اللوبي الأميركي اليهودي، بإمكانه أن يصيب الإدارة الأميركية بالصداع والألم. فصوته مسموع ومعبر ومؤثر. ولذلك قدم الكاتب الأميركي ريتشارد كوريتس رئيس تحرير مطبوعة و«اشنطن ريبورت» نصيحته للعرب والمسلمين لمواجهة تحدي هذا اللوبي الذي يعمل بمنتهى النشاط.

فالخيارات الممكنة التي يستطيع العرب والمسلمون الأميركيون أن يتخذوها ليؤثروا في الانتخابات الأميركية كما يؤثر فيها اليهود، تتمثل في تصفية الأجواء مع الإدارة الأميركية. المسلمون والعرب في الولايات المتحدة على يقين بأن السبب وراء السياسات الأميركية غير المنصفة سواء كانت في فلسطين، لبنان، سوريا.

أو غيرها من القضايا العربية والإسلامية، يتمثل في تأثير لوبي إسرائيل الرئيسي الموجود بواشنطن وهو منظمة «إيباك» التي قامت بتوحيد أل 25 مجموعة المتواجدة في مجلس الرؤساء للمنظمات الأميركية اليهودية الأساسية، وإفراغها في قالب واحد يتمثل في جماعة ضغط منظمة ذات صوت ناطق قوي. ولذا فإن التحدي الذي يواجه المجتمع الأميركي المسلم وكذلك العرب المسيحيين إنما يكمن في أمرين كما يقول كوريتس:

أولاً: إيجاد ما يوازن أو يعادل تلك الجماعة اليهودية الضاغطة.

وثانياً: إطلاق سراح صُناع السياسة الأميركية لكي يسعوا وراء المصالح القومية الأميركية التي تنادي بالاستقرار في العلاقات الدولية، والتي تنادي كذلك بإنشاء علاقات إيجابية وودية مع جميع الدولة الإسلامية.

وهناك من المسلمين الأميركيين من يرى إنه في سبيل تيسير الاندماج في الحياة الأميركية بالصورة التي تحفظ هويتهم كمسلمين وفي الوقت نفسه لا تفقدهم تواصلهم مع أصحابهم وجيرانهم الأميركيين، لا ينبغي على الإطلاق مهاجمة اللوبي اليهودي. صحيح أن المسلمين يمكن أن يخففوا من السيطرة أو القبضة الإسرائيلية على السياسة الخارجية الأميركية إذا ما تجنبوا ـ مثلاً ـ الحديث عن القضية الفلسطينية.

ولكن جميع رؤساء المنظمات الإسلامية والعربية- الأميركية يعارضون إهمال هذه القضية وهذا أمر طبيعي وموقف ثابت يتماشى مع الرأي العام في العالم الإسلامي. فهم يعتقدون أنه طالما هذا اللوبي موجود على قيد الحياة، وطالما أنه لم يُحل بعد، فسيعمل جاهدًا وسيبذل كل ما في وسعه- دون أن يكل أو يمل- ليضمن عدم قبول المسلمين أو العرب الأميركيين داخل المحيط السياسي الأميركي.

ويربط ريتشارد كورتيس كما جاء على موقع «شبكة النبأ»، بين مصير الفلسطينيين في الأراضي المحتلة بمآزق المسلمين الأميركيين بقوله، انه سيكون من الصعب أكثر فأكثر أن يكون المرء مسلما في الولايات المتحدة إلى أن تحل القضية الفلسطينية.

فاللوبي الإسرائيلي بسبب نفوذه غير المعقول في وسائل الإعلام سيواصل تصوير كل العرب وكل المسلمين كإرهابيين ويجب تقييدهم واعتراضهم والسخرية منهم وحتى ترحيلهم من اجل أمن المجتمع غير الإسلامي. ويلعب الإعلام الأميركي الدور الأكبر في ترسيخ الرؤية الصهيونية لصورة العربي والمسلم. فالترديد الببغائي في التقارير الإخبارية الأميركية لتعابير إسرائيل «القضاء على شبكة الإرهاب».

وتدمير البنية التحتية الإرهابية والهجوم على الإرهابيين» في معرض تبريرها لاعتداءاتها أو قصفها أو حصارها أو كل ذلك معا ضد المدنيين في لبنان وفلسطين واختيارها المفردات الإسرائيلية في قولها«الأراضي المتنازع عليها» بدلاً من الأراضي المحتلة، و«الضواحي اليهودية» بدلا من المستوطنات اليهودية، و«الإرهابيون المسلمون» بدلاً من الأصوليين أو المتطرفين، وغير ذلك من أمثلة كثيرة، تبقي على صورة العربي والمسلم «الإرهابي» حية دوما في الفكر الشعبي الأميركي.

