قمة «الأمن الغذائي» التي عقدت في العاصمة الايطالية روما برعاية منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو».. وأختتمت أعمالها أمس الأول لا يمكن التنبؤ بقدرتها على تنفيذ مقرراتها وتوصياتها التي تستهدف إنقاذ العالم من الفقر والجوع وشح الطعام. فقد سبقتها قمتان على مدى 12 عاماً. الأولى في عام 1996، والثانية في عام 2002.والاثنتان لم تفعلا شيئاً مجدياً لإنقاذ العالم من كوارث وأزمات الغذاء التي يئن من وطأتها الفقراء. بل إن القمة الثالثة التي تابعها العالم على مدى الأيام الثلاثة الماضية، عقدت وقد اتسعت مساحة الفقر والجوع باعتراف مصادر الغرب الذي يتحمل الجزء الأكبر من أزمة الغذاء. فهناك - كما قالت وزيرة التنمية والتعاون الاقتصادي الألمانية هايدي ماريا فيتسوريك نحو 850 مليون شخص في العالم يعانون من الجوع، وهذا العدد قابل للزيادة بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية. وهناك توقعات بأن يزيد عدد من يعانون من الجوع بمقدار مئة مليون شخص آخرين. وإذا كانت هناك شكوك في أن تفي مثل هذه القمة بالتزاماتها في رفع المعاناة عن الفقراء، فالشكوك تتزايد أيضا في قدرة المنظمات الدولية المعنية بالأزمة، وعلى رأسها «الفاو». فتلك المنظمة التي تعرف نفسها للعالم بأنها تتولى قيادة الجهود الدولية الرامية إلى دحر الجوع وتولي اهتماما خاصاً بالمناطق الريفية النامية التي تضم 70 في المئة من الفقراء والجياع في العالم، لم تستطع أن تحل مشكلة الفقر والغذاء رغم وجودها على الساحة منذ 63 عاما. «الفاو» واجهت انتقادات بسبب ضعف فاعليتها. ودعا الرئيس السنغالي عبدالله واد في مايو الماضي إلى إلغاء المنظمة التي رأى ان وجودها تبذير للأموال، معتبراً أن الأزمة الغذائية العالمية الحالية تشكل فشلاً كبيراً لها. وأشار إلى أن هذه المنظمة التي تقوم وكالات أخرى بعمل مماثل لمهامها وأكثر فاعلية، تبذر أموالاً تنفق على تشغيلها لعمليات فاعليتها ضئيلة جداً على الأرض. منظمة «الفاو»، ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي، كلها تتحمل جميعها مسؤولية أزمة الأغذية الحالية بسبب سياساتها الخاطئة وعليها الاعتراف بذلك كما يقول الخبراء. ومع ذلك نقول إنها مجرد منظومات أقامها المجتمع الدولي. من هنا فالمسؤولية الأكبر تقع من يحرصون في الغرب على مصالحهم حتى ولو على حساب الفقراء، ومعهم أيضا تتحمل الأنظمة في العالم النامي مسؤولية تفاقم أزمة الغذاء لإفلاسها في تبني سياسات ومشاريع تنموية لإطعام شعوبها وتجنيبها مخاطر المجاعة والعوز. ويقول المدير العام لـ «الفاو» جاك ضيوف إن مشكلة الأمن الغذائي طبيعتها سياسية. ويقول الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إن الأنظمة تقاعست عن اتخاذ قرارات صعبة ولم تقدر ضرورة الاستثمار في الزراعة حق قدره، «ونحن ندفع الثمن اليوم». وحذر من انه إذا لم يتوقف ارتفاع أسعار المواد الغذائية فسيؤدي إلى أزمات أخرى متتالية، تنجم عنها تأثيرات سلبية على النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي وحتى الأمن السياسي في العالم. وقال إن الإنتاج الغذائي يجب أن يرتفع بنسبة خمسين بالمئة بحلول 2030 من اجل التصدي للفقر في العالم.ومن جانبه، يقول مدير «الفاو»، إن نحو 24 مليار دولار كانت مطلوبة لتمويل برنامجٍ التصدي للجوع، المُعدُّ لمؤتمر القمة العالمي الثاني للأغذية عام 2002. ولكن خلال الفترة من 1980 إلى 2005، هبطت المعونة المقدمة للزراعة من 8 مليارات دولار إلى 4. 