رغم مضي 41 عاما على حرب العام 1967، والتي اصطلح على تسميتها ب«النكسة» إلا أن الكثير من أسرارها لايزال طي الكتمان، ولم يتم الكشف عن وقائعها الكثيرة، والتي أدت إلى تغيير وجه الشرق الأوسط بشكل جذري.
هذه الحرب التي لا تزال جراحها تنزف، لم يتم بعد الإجابة على أسئلة مهمة بشأنها، ومنها لماذا هزمنا؟ ومن المسؤول عن تلك الهزيمة؟ ولماذا لا تفتح الملفات والوثائق الحقيقية المرتبطة بها حتى تكون عنوانا للتفسير وليس لتضليل الأجيال المقبلة؟
من بين هذه الأسئلة الباقية من دون إجابة السؤال التالي: في حرب 67 واجه نحو 260 ألف جندي إسرائيلي ما يقدر بـ 300 ألف جندي عربي من مصر وسوريا والأردن والعراق والجزائر والكويت. وبنهاية الحرب كان 779 جندياً إسرائيلياً قد قتلوا مقابل نحو 20 ألف عربي ما بين قتيل ومصاب.. كيف حدث ذلك؟
في الدول الغربية يتم الكشف عن الوثائق السرية للأحداث المهمة بعد مرور 30 عاما على وقوعها، إلا حرب ال67، لايزال يكتنفها الغموض المثير للشكوك والريبة، وهو أمر ليس صحيا على الإطلاق، بل ويدفع إلى تصور أشياء غير صحيحة وتجريم أشخاص من دون وجه حق وتبرئة آخرين يستحقون الإدانة.
هل الكشف عن «حقائق» الحرب سيكشف أشياء لا يراد لنا أن نعرفها؟، وهل سيفضح أسباب الهزيمة التي أدت إلى ضياع القدس والضفة الغربية.. وكذلك سيناء وغزة قبل الانسحاب الإسرائيلي منهما، إضافة إلى الجولان التي لا تزال رهن الاحتلال.
بين الحين والآخر نرى أجزاء من الحقيقة ـ وليس الحقيقة كلها ـ تظهر إلى العلن، في شكل مذكرات شخصية لبعض من عايشوا الصدمة الكبرى، وهى أمور كلها مفزعة .. فعلى سبيل المثال يقول أمين هويدي وهو وزير الدفاع المصري بعد النكسة مباشرة في كتابه «حرب1967.. أسرار وخفايا»، ان «القوات المصرية والعربية لم تكن على استعداد للقتال. فالنسبة المستخدمة من الوقود في تدريب القوات قبلها بعام واحد لم تتجاوز في أي نوع من أنواعها 10 في المئة من استهلاك الجيش للوقود.
أما ذخيرة التدريب فلم يجر استهلاك إلا ربعها في أفضل الأحوال. ولحظة الحرب كان عدد الطائرات المصرية المتاحة يتجاوز كثيراً عدد الطيارين المؤهلين لقيادتها. وكان تجهيز الطائرة المصرية يحتاج إلى تسعة أضعاف الزمن الذي تتطلبه الطائرة الإسرائيلية. وفي كل ذلك ما يتناقض مع الثقة الزائدة التي تعامل بها المشير عبد الحكيم عامر مع قدرات جيشه».
هذه الكلمات من رجل مهم ومطلع تؤكد أن المسكوت عنه والمخفي أكثر ايلاما وفزعا بالنسبة لنا، بل ويثبت رؤية البعض لهذه الحرب على أنها كانت إعلان فشل أول تجربة للعرب لإدارة شؤونهم بعد الاستقلال. إننا بحاجة إلى معرفة الحقيقة كاملة حتى لو كانت محرجة وتدين البعض، لأن ذلك من شأنه ان يجعل رؤيتنا أعمق في الحكم على الأمور المتعلقة بهذه الحرب، والتي حتى وقتنا هذا لا نزال نختلف على تسميتها، ما بين مؤيد لوصفها «نكسة»، وبين من يعتبرها «هزيمة»، رغم أنها في الحالتين كارثة ندفع ثمنها كل يوم.