إذا كانت الفصول العشرة الأولى من هذا الكتاب قد طوفت بآفاق موضوعه في محاولة من جانب الباحثين الذين أسهموا فيه للإجابة عن سؤال يتعلق بأنجع وأفضل سبل توصيل الرسالة الإعلامية الصادرة عن الولايات المتحدة والموجهة إلى شعوب العالمين العربي والإسلامي.فقد كان طبيعيا في مثل هذا النوع من الدراسات التي يشتبك فيها الإعلامي بالسياسي أن تخلص الدراسة المطروحة إلى فصل ختامي يحمل عنوانا من قبيل: الخلاصات (بمعنى النتائج المشفوعة بالتوصيات).
هذه التوصيات عمد الكتاب إلى ترجمتها إلى خطة عمل مقترحة تنطلق من وعي الدروس المستفادة من المراحل التي اجتازتها «الدبلوماسية العامة» التي تمارسها الميديا والدوائر الإعلامية المسؤولة في أميركا. وهي بصدد اتصالها بعالم العرب ودنيا المسلمين، فيما تحاول الخطة المذكورة أن ترسم أفضل مسارات العمل في هذا الميدان وبما يحقق أعمق التأثير.ونلاحظ أيضا أن دبلوماسيا أميركيا محنكا هو ويليام رو هو الذي تولى صياغة الفصل الختامي من هذا الكتاب حيث يطرح الاستنتاجات مدعومة بخطة للعمل. وأن هذا الفصل الختامي يأتي متمما للفصل الاستهلالي من الكتاب الذي يحوي المقدمة التي كتبها السفير رو أيضا.
يستهل البروفيسور رو مساهمته في الفصل الختامي من الكتاب بسطور يقول فيها: إن الخبراء الذين أسهموا في هذا المجلد حرصوا على إيضاح أن الدبلوماسيين الأميركيين أصبح يتعين عليهم أن يواجهوا أزمة خانقة في مجال الدبلوماسية العامة في الدول العربية والإسلامية دون أن يتلقوا على سبيل العون من واشنطن سوى النذر اليسير. والحاصل - تضيف سطور المساهمة الختامية - هو أن اختصاصيي الدبلوماسية العامة (في بعثات أميركا لدى تلك الدول) أصبحوا يؤدون واجباتهم في طرح معالم السياسة الأميركية مستخدمين الوسائل المتاحة بين أيديهم.وهي وسائل نالت منها سنوات من الإهمال الإقليمي (في ضوء التركيز طويلا خلال حقبة الحرب الباردة إلى الغريم الروسي وتوابعه في شرق أوروبا) فضلا عن تقلص مطرد في حجم الأموال المرصودة والمطلوبة لفعالية أداء هذه الرسالة الإعلامية لأميركا في دنيا العروبة والإسلام).
من هنا ومع سنوات العقد الأول من القرن الجديد، ناهيك عن ملابسات الحادي عشر من سبتمبر وتداعياته أصبح مطلوبا بإلحاح العمل على إعادة تنشيط وتفعيل التعاطي الأميركي مع تلك الدول والشعوب العربية والإسلامية. مستفيدين في ذلك - والتعبير لا يزال للسفير والخبير الأميركي ـ من الخبرات والتجارب السابقة فلسنا بحاجة إلى أن نبدأ من نقطة الصفر.بل إن أمامنا عددا من الآليات التي أثبتت فعاليتها في الماضي وما علينا سوى تكييفها وتطويعها بما يتلاءم مع ما استجد إلى حاضرنا الراهن من متغيرات.
وقد لا يعلم الكثيرون أن العوائق التي اعترضت الدبلوماسية العامة الأميركية وفي مقدمتها الإجراءات الأمنية وتناقص التمويل ودمج وكالة الإعلام في وزارة الخارجية جاءت سابقة إلى تاريخ الحادي عشر من سبتمبر وكانت ترجع إلى عقد التسعينات.. فقد زادت إجراءات الأمن بعد حوادث الاعتداءات على المرافق (السفارات - المراكز) الدبلوماسية الأميركية خارج الحدود.. وتناقصت الأموال المرصودة في ميزانيات الدبلوماسية العامة.. بعد أن ساد شعور مع نهاية الحرب الباردة بأن لم يعد للأميركيين ذلك الاهتمام القديم بقضايا الإعلام والمعلومات والتفسير والاتصال..
