افتتح أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح أمس، دور الانعقاد الأول للفصل التشريعي الثاني عشر لمجلس الأمة (برلمان) بخطاب تضمن توجيه تحذير قوي إلى النواب من مغبة الخروج على الثوابت الوطنية والاستقراء بغير القانون، وإثارة أجواء التشنج والتجاذب والتوتر.

لكن الجلسة الافتتاحية للبرلمان المنتخب للتو لم تخل من التوتر، إذ انسحب نواب من التيارات الإسلامية القبلية من القاعة أثناء أداء الوزيرتين الدكتورة موضي الحمود ونورية الصبيح اليمين الدستورية احتجاجا على عدم ارتدائهما الحجاب. وفيما فاز جاسم الخرافي بمنصب رئيس البرلمان، مني زعيم التيار الديني السلفي النائب خالد السلطان بخسارة غير متوقعة لموقع نائب الرئيس. وفي خطابه قال أمير الكويت « من منطلق المسؤولية نؤكد أننا لن نسمح لكائن من كان وتحت أي ذريعة أو مبرر أن يمس المصلحة الوطنية في أي من مكامنها الأمنية أو السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية لتبقى الكويت محصنة ضد أي فوضى أو فتنة أو خراب».

واستمر الأمير في تحذيره الموجه للنواب قائلا: «إزاء هذا الأمر تقتضي الإشارة إلى ما شهدته العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في الفصل التشريعي السابق من أسلوب التهديد والتصعيد والتشكيك وتدني لغة الحوار والتطاول على الآخرين والاندفاع بالعمل البرلماني إلى غير أغراضه.

إلى جانب تداخل الحدود بين السلطتين والاتجاه نحو التعسف والشخصانية أحيانا في استعمال بعض أعضاء مجلس الأمة لحقهم الدستوري بالإضافة إلى المبالغة في تقديم الاقتراحات بالقوانين ذات الطابع الانتخابي المحض بما أرهق الحياة السياسية وشل مسيرة العمل الوطني وهو ما كان موضع استياء ورفض شعبي شامل».

ودافع عن تعيينه رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد قائلا: «تعيين رئيس مجلس الوزراء هو اختياري وقراري وليعلم الجميع أن تعيين رئيس مجلس الوزراء والوزراء حق أصيل للأمير وحده وفقا لأحكام الدستور لا يجوز لأحد التجاوز عليه أو التدخل فيه».

وأضاف الأمير «ولعل ما يثير التساؤل والاستغراب هو ما برز مؤخرا من مظاهر مستجدة تمثلت في استمراء مخالفة القانون والتحريض على تجاوزه وكذلك المساس بالمؤسسات الرسمية والإساءة إلى المسؤولين فيها بما ينال من هيبة الدولة ومكانتها إزاء مظاهر الانحراف والتجاوزات التي باتت تهدد مصلحة الوطن فقد كان لزاما علي اتخاذ قرار حل مجلس الأمة السابق بعد أن استنفدت كافة السبل والتضحيات والدعوات التي لم تجد نفعا».

وقال «إن أمانة المسؤولية في هذه المرحلة الدقيقة وفي ظل المعطيات والظروف التي نمر بها وبعد أن تعثرت عجلة التنمية تفرض علي التدخل دوما لئلا تكون مصالح البلاد مطية الأهواء والتجاذبات والممارسات العبثية والمصالح الشخصية الضيقة بما يضع حدا مانعا لها يضمن ان تكون ممارساتنا دائما في مسارها الصحيح الذي يكفل حماية بلدنا وعزته ودفع عجلة التنمية والتقدم والانجاز وتحقيق المزيد من الرفاه لاهل ديرتنا الحبيبة».

وانتقد أمير الكويت الإعلام في بلده قائلا «ولنا كلمة نوجهها لمؤسساتنا الإعلامية المرئية والمقروءة والمسموعة فكما يعلم الجميع بأن الكويت لم تكن يوما الا نموذجا حيا للحرية والانفتاح والديمقراطية من منطلق إيمان راسخ بأهمية وجدوى هذا النهج الحضاري المتقدم إلا أن ما شهدته الساحة الاعلامية مؤخرا من بعض الممارسات التي تجاوزت إطار الحرية المسؤولة وضوابط الأمانة المهنية ومتطلبات المصلحة العامة.

وتمثلت في إثارة أجواء الصخب والشحن والتحريض أحيانا والمغالطة ومجافاة المصداقية أحيانا أخرى أمر يستوجب التوقف عنده بما يؤدي إلى تجسيد الالتزام المأمول الذي يحقق المصلحة العامة ويكرس الدور الايجابي لمؤسساتنا الإعلامية في تكوين رأي عام مستنير وأداء رسالته الوطنية السامية».

من جهته، دعا رئيس الوزراء النواب إلى التعاون مع الحكومة للمساهمة في إخراج البلاد من دوامات الأزمات السياسية ولوضع الكويت على سكة التنمية. وقال في كلمته أمام مجلس الأمة «لا شك أيها الاخوة ان السلبيات التي شابت العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في الفصل التشريعي السابق قد حالت دون تحقيق الانجاز المطلوب .

