الهجرة عادة بشرية اجتماعية ولدت مع هبوط آدم على الأرض. ومع تطور المجتمعات وتبلور العادات البشرية والمصالح الاجتماعية والحضرية أخذت في التوسع، مع تباينها في الأهداف والغايات والسبل.وكثير من المجتمعات الحضرية في شبه الجزيرة العربية وفي العالم العربي هي نتاج هجرات فردية أو جماعية.

لكن الهجرة الحاصلة في العالم في الوقت الراهن، حملت معها ملامح خطيرة.. فالهجرة الحاصلة تكون فيضاناً بشرياً، وللأسف في اتجاه واحد: من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب (وهو في النهاية الشمال أيضا) ولهدف واحد في المجمل يتمثل في البحث عن فرصة عمل في بلدان تدفع أموالاً وتعطي امتيازات اجتماعية وصحية من بلدان كثير منها قطع من الجنة على الأرض وفيها ثروات لا تحصى في باطن الأرض أو ربما فوقها ولكنها نهب إما لفساد، أو لهروب، أو عنصرية، أو سوء إدارة.

الأوروبيون المتضررون من هذا المد البشري لايكلون ولايملون في فرض القوانين التي يرون أنها قد تحد من الوافدين غير المرغوب بهم، وأحياناً تهديد (وأحياناً مد يد العون الأمني) الدول المشاطئة لها في الساحل الجنوبي التي يرون فيها بوابة لسيول المهاجرين.. في حين ترد الدول الجنوبية، وهي للمفارقة عربية، بأنها تبذل كل جهدها للحد أمام ما يجري.

الزعيم الليبي معمر القذافي له موقف بارز في هذا الشأن افصح به في أكثر من مناسبة ومحفل، إذ يرى أن مكافحة الهجرة بمثابة سباحة ضد التيار، مذكراً الأوروبيين بأنهم في الأصل من المهاجرين الذين استقروا في أوطانهم. ومع ذلك، فالانغماس في الجدل حيال أسباب وجذور الهجرة قد لا تكون مجدية، والأنجع هو البحث عن توفير فرص العمل في البلدان التي تحتاج لها والتي تعتبر المصدّر الأكبر للمهاجرين غير الشرعيين.. وهي للأسف دول كانت خاضعة لوقت قريب للاستعمار الغربي الذي استنزف ثرواتها.

ولكن الظاهرة ليست بوجه واجه، فللعملة وجهان، صحيح أن الغالبية من المهاجرين غير الشرعيين من الأيدي العاملة غير الماهرة، ولان الدول الغربية اعتادت منذ عقود على حرمان دول العالم النامي من الأيدي العاملة الماهرة وحتى من العقول النابغة. الأول حرام وغير قانوني.. والثاني لا عيب ولا غبار عليه. الأمر في النهاية مركب ولا تحكمه إلا المصلحة، فعندما كانت الأيدي العاملة الرخيصة مفيدة لأوروبا ولنهضتها فتحت أمامها الابواب والإغراءات، وعندما وصلت إلى مرحة الاكتفاء أغلقت الأبواب في أوجه الحالمين بالعملة الصعبة.

ومع ذلك، فإذا كان الغرب يعتبر الهجرة غير الشرعية جريمة، فإن هجرة الأدمغة جريمة مماثلة وربما أعظم لأنها تعتبر عرقلة مقصودة للتنمية في الدول النامية وفي إفريقيا تحديداً، التي تقدر الأرقام المتوافرة أن 30 في المئة على الأقل من قوتها العاملة الماهرة موجود خارج القارة.

ولحل هذه المعضلة السوسيولوجية ـ الاجتماعية ـ الاقتصادية يمكن الاستناد إلى رؤية العالم الديموغرافي الفرنسي ألفريد صوفي الذي يقول: «إما أن ترحل الثروات حيث يوجد البشر وإما أن يرحل البشر حيث توجد الثروات».

نضال حمدان