وشرح الآراء وإبداء وجهات النظر.على أن كاتب هذا الفصل الختامي من الكتاب يحرص أيضا على لفت أنظارنا إلى التحدي الرابع في هذا الخصوص ونحن نراه تحديا أكبر وأخطر باتت تواجهه عمليات الدبلوماسية العامة - الإعلامية ـ ويعبر عنه الكاتب في عبارات يقول فيها:يتمثل هذا العامل المهم في تلك الثورة التي حدثت في مجال تكنولوجيا الاتصال والإعلام..فكان أن شكلت تحديا إضافيا أمام ممارسي الدبلوماسية العامة.. لأن الجماهير التي كانوا يستهدفونها لم تعد جماهير الزمن الذي مضى (أيام الحرب الباردة مثلا)..
لقد أصبحت هذه الجماهير هدفا لسيل منهمر من الأفكار وطوفان بغير حدود من المعلومات والآراء والرسائل الإعلامية المتباينة، وبعضها ما برح ينطلق من موقف العداء للولايات المتحدة.. ومن ثم أصبح من واجب هؤلاء الممارسين الأميركيين أن يُسِمِعُوا أصواتهم وسط هذا الضجيج الصاخب وتلك الرسائل الإعلامية المتلاطمة وسط بحر إعلامي هائج مضطرم.
من هنا يستخلص كاتب هذا الفصل من كتابنا درسا مستفادا وبليغا في رأينا حين يوضح أن السبيل الأفضل لأداء الرسالة الإعلامية وسط هذه الظروف المستجدة إنما يتمثل في كلمة واحدة هي: الحوار
بمعنى أن لا تعمل الرسالة، أي رسالة إعلامية على فرض آراء من جانبها أو إملاء أفكار من ناحيتها على جموع الجماهير المستهدفة.. خاصة إذا كانت هذه الجماهير تعيش وسط مجتمعات وفي إطار ثقافات تقع خارج الحدود.
بعد هذه التوطئة التي حاولت تلخيص ما سبقت إليه فصول هذا الكتاب يخلص الفصل الختامي إلى عرض وتحليل البنود الثلاثة عشر التي تتألف منها خطة العمل التي يقترحها في هذا المضمار. وقد طرح الكتاب هذه البنود على شكل توصيات مقدمة من مجلس الدبلوماسية العامة في واشنطن إلى الإدارة الأميركية في واشنطن أيضا.
هذه البنود المحورية ترسم السبيل التالي أمام اتخاذ إجراءات جذرية مقترحة وهي تتخذ النسق التالي الذي يستهدف إعطاء دفعة كبرى للدبلوماسية العامة الأميركية لتجاوز الإخفاقات العديدة التي منيت بها على امتداد سنوات عدة:
(1) توسيع نطاق الدبلوماسية (الإعلامية) العامة على صعيد عالمي العرب والمسلمين حيث تدور الحوارات وتضطرم الأفكار بشأن قضايا الحاضر وآفاق المستقبل.
(2) ضرورة استخدام شبكات متكاملة من أدوات ووسائل الدبلوماسية العامة بحيث لا يقتصر الأمر على أداة واحدة بعينها.. فلا الإذاعة وحدها ولا التلفاز ولا الحاسوب بمفرده يمكن أن يحقق الفعالية المنشودة للرسالة الإعلامية المطلوب توصيلها.
(3) أهمية التوسع في استخدام قنوات الإعلام المحلية (العربية ـ الإسلامية) ويتمثل الهدف على هذا الصعيد في زيادة مشاركة أميركا ـ الدولة والثقافة والمصالح في حوار العولمة الدائر حاليا.. وهنا يُوصي هذا البند بالانتفاع من الأميركيين المنحدرين من أصول عربية ومن الأميركيين المسلمين الذين يجب تشجيعهم على الظهور في البرامج المذاعة والمتلفزة والمرسلة خارج الحدود.