وأدت إلى تعثر مسيرة العمل الوطني وهو ما كان محل استياء شعبي شامل».وشدد رئيس الوزراء على «التمسك بمبدأ الفصل بين السلطات مع تعاونها تفعيلا» للدستور، مؤكدا أن التعاون «لا يعني بأي حال من الأحوال تنازل أي سلطة عن اختصاصاتها أو تجاوز لها على حساب أخرى كما لا يعني أبدا مصادرة الحقوق البرلمانية لأعضاء مجلس الأمة»..

ومباشرة بعد مغادرة الأمير قاعة مجلس الأمة، وبينما كان أعضاء الحكومة الجديدة يؤدون اليمين، انسحب تسعة نواب إسلاميين وقبليين من الجلسة احتجاجا على التشكيلة الحكومية وعلى كون الوزيرتين الوحيدتين في الحكومة لا تضعان الحجاب.

وأعلن ممثل التيار الديني الحركة الدستورية «الإخوان» النائب جمعان الحربش عن رفضه وجود وزيرتين «مخالفتين لقانون الانتخابات بسبب عدم التزامهن بالضوابط الشرعية (الحجاب الإسلامي)»، مطالبا المجلس بمناقشة الأمر في اللجنة التشريعية. ورغم اعتراض الإسلاميين فإن وزيرة الإسكان والتنمية الدكتورة موضي الحمود وقفت وأقسمت بدون تردد وبصوت عال وبثقة، ومثلها فعلت وزيرة التربية نورية الصبيح.

وجرت خلال الجلسة انتخابات رئاسة مجلس الأمة، وفاز جاسم الخرافي ب52 صوتا برئاسة المجلس متفوقا على المرشح النائب الرومي الذي حصل على 11 صوتا مما يدل على أن جميع أصوات الحكومة الوزراء ال16 كانت من نصيب جاسم الخرافي أي ان الحكومة كانت متضامنة في تصويت الرئاسة بالإضافة إلى أصوات نواب الشيعة والتيار الديني (السلف والإخوان) ونواب القبائل.

أما أصوات نواب الحضر (التحالف الوطني الليبراليين) فانها كانت من نصيب المرشح عبدالله الرومي الذي لم يتوقع الحصول على هذا العدد القليل من الأصوات. أما في انتخابات نائب الرئيس فقد فاز النائب فهد الميع بـ 37 صوتا وحظي بأصوات نواب المناطق الخارجية القبائل وبعض الأصوات الحكومية (الوزراء).

في حين مني زعيم التيار الديني السلفي النائب خالد السلطان بخسارة غير متوقعة.ويرجح سبب خسارته في عدم نيل مقعد نائب الرئيس يعود إلى أن نواب التيارات الليبرالية لم تفضل التصويت وبالتالي فإن أوراقها كانت بيضاء.

محللون لا يستبعدون استمرار المشاحنات

تعرضت الحكومة الكويتية الجديدة فور تشكيلها لانتقادات الأمر الذي لا ينبئ بحسب محللين، بعلاقات جيدة للحكومة مع مجلس الأمة (البرلمان) الذي يهيمن عليه النواب الإسلاميون والقبليون.

وقال ناصر العبدلي الذي يدير الجمعية الكويتية للتنمية والديمقراطية (معهد مستقل) «يبدو انه لم يتغير شيء واعتقد أن الأزمة السياسية ستستمر».وأضاف «تم تشكيل الحكومة الجديدة على الأساس ذاته الذي شكلت وفقه الحكومة السابقة ولن تكون قادرة على العمل (بشكل صحيح) لأنها لا تملك برنامجا حتى».

وفور إعلان تشكيل الحكومة هاجمها أحد ممثلي المحافظين النائب السلفي محمد المطيري معرباً عن معارضته لضمها سيدتين «لا تحترمان القانون» على حد قوله، لأنهما غير محجبتين. كما أثار تعيين فاضل صفر وزيرا للأشغال العامة انتقادات أخرى حيث يرى البعض انه يمثل فرعاً محلياً لحزب الله. والذي أحيا في مارس ذكرى مقتل عماد مغنية بدمشق.

وأعربت صحف كويتية مستقلة عن خيبة أملها ولم تترد صحيفة «عالم اليوم» في وصف الحكومة بأنها حكومة «الإحباط» الوطني، في حين رأت صحيفة «الرأي» ان الحكومة الجديدة خيبت أمل الشعب وصدمته لأنها لا تضم وزراء أكفاء.

غير أن بعض الأصوات ارتفعت لتدعو إلى منح الحكومة الجديدة بعض الوقت مع المطالبة بإعادة إطلاق الاقتصاد الذي يعاني من نقص المشاريع الكبرى رغم العائدات النفطية الهائلة. وقال إبراهيم الهدبان أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت انه يعتقد أن المخاوف من حل جديد للبرلمان لن تدفع النواب إلى مهاجمة الحكومة مباشرة.

وتعتبر الخلافات بين الحكومات والبرلمانات المتعاقبة في الكويت أبرز أسباب الركود الاقتصادي في الدولة ولا تزال عشرات المشاريع معطلة أو في الأدراج بينما تشهد موجودات البلاد التي تضخ يوميا 5. 2 مليون برميل من النفط، تضخما متواصلا ما قد يفسر حالة القلق التي يعيشها العديد من الكويتيين الذين لا يكاد يزيد عددهم عن مليون نسمة بين إجمالي سكان الكويت البالغ 45. 2 مليون نسمة.

الكويت ـ حسين عبد الرحمن