3 مليارات بحلول عام 2004 أي ما يشكّل انخفاضاً بالقيمة الحقيقية مقداره 58 بالمئة. والمثير أن العالم كما يقول مدير «الفاو» جاك ضيوف، انفق عام 2006 حوالي 1200 مليار دولار على الأسلحة، في حين أن قيمة الأغذية التي لا تتم الاستفادة منها في بلد واحد يمكن أن تصل إلى 100 مليار دولار.ولم يغفل ضيوف بأن يشير أيضا إلى أن الاستهلاك الفائض المسبِّب للبدانة في العالم يبلغ 20 مليار دولار! ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة استيراد الغذاء هذا العام بالنسبة للدول النامية 169 مليار دولار بزياد قدرها 40 في المئة عن العام الماضي 2007. ويقول مدير الفاو، إن الوضع الدراماتيكي الحالي للغذاء يذكرنا بهشاشة التوازن بين إمدادات الغذاء العالمي وحاجة سكان العالم وحقيقة أن التعهدات السابقة بتكثيف الجهود نحو القضاء على الجوع لم يتم الوفاء بها. وناشد زعماء العالم تخصيص 30 مليار دولار سنوياً من أجل إطلاق النشاط الزراعي في العالم وتلافي تهديدات الصراع حول الغذاء في المستقبل، معتبراً أن وقت الكلام انتهى وجاء وقت العمل.وعندما نتابع فصول الأزمة، نجد أن كبار أثرياء العالم ساهموا في زيادة أسعار الغذاء عبر المضاربة على أسعاره وتحقيق مئات المليارات من الدولارات من الأرباح السهلة والسريعة على حساب المليارات من فقراء العالم. فصناديق التحوط وصناديق الاستثمار الخاصة دخلت سوق السلع بكثافة هروبا من عدم اليقين الذي ساد الأسواق المالية وانهيار العملة الأميركية. وحتى صناديق الثروات السيادية، التي غالبا ما تستثمر في السندات والأصول العقارية بدأت في تنويع محافظها الاستثمارية عبر دخول أسواق السلع. هذا أدى إلى ارتفاع أسعار عبر المضاربات الهائلة على عقودها الآجلة. وتضاعفت أسعار السلع الغذائية الرئيسية خلال العامين الماضيين وسجل الأرز والذرة والقمح مستويات قياسية. وسجلت بعض الأسعار أعلى مستوياتها في 30 عاماً بعد حساب عامل التضخم مما قاد لاحتجاجات وأعمال شغب في بعض الدول النامية حيث ينفق السكان أكثر من نصف دخلهم على الغذاء.والدول ذات الدخل المحدود التي تعاني نقصا غذائيا، ستنفق هذا العام أكثر من 28 مليار دولار ـ بأقل تقدير ـ على استيراد الحبوب، أي ضعف ما أنفقته عام 2002. كما ان زيادة الطلب على المواد الغذائية تعني انه بحلول عام 2030 ستحتاج الدول النامية إلى 120 مليون هكتار إضافية من الأراضي الزراعية لتغذية سكانها. وبالنسبة لارتفاع الأسعار العالمية للغذاء خاصة الأرز والحبوب الأخرى في الأشهر القليلة الماضية، فيرجع لعوامل عديدة، منها زيادة الاستهلاك في الصين والهند وهما دولتان يشكلان ثلث سكان العالم تقريباً. اليابان والصين، ساهمتا أيضا في رفع أسعار الأرز التي قادت لأعمال شغب في أماكن عديدة امتدت إلى هايتي بسبب القيود على المخزونات. وفي القمة وعد رئيس وزراء الياباني ياسو فوكودا بالإفراج عن 300 ألف طن من الأرز المستورد المخزون لتخفيف الأزمة. أسعار النفط المرتفعة، أيضاً هي جزء لا يتجزأ من أزمة الغذاء وارتفاع أسعاره، ولن تسجل انخفاضا حادا أيضاً. وزادت أسعار النفط من الاهتمام بالوقود الحيوي الذي ينحي عليه كثيرون باللوم لتنافسه على الحبوب والبذور الزيتية المستخدمة في إنتاج الغذاء مما يقود لارتفاع الأسعار. في ظل هذه الأوضاع المتردية، اندلعت خلال قمة روما مظاهرات الموائد الفارغة، إذ حمل المتظاهرون أطباقا فارغة للفت الانتباه إلى نقص الأغذية والاحتياجات اللازمة لمن يعانون الجوع. وقالوا «ليس أمامنا سوى أطباق خاوية، وسياسات لا طائل منها».