وهناك مثال، وهو الفيلم الوثائقي الشهير «الجهاد في أميركا» الذي يتناول نشاطات المتطرفين الإسلاميين في الولايات المتحدة في التسعينات أي قبل أحداث سبتمبر 2001، فقد بثته شبكات التلفزيون الأميركية لخبير أميركي يدعى ستيفن امرسون بعد حوالي عام من تفجير مبنى مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993. وركز على صورة مسلمين وعرب ينشدون الأناشيد عاليا ويصرخون الموت لأميركا،وبذلك ساهم امرسون في إضرام المزيد من المشاعر المعادية للمسلمين والعرب.

مخاوف اللوبي اليهودي

ومع ذلك، فإن أكثر ما يخيف اللوبي اليهودي هو ازدياد أعداد المسلمين في أميركا وتناميها بصورة مفزعة سواء من خلال الهجرة أو من خلال الحالات المتزايدة في اعتناق الإسلام، أو من خلال نسبة المواليد المستمرة والتي تُعد من أعظم الأخطار التي تهدد سيطرة أو هيمنة إسرائيل على تسيير السياسة الخارجية.

وهذه هي الحقيقة، إذ أن عدد المسلمين في الولايات المتحدة يتجاوز عدد اليهود الأميركيين.وازدياد هذه الفجوة بين الطرفين يرجع أولاً إلى قلة نسبة المواليد في المجتمع اليهودي، وثانيًا إلى تنامي عدد اليهود غير المنتسبين للمجتمع اليهودي. فعدد اليهود الذين يخرجون أنفسهم من المجتمع اليهودي أكبر من عدد اليهود الذين يرغبون في الانضمام والمشاركة في ذلك المجتمع.

وتقول صحيفة «الإندبندنت» البريطانية أنه مع حلول عام 2010 فإن نسبة المسلمين ستشهد ازديادا مضطردا يفوق عدد اليهود. ونقلت الصحيفة عن إحدى المشرفات في دائرة الإحصاءات الأميركية قولها إن على العرب في أميركا أن يدركوا ضرورة استغلال قوتهم العددية من خلال عملهم على تشكيل هوية إسلامية أميركية محلية وليست وافدة، وذلك خلال المشاركة بالتعداد السكاني.

من ينتخبون؟

حاليا يبدو صوت الناخب العربي أو المسلم في الانتخابات الأميركية المقبلة، مشتتا. فلا يوجد موقف موحد على مرشح بعينه. وكشف استطلاع أجراه مركز واشنطن الإسلامي لحقوق الإنسان عن أن أكثر من نصف الناخبين المسلمين مازالوا في مرحلة تقييم واستكشاف المرشحين من كلا الحزبين وأنهم لم يحسموا بعد اختيارهم.

ورغم عدم انتماء معظم المسلمين الأميركيين لأي من الحزبين - الجمهوري والديمقراطي، إلا أنهم يميلون تاريخيا إلى المرشح الديمقراطي، لأنه أكثر اهتماماً بالأقليات الدينية والعرقية في المجتمع الأميركي. ويعتبر الحزب الديمقراطي نفسه تقليديا مناصرًا لكل الفئات الدنيا سواء كانوا ممن يضرب الفقر فيهم أطنابه أو من الأقليات.

وأظهر استطلاع أن نسبة 62% منهم تصوت للديمقراطيين في حين تصوت نسبة 25%. ويتوقع أن يؤيد معظم المسلمين المرشح أوباما، لكون معظم المسلمين الأميركيين من أصل إفريقي، إضافة إلى أنه أكثر اعتدالاً في موقفه تجاه القضية الفلسطينية. كما أنه يرفض منذ البداية الحرب على العراق.

ولأن إقبال المسلمين على التصويت يعزز مكانتهم ويخرجهم من عزلتهم وغيابهم يهمش وجودهم، فقد تحركت منظمات إسلامية كبرى من خلال حملة توعية لتفعيل دور المسلمين الأميركيين في الانتخابات الأميركية. على سبيل المثال أطلقت الجمعية الإسلامية الأميركية «ماس» حملة أطلقت عليها اسم «التصويت قوة» لدفع المسلمين إلى مراكز الانتخاب.

ويقول مدير الجمعية مهدي بري أن المسلمين سيصححون خطأهم المتمثل في انتخاب الرئيس «الجمهوري» جورج بوش في معركة 2000،وسيحرصون على الاختيار المناسب الذي يخدم مصالحهم.

وترى جمعية «ماس»أن المشاركة في العملية الانتخابية يصحح صورة المسلمين التي شوهت وظهرت على أنهم لا شأن لهم بالعمليات الانتخابية والديمقراطية كما هو الحال في بلدانهم. كما أن المشاركة تدفع صناع القوانين والمشرعين إلى عدم تجاهل حقوق المسلمين عند إصدار أي تشريع. وبالفعل كانوا قد نجحوا في مساندة السناتور الديمقراطي جيم ويب لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية فيرجينيا التي بها عدد كبير من المسلمين.