بعد أحداث سبتمبر 2001 خرج الرئيس الأميركي جورج بوش، الراحل قريباً عن سدة تخطيط مستقبل العالم، علينا بفكرة الشرق الأوسط الكبير وتقسيمه العالم إلى محورين: شر وخير. وكانت كل تصريحاته تنصب على الديمقراطية، وفرضها في الدول التي صنفت ضمن المحور الأول: إيران، العراق، كوريا الشمالية، سوريا، كوبا، وغيرها.. والآن بعد سبع سنين ماذا كان الحصاد؟
كل شيء على حاله، بل أسوأ قليلاً.. حتى العراق وأفغانستان اللتين يفاخر بهما بوش ويرى فيهما أنموذجاً لفكره الديمقراطي لاتزال لغة الدم والاقتتال وأرقامها أقوى من الاستقرار والتنمية. فلا كوبا تغيرت ولا كوريا الشمالية تخلت عن البرنامج النووي، وإن قدمت تساهلاً وتجاوباً غير مسبوق، ولا العراق وديمقراطيته يستحقان الاقتداء، ولا أحوال أفغانستان تسر، ولا شيء يستحق وقفة تقدير تجاه ما تم اتخاذه حيال سوريا أو إيران، فالفعل الوحيد الذي قدمه بش هو قطع الحوار والعقوبات. وهما طريقان لا يمكن أن يقودا بأي حال إلى ديمقراطية.
إيران منذ إطلاق بوش فكرة الشرق الأوسط الجديد شهدت ثلاثة انتخابات شهد لها العالم بأنها ديمقراطية، ومع ذلك يصر بوش على زيادة الضغط وتوسيع أجندات العقوبات، والتلويح المستمر بالعمل العسكري، والتحريض الدولي.
إذن، الموضوع ليس ديمقراطية ولا يحزنون. بل أجندة سياسية غلافها الديمقراطية.
فما جرى في فلسطين في العام 2006 ديمقراطية 100 في المئة ولكن إدارة السيد بوش لا تراها، والصحيح إسرائيل، كذلك، فكانت العقوبات والحصار وتجويع الشعب الذي استخدم حقه الديمقراطي الذي شجعه عليه بوش.
وفي الديمقراطيات العربية القائمة، مثل: لبنان، ومصر، وحتى الكويت والبحرين رأينا بعض الانتكاسات، وإن اختلفت في حدتها ومفاعيلها وتداعياتها.
وحتى الدول التي لم تصنف على أنها ديمقراطية فإنها رفعت لافتات الحفاظ على الموروث، وعدم تقبل الفرض الخارجي. والمحصلة، أن الديمقراطية في المنطقة لم تتقدم بالمقدار الذي يمكن أن نقول، ولو همساً، أن فكرة الشرق الأوسط الجديد.. ذلك الشرق البراق المليء باحترام الحقوق السياسية وحريات التعبير.. قد غرست بذرتها في المنطقة. فالموجود في المنطقة، بكل وضوح، بذور شقاق واحتراب وموت.
فإما أن الخلل في اختيار الوصفة، أو في تجاوب جسم المريض، أو في «الدكتور» بوش، أو أن هناك وصفة خفية على عكس ما روج له في البيت الأبيض.
بوش أمامه ستة أشهر حتى يغادر سدة الرئاسة والأكيد أنه لن يعدل ما أخطأ.. لذا فكل الأنظار تتركز على ما سيحمله الرئيس الجديد سواء كان المحارب القديم جون ماكين أو أحد الديمقراطيين: باراك أوباما أو هيلاري كلينتون.. والتوقعات أن لا جديد سيحدث.. فهناك حالة انفصام بين ما يدور في دهاليز البيت الأبيض وأماني الشعوب الفقيرة، التي باتت الآن تركض وراء الخبز والأرز.. ولا وقت للهاث وراء ترف الديمقراطية.
وهكذا أضاع جورج الفرصة المناسبة لتطبيق الديمقراطية.. ربما لأنه لم يكن «ديمقراطياً» بما يكفي.