ليست المصالحة بين المغرب والجزائر فقط قضية عاطفية، وإنما ضرورة سياسية واقتصادية، تفرضها المصالح المتبادلة والتحديات الدولية في المنطقة، وإن غياب التعاون السياسي والتكامل الاقتصادي بينهما يخدم بالدرجة الأولى دول أوروبا، خصوصاً الجنوبية، التي استولت على الأسواق التجارية واستطاعت أن تسوق لسلعها في غياب المنافسة المغاربية.

قضية الصحراء كانت دائماً، كما هي اليوم، محور حراك دبلوماسي وعسكري للقوى الدولية الأكثر نفوذاً في المنطقة المغاربية أو الطامحة إلى تحقيق هذا النفوذ، وفي هذا الصدد لا يمكن تجاهل الصراع الأميركي الفرنسي على المنطقة الذي يزداد يوماً بعد يوم.

وقد اشتكى مسؤولون فرنسيون من تنامي النفوذ الأميركي في المغرب العربي، الذي يُعد تقليدياً تابعاً للنفوذ الفرنسي، فأميركا تُكثف من علاقاتها السياسية والاقتصادية مع المغرب حتى صارت، حسب تصريح جورج بوش حليفاً دائماً لأميركا، وتمتنت علاقاتها مع الجزائر، خصوصاً في مكافحة الإرهاب، واكتساح الشركات البترولية الأميركية القطاع النفطي في الصحراء الجزائرية.

وكان لافتاً انه في كل مرة تلوح بادرة تحسن في الأجواء المغربية ـ الجزائرية، تجهض في المهد. وقد حصل الأمر مرات عدة في السابق، كان آخرها عند انعقاد قمة الجزائر في مارس2005، فهناك من يعتقد بوجود أطراف خارجية لا يروقها إرساء أسس تقارب سليمة وهي التي ظلت تدفع إلى الواجهة الخلاف حول الصحراء، وتعطل الأفكار التي تتبادلها القنوات الدبلوماسية لجهة البحث عن صيغة مرضية لتسويتها.

وما يعزز هذا المنظور الإقليمي أن عدم استقرار المنطقة، وعدم شعور كافة المواطنين فيها بالأمان وضعف الإحساس بالكرامة كلها أسباب في خلق مناخ التوتر الذي هو منبت العنف والداعي إلى الإرهاب، والدافع إلى الهجرة وبذلك يكون الوضع الإقليمي وضعاً متجاوزاً تأثيرات المنطقة، ليترك تأثيره البالغ على أوربا؛ ويصل لا محالة إلى العالم بأسره، ولذا أصبح حل المشكل الصحراوي ضرورة وهدفاً مغاربيين، ولذا يتعين بالمنظور الإقليمي وفوق الإقليمي الشروع في خطوات الحل الذي لن يكون إلا بالتفاوض والتراضي وضمان مصالح الكل.

إذا كان الوضع الإقليمي أصبح يلح على تعجيل الحل، والعلاقات فوق الإقليمية توفر الجو المواتي للسعي الحثيث إليه، فإن الفرقاء الفاعلين أساساً في الحل بدأوا يعلنون الرغبة ويظهرون الاستعداد للعمل من أجله.

إذن ما الذي لا يزال يعوق الرغبة وينقص في الاستعداد؟

كل الخوف الآن أن يعجز الاتحاد المغاربي عن تجاوز حالات وملفات الانسداد والانقسام، وينحني أمام الموجة العاتية للاتحاد المتوسطي، الذي رفع الرئيس الفرنسي ساركوزي شعاره منذ دخوله قصر الاليزيه.. هذا المشروع الذي يختزل كل سنوات وتاريخ اتحاد المغرب العربي. ومهما يكن فإن التغييرات والتحولات تتوالى، ومشاريع اتحاد المتوسط ستفرض بالقوة، ولا يمكن أن تواجه الدولتان الشقيقتان هذا الطوفان، إلا بالوحدة والتعاون بدل إدخال المنطقة في المجهول.

ليلى بن هدنة