(4) إعداد وتدريب كوادر أميركية متخصصة للعمل في سفارات أميركا ومراكزها الثقافية في الوطن العربي والعالم الإسلامي بحيث يدللون على قدرتهم على المشاركة الفعالة وأحيانا المبادرة في أي حوار يدور بشأن السياسة الأميركية أو بشأن أحوال المجتمع أو أنساق الثقافة بالولايات المتحدة.
(5) إنعاش، أو فلنقل إحياء، المراكز الثقافية واللغوية والمكتبات الأميركية في أصقاع البلاد العربية والأقطار الإسلامية.. ومهما كانت إجراءات الأمن المتخذة فالأهم أن تعود أميركا إلى ممارسة دورها الفعال من خلال تلك القنوات (هنا يضيف السفير رو قائلا: لا يمكن أن تحقق الدبلوماسية العامة أهدافها بفعالية إذا ما عمدنا إلى الاختباء خلف أسوار قلاع حصينة).
(6) إعادة تنشيط وتوسيع برامج التبادل التي كانت تكفل زيارات وإقامات متبادلة بين شباب أميركا ودارسيها وأساتذتها وباحثيها وبين نظرائهم وأندادهم من العرب والمسلمين.. ويمكن أن يعاد تنشيط وتفعيل هذه البرامج في نطاق إجراءات الأمن المعمول بها حاليا.. فهذه الإجراءات مفترض أن تصونها وتحميها دون أن تلغيها أو تصادر عليها.. والمهم أن هذه المبادلات تتم في التحليل الأخير لصالح أميركا أساسا لأنها تتعامل مع فئة الشباب وهم قادة المستقبل في عالم العروبة والإسلام.
(7) زيادة عدد الإعلاميين الأميركيين المسؤولين عن الدبلوماسية العامة والعاملين في سفارات أميركا ومراكزها في العالمين العربي والإسلامي بعد أن ثبت أن تخفيض عددهم كان من الخطورة بمكان.
(8) إحياء «باو» وهي وكالة المعلومات ـ الإعلام الأميركية أو معاودة إسناد مزيد من الصلاحيات إليها بما يتيح لها تنفيذ برامجها الإعلامية على الصعد المحلية وراء البحار مع تزويدها بإمكانات المساندة من واشنطن العاصمة.
(9) زيادة عدد موظفي السلك الدبلوماسي الأميركي الذين يكلفون بالعمل المتخصص في مجال الدبلوماسية العامة. إن التخصص والخبرة أمران لا غنى عنهما في هذا المجال.. ومن هنا ينبغي تهيئة سبل التدريب لصالح هذه الفئة من الدبلوماسيين وخاصة ما يتعلق بإجادة اللغات السائدة لدى الشعوب العربية والإسلامية، فضلا عن الوعي العميق والإلمام الواسع بتاريخ وثقافات تلك الشعوب.
(10) تعزيز وتنسيق وتوحيد أساليب إدارة الأداء في مجال الدبلوماسية العامة ضمن وزارة الخارجية الأميركية حتى يتم إدارتها على أساس مخطط استراتيجي وخطط تكتيكية (بمعنى تنفيذية) يتم وضعها على يد خبراء دبلوماسيين متخصصين في شؤون المناطق والدول والشعوب المستهدفة.
(11) إحياء إذاعة «صوت أميركا» الناطقة باللغة العربية بحيث تعود إلى تنفيذ خارطة برامجها المتنوعة التي تستهدف بالتالي جماهير متنوعة الاهتمامات والمسؤوليات والخلفيات في كل مناطق العالم العربي. ومن ثم يمكن الوصول - كما يقول كتابنا - إلى حيز ديموغرافي أوسع نطاقا وأغزر تنوعا مع تزويد هذه الخدمات الإعلامية، المسموعة والمرئية بالإمكانات التي تنهض بها وترفع مستوى أدائها للوصول إلى المزيد من قطاعات الجماهير العربية والمسلمة على السواء.
