدة حلموا بدولة عراقية تابعة لهم، تسمح بوجود قوات أميركية دائمة على أراضيها. من الصعب أن نفاجأ بان غالبية العراقيين ترفض هذا الأمر، وبالتالي ترفض ما يسمى بالمعاهدة الأمنية».
ويقول اللواء اللبناني المتقاعد ياسين سويد إن «الأسباب التي جعلت بوش يتوجه نحو العراق ليست أميركية بل صهيونية». ويضيف إن »الحكم في العراق اليوم هو في يد الشيعة، وهم جماعة من الوطنيين، لن يربطوا أنفسهم بمعاهدة تضر بهم وبإيران، وقد تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه مع طهران».
ويتفق سويد واوتاواي وجنسن وكلافلي على أن «المعاهدة» هي نوع من « الانتداب الجديد على العراق»، موضحين أن البديل هو خروج قوات الاحتلال، إلا أن كلافلي يستبعد قيام واشنطن بهذا الأمر، موضحا أن «فرص قيام إدارة بوش أو المرشح جون ماكين بهذا الأمر صفر. وإن فرص قيام المرشح الديمقراطي (باراك) اوباما بهذا الأمر هي بالكاد فوق الصفر».
كما يتفق الخبراء حول أحقية إيران في التخوف من الموضوع، فيما يحملها الاحتلال مسؤولية العنف في العراق. ويقول سويد إن «توقيع المعاهدة مصلحة لأميركا، فهي قد تستخدم القواعد لضرب إيران» ويتساءل في المقابل «ما الذي يمنع إيران من استهداف جميع المواقع الأميركية في المنطقة، ضمنها العراق».
اتفاقيات «وضع القوات »
تاريخياً، فان «اتفاقية وضع القوات» تعتبر إطارا قانونيا يحدد كيفية عمل القوات الأجنبية في البلد المضيف. وهي تعقد فعليا عبر اتفاقات إجرائية، ولا يوجد لها شكل موحد، إن كان عبر تحديد ما تحويه أو طولها. فمثلا، إن «اتفاقية وضع القوات» التي وقعت في العام 2002 بين تيمور الشرقية والولايات المتحدة كانت اقل من 3 صفحات، بينما الاتفاقية المماثلة مع كوريا الجنوبية تضم أكثر من 150 صفحة، وأكثر من 30 ملحقا.
سري وعلني
رغم أن غالبية الاتفاقات حول «وضع القوات» علنية، فان هناك عددا منها سري. وأعلن السفير الأميركي لدى العراق رايان كروكر خلال شهادته أمام الكونغرس الأميركي في ابريل الماضي أن لدى الولايات المتحدة حوالي 80 اتفاقية. فيما كانت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ووزير الدفاع روبرت غيتس أعلنا، في مقالة مشتركة في صحيفة «واشنطن بوست»، في 13 فبراير الماضي، أن هناك أكثر من 115 اتفاقية.
700 قاعدة
بحسب العديد من الخبراء فإنّ الجيش الأميركي يتواجد حالياً في أكثر من 700 قاعدة أو منشأة عسكرية خارج أميركا، فيما يشير آخرون إلى وجود أكثر من ألف قاعدة، إذا ما أضيف إليها القواعد السرية. وتقيم الولايات المتحدة قواعد عسكرية لها في العراق، حيث يقدر الخبراء وجود أكثر من 75 قاعدة تطلبت إنفاق أكثر من مليار دولار منذ الغزو، وأهمها مطار بغداد الدولي.
بيروت ـ فايز عجور
