رغم القول الدارج بأنه في السياسة، كما في السياسة، كل شيء ممكن بما في ذلك ما لا يتقبله العقل والمنطق، فإن بالوسع القول ان حياة إيهود أولمرت السياسية قد انتهت. وقد قيل مثل هذا الكلام مراراً عن رئيس الحكومة السابق أرييل شارون الذي دفنه البعض سياسيا بعد أن ساروا في جنازته، لكنه سرعان ما عاد إلى الحياة أقوى ليذهب في غيبوبة وهو في ذروة قوته.
ولكن شارون ليس أولمرت. فقد لجأ الإسرائيليون إلى شارون عندما كانوا في حمى سعيهم من أجل الأمان الشخصي في مواجهة العمليات الفلسطينية، وكان هو ولا يزال الجنرال الذي اشتهر بسفكه دماء الفلسطينيين والعرب من دون حساب.
لكن أولمرت ليس ذلك الجنرال، كما أن الإسرائيليين ليسوا في حمى الخوف على مصيرهم الشخصي. وعلاوة على ذلك فإن صورة أولمرت تتبدى لهم وخصوصا في ضوء الفشل الذي أصابه في حرب لبنان الثانية كفاسد من جهة، وكخطر على أمن إسرائيل من جهة أخرى. وليس صدفة أن آخر استطلاع ل«مقياس الحرب والسلام» يبين أن حوالي ثلثي الإسرائيليين يريدون استقالة أولمرت من منصبه حتى قبل تقديم لائحة اتهام بحقه.
ويمكن القول ان هذا الميل لدى الجمهور الإسرائيلي مستمر منذ انتهاء حرب لبنان الثانية مما يعني أنه لا يمكن الاستناد إليه لتأكيد حدوث تغييرات قريبة. ولكن التغييرات القريبة في الحلبة السياسية الإسرائيلية تكمن في تزاوج العديد من المعطيات المتفرقة.
العنصر المقرر على الأقل في اللحظة الراهنة، هو الموقف الذي ينبغي لحزب كاديما أن يأخذه من مطلب إقالة أو استقالة أولمرت. ومعروف أن حزب كاديما الذي نشأ حول صورة رجل واحد، هو أرييل شارون، لم يفلح حتى اليوم في تكريس نفسه كحزب صاحب تاريخ أو تقاليد. وإذا كان البعض، وخصوصا شاؤول موفاز قد حاول أن ينقل لكاديما أساليب التعامل القائمة في الليكود، فليس في ذلك ما يعزز صورة الحزب كحزب وسط.
وفي كل الأحوال ثمة من يرى أن كاديما حتى الآن هو حزب من دون عمود فقري وبالتالي فإن بقاءه لا يرتبط برسالة أو هدف أعلى بقدر ما يرتبط بلحظة سياسية. وإذا اهتزت هذه اللحظة فإن خطرا قد يتهدد بنية وكيان هذا الحزب في أساسياته. وهذا ما يراهن عليه كثيرون، خاصة في حزبي الليكود والعمل.
فكاديما حزب نشأ بسرعة حول مفهوم السلطة وقد لا يبقى إذا ابتعد عنها. وهذا يعني أن السلطة هي ما يجمع قادة الحزب وما قد يفرقهم. ولهذا السبب أثار خنوع أغلب قادة الحزب لمطلب أولمرت تأجيل الانتخابات التمهيدية غضب الكثيرين. فهذا الخنوع يعني انتحار الحزب مع أولمرت وبالتالي زواله مع زوال سلطته نظرا لأن الانتخابات قدر محتوم سيقول فيه الجمهور كلمته الفصل.
فاليوم يصعب على حزب كاديما الحفاظ على وحدته الداخلية من دون الإسراع في إجراء انتخابات تمهيدية لزعامته قد تحدث انشقاقا يصعب منعه. والأهم أن الوضع الراهن في إسرائيل لم يعد يحتمل التأجيل أكثر من ذلك. فبقاء أولمرت بات شبه مستحيل والحكومة البديلة أمر يصعب تمريره.
ولكن لا شك في أن قاطرة الانتخابات المبكرة قد انطلقت، والأمر لا يتعلق بنوايا بقدر ما يتعلق بظروف ومعطيات.
