منذ أكثر من 50 عاما يحلق في فضاء الوطن العربي حلم الاكتفاء الذاتي في الغذاء وجعل السودان سلة للقمح، تسد العجز وتقضي على طوابير الخبز في مصر وموريتانيا وتونس والأردن، وتحرر الأشقاء الذين يأكلون من مخازن الاستيراد الأجنبي.
«البيان» طرحت سؤال القمح والفجوة الغذائية العربية رغم توفر كل الإمكانيات لسدها على خبراء في الزراعة والاقتصاد الزراعي وسياسيين ومسؤولين. وهكذا جاءت إجاباتهم: في البداية يقول الأمين العام لمنظمة الوحدة الاقتصادية العربية الدكتور أحمد جويلي «ان فكرة التكامل العربي في زراعة القمح.
كانت السعودية قد بدأتها منذ عدة سنوات، عندما زرعت مساحات هائلة من أراضيها بهذا المحصول الاستراتيجي، وكانت توزعه على عدد من البلدان العربية التي تواجه عجزا.. وفجأة شاطت الولايات المتحدة الأميركية في ذلك الحين والتي احتكرت توريد القمح لهذه البلاد، وبعدها اختفى المشروع السعودي الرائع تماما».
ولفت إلى أنه بعد الأزمة الطاحنة لنقص القمح داخل الوطن العربي خاصة في مصر عدنا مرة أخرى لفكرة إحياء المشروع السعودي على مستوى كل البلاد العربية خاصة أن الأراضي العربية صالحة لزراعة هذا المحصول الاستراتيجي، والمياه القليلة لري هذا المحصول متوفرة في كل البلدان العربية سواء من الأنهار أو حتى مياه الأمطار كما فعلت السعودية.
وتساءل «لماذا لا يتم إحياء فكرة مشروع التكامل العربي في زراعة القمح، بدلا من تخصيص مساحات واسعة من الأراضي العربية لدول أوروبا تزرع فيها البطاطس والفراولة؟!». واقترح جويلي استغلال قدرات وإمكانيات السودان الزراعية وقال «السودان يمثل سلة الغذاء العربي .
ويمتلك ثروات طبيعية ضخمة وفرصا استثمارية كبيرة في مجالات الزراعة والصناعة والإنتاج الحيواني والسمكي والبترول وغيرها من المجالات التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة لاستغلالها وتوظيفها على النحو الأمثل بما يعود بالخير عليه وعلى الأمة العربية كلها».
وفي زيارته الأخيرة لمصر قال مستشار رئيس الجمهورية السوداني الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل ان دخول مصر زراعة القمح في السودان من شأنه أن يكفي الدولتين من هذه السلعة الاستراتيجية، ويساعدهما في تحرير قرارهما بشأنه، ويمكنهما كذلك أن يكفيا المنطقة حاجتها.
وأوضح إن الحكومة السودانية تمنح الأراضي الزراعية للمستثمرين مجاناً، وتمنحهم إعفاءات جمركية وضرائبية مابين 5 ـ 10 سنوات وتصل في بعض الأحيان إلى 25 عاما لكنه لم ينف في ذات الوقت وجود بعض الصعوبات وهي مقدور عليها ويمكن تجاوزها بقليل من الصبر والمثابرة.
وكشف عن تلقي بلاده عروضا من مصر وقطر والإمارات؛ لاستزراع ما يقرب من 6 ملايين فدان قمح، بتقنيات حديثة ستصل بسعر الطن إلى نصف ما هو عليه بالأسواق الدولية. بدوره قال المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الزراعية الدكتور سالم اللوزي إنه مع تسجيل أسعار القمح ارتفاعات قياسية في الأسواق العالمية ولاسيما في ظل التوقعات القائلة بوصول مخزون القمح خلال العام الحالي لأدنى مستوياته منذ نحو 60 عاما.
فإن الدول العربية تواجه ارتفاعا في فاتورة واردات القمح حيث يتم استيراد 49% من حاجات الدول العربية من تلك السلعة الاستراتيجية. وأوضح أن واردات الوطن العربي من الحبوب بلغت حوالي 50 مليون طن بينما وصل استهلاك الفرد في الوطن العربي ثلاثمئة وخمسة وعشرين كيلوغراما من الحبوب سنويا، فيما معدل استهلاك الفرد العربي من القمح وحده 158 كيلوغراما سنويا.
