يواجه قطاع عريض من وطننا العربي هذه الأيام أزمة حادة تتمثل في نقص مخزون القمح وتوابعه من ارتفاع حاد في سعر الدقيق وشح في أرغفة الخبز، لدرجة أوجدت ظاهرة غير مسبوقة في غير بلد أبرزها مصر عرفت بطوابير الخبز، رغم ان مصر بلد زراعي درج منذ فجر الحضارة البشرية على احتراف زراعة القمح والشعير والذرة بكل أنواعه من (عويجة ورفيعة وصفراء).

وطيلة تاريخها بقيت مصر ومعها بقية الأقطار (النهرية العربية) مزرعة للقمح والحبوب الغذائية، تسد حاجة مواطنيها، وتجود على الأشقاء، وغالبا كان يستولى الغزاة من رومان وفرنسيين وأتراك وبريطانيين على المخزون في (صوامع القمح) العربية.

ومن رحم تجارب التاريخ وعمق الخبرة وعراقتها، اكتسب الفلاح في وادي النيل، والشام والفرات ودجلة معرفة تتضاءل أمامها أبحاث مراكز الدراسات الزراعية، إلا أن العقود الأخيرة طمست تلك الخبرات وأهدرتها، تحت ضغط رياح الوافد الاستهلاكي الأجنبي، الذي روج لأكذوبة البدائل الحديثة للمحاصيل الحقلية.

وإزاء هذا المتغير، شهدت الساحة الزراعية العربية، والريف المصري خصوصا انقلابا كارثيا، تمثل في الإقبال على زراعة (الفراولة والكنتالوب وغيرها...) وهجر زراعة القمح. حتى ان بيت الفلاح المصري الذي كان يقدس(مخزون القمح والذرة) ويتباهى بأنه يأكل من صنع أيادي أبنائه واعتباره (العيش) سرا للستر ودليلا على الاكتفاء عن الآخر، اعتاد في هذه الأيام على شراء أرغفة الخبز من المدن، بل أحيانا يحولها إلى غذاء (علف) لماشيته.

على أن أخطر تداعيات تغيير الخريطة الزراعية تمثل في التخلي عن مبدأ الاكتفاء الذاتي، والاعتماد على الاستيراد، دون حذر من الوقوع في التبعية أو الدخول في دائرة تقييد حرية القرار الوطني، وعدم الالتفات لدروس الماضي القريب، عندما حاولت الولايات المتحدة الأميركية استخدام القمح أداة للضغط على مصر.

والشاهد أن تاريخنا العربي زاخر بعبر ودروس وسبل مواجهة سنين القحط وشح القمح والحبوب، ففي قصة سيدنا يوسف عليه السلام مع فرعون مصر وعزيزها آيات جلية لمن يريد الاعتبار. وكما أخبرنا القرآن المجيد فإن فرعون مصر الحكيم انزعج من رؤيا ناوشته وأقلقت منامه، فهم منها أن هناك كارثة بانتظار مصر.

فاستعان بالخبراء الذين فشلوا في تفسير رؤياه، حتى جيء له بيوسف المسجون زورا وظلما، وأخبره بان مصر مقبلة على سبعة أعوام من الرخاء والوفرة في محصول القمح، يعقبها سبع سنين عجاف، لا يجد الناس ما يسد رمقهم.

وكانت نصيحة يوسف للفرعون الحكيم ان يدخر من أيام الرخاء لأعوام القحط. وبحكمة الحاكم الحريص على مستقبل شعبه في أيام لم تشرق شمسها، سلم يوسف على الفور مقاليد الحكم ووضع آليات لتوفير المخزون، ونجت مصر ومعها بلاد الشام والجزيرة العربية من سنوات القحط.

سيد زهران