هناك جهد يبذل من جانب العديد من المراكز والمنظمات الإسلامية الأميركية، يقوده مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير)- لتأكيد الوجود العربي والإسلامي في المنظومة الأميركية بمختلف ميادينها. جهد يستهدف دمج العرب والمسلمين في المجتمع الأميركي سياسيا واجتماعيا.
ولكن المراقب المحايد، يرى إجمالاً أن العرب والمسلمين الأميركيين في معظمهم غير مندمجين - فعليا - في المجتمع. والمقصود بالاندماج هنا ليس مجرد اعداد مؤتمرات أو حملات إعلامية للدفاع عن معتقداتهم وفي الوقت نفسه تأكيد انتمائهم للولايات المتحدة، بل المقصود أكثر من ذلك.
انه التعايش مع المجتمع بكافة أطيافه والمشاركة الجادة في كافة الأنشطة الأميركية لإثبات الولاء للمجتمع الذي هاجروا إليه واستقروا فيه مع الحفاظ على العقيدة. هذا هو المطلوب. وهذا هو حال جاليات أجنبية غير مسلمة في الولايات المتحدة، فقد احتفظت بطقوسها ومناسكها التي تربت عليها في وطنها الأم ولكنها لا تنكمش على نفسها باسم الحفاظ على العقيدة.
وتقول أحدث دراسة أميركية أعدتها 32 شخصية أميركية من أكاديميين ومسؤولين بينهم وزير العمل السابق لين مارتن، أنه لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة منذ أن اعتقلت الحكومة الأميركية واحتجزت يابانيين خلال الحرب العالمية الثانية، يشك عدد كبير من الأميركيين في ولاء المسلمين المهاجرين الذين لم يندمجوا في المجتمع، حيث أن الشعب الأميركي ليس له دراية بما يدور في رؤوسهم.
وقالت الدراسة إن المسلمين، بعد قرابة سبع سنوات من هجمات 11 سبتمبر، ما زالوا خارج التيار العام في الولايات المتحدة. فعلى الرغم أن من بين المسلمين عناصر على درجة عالية من التعليم والكفاءة العلمية وقادرة على الإسهام الفعال في الحياة المدنية، الا أنها بعيدة عن الدوائر الحكومية والإعلامية في غياب مؤسسات وأصوات سياسية أو شعبية.
من هنا تصاعدت حدة الشك في ولائهم. وقد حذرت الدراسة من أن المسلمين إن لم يندمجوا في المجتمع الأميركي فإنهم سيواجهون شكا وعزلة قد تؤجج التطرف في صفوفهم. وقالت الدراسة إن هناك حاجة قومية ملحة ليعمل المسلمون وغير المسلمين معا لخلق فرص كاملة ومتساوية للمشاركة المدنية والسياسية للأميركيين المسلمين.
وقد يكون عدم الاندماج الفعلي في الحياة الاجتماعية والسياسية، على رأس الأسباب التي لا تساعد على قيام لوبي عربي وإسلامي قوي في الحياة الأميركية، خاصة أنه في مقابل ذلك، ينشط اللوبي اليهودي للدفاع عن إسرائيل ومصالحه من جانب.
ومن جانب آخر ينشط الإعلام الأميركي المعزز بسطوة هذا اللوبي في تشويه صورة العرب والمسلمين في العالم مما يصعب من خروج عرب ومسلمي أميركا من الدائرة التي اختاروها لأنفسهم. ولذلك، فظهور نجم سياسي - من المسلمين - بشكل منفرد،يثير في معظم الأحيان ضجيجا في الأوساط السياسية التي مازالت في معظمها مشوشة بفعل ما تبثه وسائل الإعلام عن المسلمين.
تشويه الصورة
فعلى سبيل المثال، اعتبر النائب الجمهوري فيرغيل غود أن وصول مسلم للكونغرس يهدد القيم الأميركية، ويقصد بذلك كيث إليسون وهو أول نائب مسلم يدخل مجلس النواب الأميركي مستفيدا من أصوات المسلمين من أصل صومالي.
وكان قد صرح في لحظة انفعال، أنه يريد أداء اليمين على المصحف لدى استلامه مهامه (مع العلم أن مراسم دخول الكونغرس لا تجبر العضو الجديد على اللجوء إلى أي كتاب ديني مقدس في حلف اليمين). وقد رد هذا النائب الجمهوري المتعصب على موقف إليسون قائلا«أخشى أن يزداد في القرن المقبل عدد المسلمين في الولايات المتحدة فسيزداد عدد المسلمين المنتخبين الذين سيطالبون باستخدام المصحف خلال مراسم أداء اليمين».