جريمة ضد الإنسانية.. اسمها «الايثانول» أكبر جريمة في حق الفقراء في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجههم، هي جريمة «الايثانول». ذلك الوقود الحيوي الذي يجري استخدامه كبديل للنفط الذي التهبت أسعاره. هذا الوصف عن الايثانول، جاء على لسان المقرر السابق للغذاء بالأمم المتحدة جين زيجلر. الجريمة تتمثل في تحويل المكونات الغذائية المهمة من أفواه البشر إلى خزانات الوقود. الولايات المتحدة ومعها الاتحاد الأوروبي، يتبنيان الآن سياسات تروج لاستخدام الوقود الحيوي كبدائل لتقليل الاعتماد على البترول. إذ توجه الولايات المتحدة نحو ثلث إنتاجها من الذرة لإنتاج الايثانول بحلول عام 2022 ويعتزم الاتحاد الأوروبي توفير عشرة في المئة من وقود السيارات من الطاقة الحيوية بحلول عام 2020. ولذلك اعتبر زيجلر أن التأثير الذي تركه هذا النوع من الوقود على أسعار الغذاء حول العالم يمثل جريمة ضد الإنسانية بحق الفقراء. وقال إن تحويل المزروعات، مثل الذرة والقمح والسكر إلى وقود يزيد من أسعار المواد الغذائية وتكلفة الأرض والمياه، وحذر من أن استمرار ازدياد الأسعار سيعيق الدول الفقيرة من استيراد الطعام الكافي لشعوبها. ومن جانبها، ذكرت منظمة «الفاو» أن زيادة الطلب على الوقود الحيوي لا تسهم فقط في تفاقم أزمة أسعار الغذاء العالمية، ولكن تمثل خطورة أيضاً على المزارعين الذين أعدوا أراضيهم لزراعة محاصيل الطاقة. منتجو الوقود الحيوي، أكدوا لمنتقديهم أن الوقود المصنع من المحاصيل ليس السبب في ارتفاع أسعار الغذاء الذي يهدد الملايين بالجوع. ولكن التقرير يعترف بأن الوقود الحيوي ليس السبب الرئيسي وراء الارتفاعات الأخيرة في أسعار الغذاء العالمية، الأسباب الرئيسية هي ضعف الإنتاج وضالة المخزون وزيادة الطلب على الغذاء والأعلاف في آسيا. وقال وزير الزراعة الأميركي اد شيفر إن الوقود الحيوي يسبب فقط حوالي ثلاثة بالمئة من ارتفاع أسعار الغذاء عالميا وتقول منظمة اوكسفام الخيرية البريطانية إن التأثير الحقيقي حوالي 30 في المئة. وارتفع سعر مكيال الذرة من دولارين، إلى أكثر من أربعة دولارات، فيما تشير التوقعات إلى أن هذا السعر سيرتفع إلى مستويات أعلى خلال السنوات الخمس المقبلة. ويحتوي هذا الوقود على 85 في المئة من غاز الإيثانول، كما أنه يساهم في تخفيض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، وبالتالي فهو يعتبر وقوداً صديقاً للبيئة. وتعد البرازيل أكبر دول العالم في استخدام الطاقة الحيوية، حيث يتم تشغيل نحو ثمانية من كل عشر سيارات جديدة بالإيثانول الذي يستخرج من قصب السكر. وكانت البرازيل قد قررت في السبعينات بالتحول إلى الوقود الحيوي أو الإيثانول كوقود للسيارات.وفي الثمانينات، بدأت البرازيل بتصنيع سيارات تعمل بالإيثانول، غير أن هذه الصناعة تلقت صفعة قوية عندما انخفضت أسعار النفط في أوائل التسعينات.
إحصاءات
البطاطا.. تقهر أزمة الغذاء
بيرو.. من أوائل الدول التي أنتجت البطاطا، فقد زرعت هذه المحصول منذ 8 آلاف عام. وفي الأسبوع الماضي، احتفلت بيرو باليوم الوطني للبطاطا، معلنة بذلك انتصارها على أزمة الغذاء. فيوم البطاطا بالنسبة لها من أهم المنتجات الزراعية الأساسية في الغذاء وبهذا المحصول يمكن مواجهة أزمة الغذاء. الاحتفال نظم بالتعاون مع الأمم المتحدة واليوم العالمي للبطاطا، حيث ينتج منها سنويا 213 مليون طن في جميع أنحاء العالم.
ومحصول البطاطا هو ثالث أهم محصول على وجه الأرض بعد الأرز والذرة، فهو يمد الجسم بالطاقة ومصدر للكربوهيدرات والألياف والبروتينات والحديد والبوتاسيوم والزنك وغيرها من العناصر الغذائية المهمة. ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن وزير الزراعة البيروني قوله.
انه على الرغم من أن البطاطا تزرع في أكثر من130 بلداً، إلا أنه ما زال هناك إمكانية للتوسع في زراعتها بشكل أكبر والتصدي بهذا الشكل لأزمة الغذاء العالمي، خاصة وأنها غذاء لا يصلح لتغذية السيارات التي لا تلتهم سوى محاصيل الذرة والسكر وفول الصويا.