(12) العمل على ترجمة المزيد من الكتب الأميركية من الإنجليزية إلى العربية وإلى اللغات الأخرى ذات الأهمية (الفارسية.. الأردية.. الأوزبكية.. التركية.. البنغالية - الهندية وما في حكمها). لكن يجب أن ينصّب التركيز بالدرجة الأولى على الكتب الأميركية التي من شأنها مساعدة القارئ والمثقف العربي أو المسلم على فهم المجتمع والثقافة الأميركية.
وعلينا - يضيف السفير رو أيضا - أن نستشرف السبل والوسائل التي تكفل لنا تقديم المواد المكتوبة أو المطبوعة - مترجمة كانت أو في أصلها الإنجليزي، من خلال السبل الالكترونية.. بمعنى إرسالها إلى القراء المستهدفين عن طريق الحاسوب.
(13) من أجل دعم هذه التوصيات التي يراها كتابنا أساسية، فإن واضعي هذا الكتاب يؤكدون بدورهم على ضرورة أن تعمل حكومة الولايات المتحدة - بصرف النظر عن الطابع الحزبي لإداراتها أو رئاستها في البيت الأبيض ـ على زيادة الإنفاق الإجمالي في مجال الدبلوماسية العامة.. بكل ما تنطوي عليه من جهود إعلامية واتصالية وثقافية وتربوية.. بمقدار 4 أضعاف.. ومعنى ذلك أن تصبح الميزانية المخصصة في هذا الشأن أكثر من 4 مليارات من الدولارات على أقل تقدير.
ويحرص محرر الكتاب، السفير وليام رو على إيراد تعليق ختامي يقول فيه: قد تكون خطتنا طموحة وقد تنطوي توصياتنا على تكاليف مرتفعة، لكن هذه التكلفة مهما زادت سوف تجعل جهود الدبلوماسية العامة الموجهة للعرب والمسلمين لا تشكل من إجمالي الإنفاق الأميركي سوى نسبة واحد.. نعم واحد في المئة فقط لا غير من ميزانيتنا المرصودة لأغراض الدفاع! والفيصل هنا هو تحسين علاقاتنا مع دول وأمم العرب والمسلمين.. فأي تكاليف باهظة قد نتكبدها لو لم نفعل ذلك؟
حقائق
ينطلق خبراء الدبلوماسية العامة الأميركيون من مجموعة مهمة من النقاط يعتبرونها بمثابة منطلقات أساسية لجهودهم في المرحلة الحالية، وهي:
ـ إن الدبلوماسية العامة تمثل أداة حيوية من أدوات السياسة القومية بالنسبة للولايات المتحدة، ولابد من استخدامها بطريقة أكثر فعالية ونشاطا وتنسيقا في العالمين العربي والإسلامي اللذين يشهدان حاليا امتداد من صراع محتدم بين الأفكار والأطروحات لايبدو أنه سيشهد نهاية في المستقبل القريب حسب إجماع الكثير من الخبراء في شؤون المنطقة.
ـ رغم ان الدبلوماسية العامة في جوهرها مازالت أمرا يعود أساسا إلى الحكومات،إلا أن ثمة أدوارا مهمة وربما حيوية يمكن أن يضطلع بها أيضا جموع المواطنين العاديين الذين بوسعهم المشاركة في البرامج التي يتم تنظيمها في نطاق الدبلوماسية العامة، مثل برامج الإعلام والتوعية والتثقيف والتبادل التربوي والمعارض وإصدار المؤلفات ونشر الترجمات وما إلى ذلك.
ـ هناك ثلاثة عوامل أساسية فرضت حضورها في الفترات الأخيرة، وشكلت عوائق إزاء تقدم وفعالية جهود الدبلوماسية العامة، وهذه العوامل هي:
1 ـ زيادة إجراءات الأمن الأميركية وما ترتب عليها من عراقيل وقيود
2 ـ تناقص اعتمادات التمويل
3 ـ دمج وكالة الإعلام ضمن هيكل وزارة الخارجية وهو ما انعكس سلبا حسب رؤية الكثير من الاختصاصيين على الوظائف المتخصصة التي كانت الوكالة تضطلع بها على امتداد سنوات طويلة في الماضي.
الكتاب: ادبلوماسية التواصل مع العرب والمسلمينa
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: مجلس الدبلوماسية العامة ، نيويورك 2008