وهو من أعلى المعدلات العالمية، وفي المقابل فإن الزيادة السكانية في الوطن العربي من أعلى الزيادات في العالم، حوالي 6. 2 في المئة. وأكد اللوزي أن الدول العربية يمكنها توفير احتياجاتها من القمح إذا تم إقامة مشاريع مشتركة فيما بين الدول العربية لإنتاج القمح وخاصة في السودان نظرا لوجود أراض خصبة تتمثل في 5. 2 مليون كيلومتر وتوفر كميات هائلة من المياه كفيلة بتوفير احتياجات الدول العربية.
ولفت إلى انخفاض نسبة العاملين في الزراعة بالدول العربية من 32% إلى 25% وارتفاع نسبة البطالة في الريف إلى 20% كما ان 59% ممن يعيشون في المناطق الريفية العربية لا يملكون حيازات زراعية أو حيوانية ويمارسون مهنة الزراعة في أراض مستأجرة. وفي الوقت الذي أعلنت فيه سوريا أنها تمتلك مخزوناً من القمح يكفيها لموسم للعام القادم 2009.
فقد أجبر ارتفاع أسعار القمح الحكومة الجزائرية لاتخاذ قرار برفع الدعم المالي الحكومي عن القمح الذي ينتجه المزارعون وشرائه في المقابل بأسعار قريبة من تلك التي تطبقها الأسواق العالمية حالياً، فيما اتجهت السعودية إلى تخفيض إنتاج القمح إلى مستوى الاكتفاء الذاتي والاستغناء عن التصدير بعدما واجه القطاع تحديات كثيرة، أهمها ارتفاع الأسعار العالمية للسلعة وتأثير الإنتاج سلباً في الثروة المائية للمملكة.
كمل نومك
نموذج لسلة القمح السوداني
قدمت قرية كمل نومك السودانية العام الحالي نموذجا لكيفية أن يصبح السودان سلة للقمح والغذاء العربي، وهو ما ظهر خلال يوم عيد الحصاد لمحصول القمح بمشروع الجزيرة في 25 مارس الماضي. والذي تحول إلى مناسبة للاحتفال بيوم الإرادة والاكتفاء الذاتي وتحقيق شعار «نأكل مما نزرع .. ونلبس مما نصنع».
وشارك فلاحو قرية كمل نومك فرحة الحصاد الرئيس السوداني المشير عمر حسن البشير ووزير الزراعة والغابات الزبير بشير طه، والي الجزيرة عبد الرحمن سر الختم و رئيس اتحاد مزارعي الجزيرة عباس الترابي. وقال البشير مخاطبا جموع الفلاحين «جيناكم في كمل نومك في المناقل في الجزيرة نحمد الله سبحانه وتعالي على نعمة الزراعة ونحمده على نعمة الإنتاج ونحمده الليلة على الحصاد وده يوم للشكر ويوم للحمد».
وتاريخيا، يزرع القمح في الشمال الموطن الأصلي لزراعة المحصول. حيث دخلت زراعته السودان في مشروع الجزيرة في فترة الحرب العالمية الثانية كإجراء لمواجهة صعوبة استيراده. وبعد نهاية الحرب في مطلع عام 1946 أوقفت زراعة القمح بالمشروع.
وتحت ضغط زيادة الاستهلاك، استعاد مشروع الجزيرة زراعة القمح بعد الاستقلال بمساحة صغيرة تقدر بخمسة آلاف فدان، ومع التوسع بلغت مساحة أراضي القمح المزروعة بالجزيرة والمناقل في منتصف السبعينات من القرن الماضي أكثر من 567 ألف فدان.
حقائق
ـ أعلنت مصر قبل عامين عن مشروع قومي لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح لم ينجز منه شيء حتى الآن. بسبب أخطاء في السياسة الزراعية وتوريد المحصول. ودفعت تلك الأخطاء الفلاحين إلى الانصراف عن زراعة القمح بسبب تدني أسعار شراء الحكومة له، بأدنى من السعر المحلي. وبالتالي انخفض المخزون الاستراتيجي وبرزت أزمة طوابير الخبز غير المسبوقة.
ـ تقترب المساحة الكلية المزروعة قمحا بالدول العربية من الثلاثين مليون فدان منها 7. 7 ملايين فدان بالمغرب و6 ملايين فدان بالجزائر و4 ملايين فدان بسوريا و4 أخرى بالعراق ومثلها في تونس و3 أفدنة في مصر ومليون فدان في السعودية و800 ألف فدان في السودان.
ـ تزرع معظم البلدان العربية القمح مرة واحدة، في حين أن البلاد الأخرى في العالم خاصة التي تتمتع بظروف مناخية مناسبة تزرع القمح مرتين في السنة، مثل البلدان الباردة حيث يزرع مرة في الخريف وهو القمح الشتوي ومرة أخرى في الربيع
القاهرة ـ محسن محمود