حتى المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية باراك أوباما. لم يسلم - رغم تأكيده أنه كاثوليكي الديانة - من أذى منافسته السناتور هيلاري كلينتون لمجرد أن والده كان مسلما من كينيا. فقد لجأت هيلاري على سبيل المثال إلى ما يسمى بسياسة التخويف )ئمفْ شفكُّيكَّ( حتى تتمكن من هزيمته في الانتخابات التمهيدية في بعض الولايات.
فإلى جانب ترديدها بأن أوباما عديم الخبرة خاصة في قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي- لجأت إلى تخويفه بإثارة الشبهات فيما يتعلق بجذوره الإسلامية. تلك السياسة نجحت بالفعل في زرع بذور الشك لدى بعض الناخبين في الولايات التي يغلب فيها الصوت الأبيض والتي فازت فيها هيلاري.
ففي مقابلة مع قناة (أي بي سي) سأل المذيع المرشحة كلينتون ما إذا كانت تعتقد أن أوباما مسلم؟ فردت بأسلوب المراوغة لتثير الشكوك فيه، حيث قالت «إنه يقول ذلك وأنا أحكم حسبما يقول.. وذلك وفق مقدار علمي حتى الآن».
التصدي للعزلة
ان التصدي لاستهزاء بعض الساسة الأميركيين من كل ما هو مسلم في ظل انتشار ظاهرة «الإسلام فوبيا» التي تسود معظم أرجاء المجتمع الأميركي، تتطلب من المسلمين مواجهة العديد من المثالب والتحديات التي تواجههم. وقد لخصها الدكتور صفي الدين حامد استاذ هندسة تخطيط المدن بجامعة تكساس في كتاب «الإسلام في أميركا» على النحو التالي:
- عجز بعض المجموعات الإسلامية عن إقامة علاقات مودة مع مختلف عناصر المجتمع الأميركي المتعدد الجاليات.
- التردد في الاجتهاد بين علماء المهجر مما أدى إلى تعليق أكثر القضايا الفكرية والاجتماعية.
- الخلل في ترتيب أولويات العمل الإسلامي، مما أدى إلى حصر الدعوة وتقييد انطلاقها وتبديد الجهود في أمور ثانوية.
- التشتت الغريب والشرذمة الحادة بين المجموعات الإسلامية المختلفة.
- غياب مشاركة النساء بطريقة ملموسة في نشاطات الحركة.
- تعثر الكثير من المنظمات في تطوير وتنفيذ انتخابات تعكس مفهوم الشورى.
- اتساع الفجوة الفكرية بين الحضارات المختلفة.
سلوكيات المسلمين
ويقول الدكتور أحمد دويدار رئيس المركز الإسلامي في مانهاتن بمدينة نيويورك أن المشكلة تكمن أيضاً في سلوكيات بعض المنتمين للإسلام التي قد تمنع قيام مسلمي الولايات المتحدة بالعبادات، ووجودهم كمواطنين أميركيين لهم الحقوق نفسها مع غير المسلمين.
ويوضح أهمية انضباط سلوكيات المسلمين فلِحُسْن أخلاقهم وعدم تطرفهم واحترامهم لتقاليد المجتمع الأميركي مفعولُ السحر على احترام أميركا لهم ولدينهم. ومن الأهمية إخراج عناصر ناجحة من الأجيال الإسلامية داخل أميركا في مختلف المجالات، فلا بد أن يظهر الطبيب والإعلامي والمهندس المسلم الناجح داخل المجتمع الأميركي، لتأمين مستقبل للوجود الإسلامي في أميركا وأوروبا.
ان المسلمين والعرب الأميركيين بوجه عام، في حاجة إلى الثقة في أنفسهم وإلى إعادة استكشاف قدراتهم وتوظيفها، فطبيعة الحياة في أميركا تتيح لأي فئةٍ فرصةً كافية للتطور والتغيير. هذا ما يقوله نهاد عوض مدير(كير) وعضو مجلس الحقوق المدنية الاستشاري التابع للبيت الأبيض.
مضيفا في الوقت نفسه إلى أن هناك نظامَ حياة ديمقراطيا يمكِّن الأقليات من استرداد حقوقها وتغيير القوانين واستصدار قوانين جديدة تستجيب لحاجة الأقليات فقط، من خلال الجهد المتواصل والنضال السياسي، وبناء تحالفات مع الآخرين.
